اللسعات الأكثر خطرا على المواطنين من لسعات العقارب

   خرج علينا وزير الصحة في نشرة أخبار مصرحا بأن الوزارة على وشك الخلاص النهائي من لسعات العقارب التي تصيب أزيد من ثلاثين ألف مواطن في السنة، وكانت نسبة الوفاة اثنين بالمائة، والآن هي في حدود 0.2 بالمائة، ونعمل على جعلها صفر بالمائة.

   إلى هنا الخبر عادي وجيدا جدا، والوزير المحترم مشكور عليه، لأنه يلاحظ عليه أنه يعمل دوما بجد وإخلاص.

   لكن السؤال العريض والكبير الذي يستنتج من هذا التصريح من طرفنا كمواطنين عاديين هو:

   كيف نقضي على “لسعات” هي أقوى وأخطر وأضر بالمواطنين من لسعات العقارب؟ علما أن العقارب لا تلسع إلا من يذهب إلى جحرها، في حين أن “اللسعات” الأخرى نتعرض لها غصبا أو عمدا.

   فالمواطن يُلذغ بلسعات عندما يقصد الإدارات العمومية من أجل غرض هو من حقه، لكن لا يحصل عليه إلا بعد “لسعة” من “العقرب” المتواجدة في الإدارة..

   وعندما نشاهد مواطنين يقتاتون من قمامة الأزبال!! ومواطن آخر – في منصب كبير- يتناول عشاءه في باريس ثم يعود إلى العمل.. فهذه لسعة، وتلك لسعة، وبينهما فرق شاسع، بل هما جريمتان في حق هذا البلد المسالم الأمين، فالذي يتعشى في باريس لا شك أنه أخذ حق أولائك الذين يأكلون من القمامة، أليست هذه لسعة خطيرة ومضرة؟

   وعندما يقول الوزير في تصريحه، أن المغاربة يتعرضون إلى ثلاثين ألف لسعة في السنة، فإن ما نشر عن صندوق الضمان الاجتماعي من اختلاسات بلغت 18 مليار درهم وحظي المسؤولون عنه بحكم البراءة، فإن هذا الأمر أخطر وأضر من 18 مليار لسعة عقارب، بل وحتى لدغات الأفاعي، وشملت ملايين المواطنين وليس الآلاف فقط.

   وعندما يقوم صاحب الجلالة بتدشين ورش كبير لصالح المواطنين، فيتم إقبار المشروع برمته، أو يقع الاختلاس والغش في إنجازه، فهذه أيضا لسعة أخطر وأضر من لسعات ألف عقرب.

   وعندما يتم إهدار عشرات الملايير – بل مئات الملايير من الدراهم- في شأن كرة القدم ومجتمعنا تنخر فيه الأمية، وتفتك به الأمراض المزمنة والمعدية، فهذه المشكلة تجاوزت لسعات العقارب إلى لدغات الأفاعي، فأين هو العقل الراجح والحكمة البناءة؟

   وهكذا، فإذا استرسلنا في عد اللسعات سيطول بنا العرض، فهناك لسعات بعض الجمركيين، ولسعات بعض رجال الشرطة في الطرقات، ولسعات بعض القياد والشيوخ والمقدمين، ولسعات أرباب العمل في القطاع الخاص، ولسعات، ولسعات…

   فالمواطن المغربي يكاد يشبه النحلة التي جثمت فوقها مئات من الزنابر أو النمل كل يلسع لسعته، ويأخذ نصيبه وهو صابر ومستسلم وليس له قوة ولا حيلة، بل وقد يطالب منه تقديم الشكر.

   فلا تضحكوا علينا بالقضاء على لسعات العقارب، اعملوا على تخليصها من “العقارب” الناطقة، واتركونا وحال العقارب الأخرى فهي أهون وأرحم بكثير مما ذكرناه أعلاه.

   فهل من ضمير حي، وقلب مخلص، وعقل راجح ينشر الطمأنينة والحقوق في مجتمعنا؟ ثم بعد ذلك نفكر في لسعات أو مثيلاتها، ذلك ما نتمناه بكل رجاء وأمل.

أحمد القادري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!