في الأكشاك هذا الأسبوع

كيف تحولت حكومة الملك إلى آلية لمعارضة الملك

حكاية “الأحمق الأكبر” في زمن السلاطين

إعداد: سعيد الريحاني

   لا يخفي حزب العدالة والتنمية المغربي تأثره بحزب العدالة والتنمية التركي، ورغم أن الحزب المغربي يصر على نفي كل علاقاته المفترضة مع الخارج إلا أن الصحافة استطاعت أن تؤكد وجود روابط بين الحزبين،”حيث أن زعماء في حزب المصباح، يؤسسون جمعيات ثقافية واستثمارية مشترَكة مع الأتراك.. وآخرون يتوسطون لهم لإقامة مشاريع في مدن مغربية، وأبناؤهم يدرسون حاليا في إسطنبول، كما أن زعماء الحزب الإسلامي المغربي ينظمون، بشكل متكرر، زيارات إلى تركيا، خاصة منهم الذين يتابع أبناؤهم دراساتهم هناك، كما أن العديد منهم شوهدوا، غير ما مرة، في مطار إسطنبول (المصدر: جريدة المساء عدد:10 أكتوبر 2011).

   ولا أحد يخفى عليه ذلك الحماس، الذي عبر عنه حزب العدالة والتنمية لفتح الأبواب أمام العثمانيين الجدد لدخول المغرب، لولا وقفة الباطرونا(..)، رغم أن عقدة أجدادهم كانت هي عجزهم عن الوصول إلى هاته الأرض، الأرض الإفريقية، شأنها شأن الإمارات العربية المتحدة والبحرين وموريتانيا وجيبوتي، وجزر القمر.. ولا شك أن بن كيران الحالم بتكرار تجربة “السلطان أردوغان” لم يقرأ في التاريخ تفاصيل استبداد السلاطين العثمانيين بالحكم(..).

   “ثمة مقولة عثمانية تقول، إن رقبة خادم السلطان أرفع من شعرة، ذلك أن السلطان كان كثيرا ما يستخدم سلطة العفو والقتل على عبيده وأسرته، وكان فتح السلطان لمشربيه في برج العدالة، أعلى غرفة في الديوان في الفناء الثاني، أو وطأه بقدمه على الأرض في أثناء المقابلات في غرفة العرش، إشارة إلى الإعدام، إما بالخنق، وإما بالفأس، وإما بالخنجر، وقتل شاغلو الصدارة العظمى (الوزراء الأولون) على يد السلطان نفسه، حتى صار من بين اللعنات العثمانية والدعوات التي يدعو بها الناس على بعضهم البعض، أن يقول أحدهم للآخر، جعلك الله وزيرا لسليم، في إشارة إلى عدد الوزراء الذين أعدمهم سليم الأول، ومن بين سبعة عشر صدرا أعظمَ بين العامين، 1644 و1656، مات اثنان فقط ميتة طبيعية، كان إحساس الضحايا بواجب طاعة السلطان قويا إلى درجة أن أغلبهم لم يدفعوا الموت عن أنفسهم، فإذا كان العثمانيون يذهبون للحرب كذهابهم للعرس، فإنهم أيضا يذهبون إلى الإعدام كذهابهم إلى صلاة الجمعة.. وقد سأل أحد الصدور العظماء درويشا: من هو الأحمق الأكبر، فجاءته الإجابة: أنت أيها الوزير العظيم، لأنك فعلت ما تستطيع لكي تصل إلى منصبك، على الرغم من أنك مررت بحصانك فوق الرؤوس النازفة لأسلافك، ورأسك ستسقط في البقعة نفسها التي طارت فيها رؤوس سابقيك” (المصدر: القسطنطينة/ المدينة التي اشتهاها العالم/ الكاتب الأصلي فليب مانسيل/ عالم المعرفة).

   لحسن حظ بن كيران، وهو صدر أعظم، أن العثمانيين لم يصلوا إلى المغرب، ولحسن حظه، أن العالم تطور كثيرا، وبات بإمكان الصدر الأعظم، تجنب تنفيذ توجيهات السلطان(..)، بل بات بإمكانه معارضة سياسة السلطان(..)، بما في ذلك السياسة الخارجية، فأحد أبرز عناوين التعارض بين سياسة الملك وسياسة بنكيران، رغم أنهم يقولون أنها حكومة جلالة الملك، هي أن الحزب الحاكم، العدالة والتنمية، لازال يحلم برجوع الرئيس المصري محمد مرسي إلى السلطة، في إطار التعاطف العالمي للإخوان المسلمين(..)، وبينما بعث الملك محمد السادس رسالة تهنئة، إلى المشير عبد الفتاح السيسي بمناسبة انتخابه رئيسا لمصر، كان الجناح الدعوي لحزب العدالة والتنمية، يواصل “تأجيج” الأوضاع بالدعاية لـ “الانقلاب”، وكتبوا في بيان شهير لهم، “عرفت مصر الشقيقة خلال هذا الأسبوع تطورا مثيرا لمسلسل الأحداث الجارية بها منذ مدة آل إلى انقلاب عسكري، قام به قادة الجيش والشرطة وعناصر النظام البائد على الشرعية الديمقراطية، بدعوة وتحريض ودعم وتبرير من عدد من السياسيين والإعلاميين، حيث تم حجز الرئيس المنتخب ديمقراطيا وتعطيل العمل بالدستور والسعي الحثيث لفرض وضع جديد تجهض فيه مكاسب ثورة 25 يناير التي قام بها الشعب المصري..”.

   وانظروا لغرائب الصدف، فرئيس حركة “التوحيد والإصلاح” اليوم، عبد الرحيم الشيخي، المقرب جدا من رئيس الحكومة بن كيران، كان أحد الذين “هرولوا” للقاء الرئيس المخلوع محمد مرسي، وبينما أصبح هو رئيسا لحركة “التوحيد والإصلاح” بدعم من رئيس الحكومة، كان مرسي قد حجز مكانه وراء القضبان(..)، ما معنى أن يحاول الملك محمد السادس فتح صفحة للمستقبل في العلاقات المصرية المغربية، بينما يحاول القياديون في حزب العدالة والتنمية، إعدام أي فرصة لهذا التقارب، ويسجل التاريخ أن الذي حضر حفل تنصيب الرئيس المصري، كان هو وزير الخارجية صلاح الدين مزوار وليس بن كيران، رغم الإشارة الملكية(..).

   وكانت الصحافة قد تحدثت مؤخرا عن زيارة محتملة للملك محمد السادس إلى مصر، بل إن الوفود سبقت الملك إلى مصر، في انتظار الزيارة، لكن الزيارة لم تتم، علما أنها لم تعلن من الجانب الرسمي، وتقول مصادر “الأسبوع”، إن الزيارة، مشروع تبادل الزيارات بين الملك محمد السادس والرئيس عبد الفتاح السيسي قد يؤجل لمدة طويلة، بعد أن أفسدت التقارير المكتوبة من كلا الجانبين، كل تقارب محتمل(..)، ولا شك أن وجود بن كيران على رأس الحكومة المغربية له تكلفته على مستوى الخارج، وقد يكون فشل التعاون بين مصر والمغرب أحد عناوين هذه التكلفة(..).

   لاشك أن التعارض الواضح بين سياسة الملك وسياسة بن كيران التابع للإخوان(..)، هو الذي جعل أحد المصريين يقول: “إن بن كيران يخطط لتهميش دور الملك محمد السادس”، وقد اختار أحد مشايخ السلفية المصريين، المدعو محمود عبد الرازق الرضواني، حزب العدالة والتنمية المغربي ليكيل له هجوما حادا، بلغ درجة وصفه بـ “السرطان الإخواني الذي ينخر داخل المغرب”.. الناشط المصري، الذي يظهر بشكل يومي على قناة “البصيرة” الفضائية، خصص لإخوان بن كيران حلقات عديدة بعنوان “مكر الإخوان لإسقاط الحكم الملكي في المغرب”، التي ردد خلالها مواقفه المهاجمة لإسلاميي العدالة والتنمية، مضيفا أن “شغل المغرب الشاغل هو الحقد الدفين لمصر من خلال الحكومة الإخوانية”، موجها تحذيره بقوله: “إن لم تتبرأ حكومة بن كيران من فكر حسن البنا، فإن الخراب سيحل على المغاربة”.(المصدر: هسبريس. الأحد 24 يناير 2016).

   لم تنعكس العلاقات السلبية لحزب العدالة والتنمية المغربي على العلاقة مع مصر فقط، بل إنها امتدت، لتؤثر على العلاقة القوية مع دول الخليج، بل إن الهجوم على سياسة الملك، في الخليج بلغ أوجه مع الزيارة الملكية التاريخية، حيث لم يجد القيادي محمد يتيم، المعروف بتعصبه أيام الجامعة(..)، إلا وقت الزيارة ليتهم دول الخليج بتمويل خصومه السياسيين، مشددا على أن ذلك، لن ينال من شعبية حزب المصباح ورئيسه، محمد يتيم، نائب رئيس مجلس النواب، ودون أن يقدم أي دليل على ادعاءاته، اختار تواجد الملك محمد السادس في منطقة الخليج ليطلق النار على هذه الدول، ما اعتبره مراقبون تشويشا على الزيارة الملكية قصد إفشالها، علما أن حزب العدالة والتنمية قام بنفس العملية قبل شهور بمناسبة زيارة الملك للأقاليم الجنوبية للمملكة (المصدر: موقع برلمان كوم).

   قد يكون لحزب العدالة والتنمية خلاف كبير مع حزب الأصالة والمعاصرة، لكن تصريف الخلاف إلى الخليج (الخارج عموما) فيه إساءة للوطن، وقد سأل صحفي ذات يوم بن كيران، أيهما تختار: الوطن أم الجماعة؟ لكن بن كيران لا يأخذ الدروس مما يكتب في الصحافة، بل حرصه على الفوز بولاية أخرى على رأس حزب العدالة والتنمية، فيه تأكيد على رغبته في البقاء رئيسا للحكومة، وبالتالي فرض الأمر الواقع على الملك باختياره لولاية ثانية.

   قمة الشرود في العلاقة مع دول الخليج، عبر عنها بن كيران خلال المشاركة المغربية في عاصفة الحزم، التي تروم دعم الشرعية في اليمن بقيادة السعودية، حيث اضطرت الجهات العليا إلى تعويض غياب بن كيران ببلاغ لوزارة الخارجية، أكدت فيه مشاركة المغرب:”وأضاف البلاغ أنه أمام هذه السلوكات وما تحمله من مخاطر على نطاق واسع، فإن المملكة المغربية تعلن عن تضامنها الكامل والمطلق مع المملكة العربية السعودية وتأييدها للحفاظ على الشرعية في اليمن، والدفاع عن المملكة العربية السعودية في خطاها لدرء أي سوء قد يطال أرضها أو يمس، من قريب أو من بعيد، الحرم الشريف، أو يهدد السلم والأمن في المنطقة برمتها”، علما أن تفعيل قرار المشاركة المغربية لم يمر عبر المجلس الوزاري، ما يطرح السؤال حول موقف بن كيران من المشاركة.

   لنفترض أن بنكيران لا يحبذ دول الخليج، ألا يقتضي وصوله إلى منصب رئيس الحكومة، التعامل بمنطق مصلحة الدولة؟ أليست دول الخليج، هي التي تقف اليوم عقبة أولى في وجه مخطط تقسيم المغرب(..)؟ أليست دول الخليج هي التي تساند اليوم مغربية الصحراء بشكل علني(..)؟.

   يذكر أن منطق الحسابات الضيقة هو الذي يجعل بن كيران وإخوانه، لا يرون في الوطن إلا حلبة للصراع الحزبي، ولا يأخذون بعين الاعتبار الاعتبارات الخارجية، وها هو بن كيران يقول ويردد إن حزبه سيحتل الرتبة الأولى في الانتخابات، لكنه لا يفكر في الرتبة التي سيحتلها المغرب من جديد بعد التصويت على حزب العدالة والتنمية، في ظل هذا الحديث عن قطع المساعدات على المغرب بسبب التصويت على “البيجيدي”.. وربما تكون الرسالة التي لم يتسرب عنها أي شيء وسفر المستشار الهمة إلى السعودية، ولقائه بالملك السعودي سلمان بن عبد العزيز خلال شهر مارس الماضي، وقفة لتوضيح الأمور، وربما ذهب الهمة ليصلح ما أفسده بن كيران(..) تماما كما أصلح حكومته لتبقى في مكانها باعترافه.

   لنأخذ دولة صديقة مثل الإمارات، لا أحد يجادل في ذلك، لكن الصحافة العالمية أصبحت تكتب في سابقة تاريخية، بأن “الإمارات تنقلب على المغرب”، ويشرح صاحب هذا العنوان: “طالما كان المغرب من أكثر الدول التي يقصدها شيوخ الإمارات للاستجمام وقضاء الإجازات فيها، وطالما كان المغرب من أكثر الدول قربا إلى شيوخ الإمارات، ولكن يبدو أن صعود حزب العدالة والتنمية إلى الحكم قد أدى إلى فتور في العلاقة بين حكومة أبوظبي والمغرب، ومن المرجح أن يتصاعد هذا النفور إلى مرحلة الهجوم والانتقاد، خاصة مع أزمة التراشق الإعلامي بين مصر والمغرب”.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!