صناعة وتجارة السيوف.. تجارة الجريمة في المغرب.. من يقف وراءها؟

بقلم: رمزي صوفيا

   إذا طرحت على أي سيدة في المغرب هذا السؤال: “هل سبق لك سيدتي أن تعرضت لحالة هلع أمام مجرم يحمل سلاحا أبيضا؟ “ستجيبك نسبة كبيرة من المغربيات بـ: “نعم”، فقد صار من المسلّمات التي اعتاد عليها الناس في المدن المغربية الكبرى كالدار البيضاء، مراكش، فاس وغيرها من الحواضر المزدحمة بالسكان، سماع أخبار السرقات والنشل والطعن بالأسلحة البيضاء من طرف شباب في مقتبل العمر أصبحوا رغم صغر سنهم، من الجانحين المدمنين على شتى أشكال وأنواع المخدرات التي انتشرت كثيرا بين الشباب دون الوصول إلى مصادرها، وكيف تنجح في الوصول إلى هؤلاء الشباب لتحولهم من طاقات شابة لتنمية البلاد وتطويرها، إلى عصابات خطيرة على البلاد والعباد.

   وقبل أي شيء، لا بد لي من التنويه بالدور المشرف والمتميز الذي تقوم به كافة فئات رجال الأمن في سبيل حماية أرزاق وأرواح المواطنين في المغرب، ولكن الأمر أحيانا يفوق هذا المستوى الجيد لعمل الشرطة. لماذا؟ لأن صناعة السيوف والسكاكين الكبيرة في المغرب، تتم خارج أدنى مراقبة بحيث صارت ميدانا يسيل له لعاب الباحثين عن الربح السريع إذا علمنا بأن سعر تسويق سكين من الحجم الكبير يتراوح ما بين 100 و400 درهم، كما جاء في إحدى الصحف اليومية مؤخرا، هذه السيوف التي يقتنيها المجرمون بهدف مُبيّت، وهو القيام بجرائم سرقات ونشل ومهاجمة متواصلة للمواطنين وخاصة السيدات.

   وبطبيعة الحال، فمهما ارتفعت كفاءات الشرطة وتم تزويد رجالها بكل مقومات مكافحة الجرائم، فإن معدلات الجريمة في المغرب لن تنخفض طالما ظلت العقوبات التي ينالها كل مجرم بسيطة، بل وبسيطة جدا مقارنة مع ما اقترفه في حق مواطن بريء.

   وهنا يتحدث الكثيرون عن حقوق السجين حتى صار السجن، وكما يؤكد عدد ممن سبق لهم أن أودعوا فيه، عبارة عن مكان للاستفادة من خدمات عدة جمعيات حقوقية تتنافس على تقديم مساعداتها للسجناء، وهنا أطرح على هذه الجمعيات سؤالا ضروريا: “أين هي حقوق ضحايا هؤلاء المجرمين؟ هل المجرم مواطن من درجة تستحق منكم الدفاع عنها، والضحية من درجة تستحق النسيان وعدم الانتقام له مما فعله فيه المجرم، بينما فرض الله في كتابه القصاص، بل وصفه الخالق سبحانه وتعالى بأن فيه حياة.

  أسئلة كثيرة تتناسل في ذهني من فرط استغرابي لعدة تناقضات تطغى على ملفات جرائم حمل السلاح الأبيض واستعماله ضد مواطنين كانوا يعتبرون أنفسهم آمنين في بلد الأمان حتى اكتشفوا في لحظة واحدة وعن طريق المباغثة، بأنهم ليسوا أبدا في مأمن من شباب مخدر يبحث عن كسب المال بسلب أرزاق الغير، وهو مستعد لسلب أرواحهم أيضا في حالة إبداء ضحاياه لأدنى مقاومة، وهذه الظاهرة المزرية لم تعد خافية على أحد في المغرب: انتشار السيوف والسكاكين من الحجم الكبير. هذه الأسلحة الخطيرة التي كانت أسواق المغرب في الماضي تجلبها من صناعها المرخّصين قبيل عيد الأضحى فقط، وكانت السكاكين ذات الحجم الكبير ترتبط بمناسبة دينية غالية على نفوس المغاربة، ألا وهي هذا العيد، الذي يطلقون عليه اسم “العيد الكبير” من فرط تعلقهم به، لكن الذي نراه اليوم هو أن هذه الأدوات لم تعد منزلية ولم تعد بريئة، بل صارت أسلحة أقرب ما تكون لأسلحة الدمار، ما دامت قد دمرت حياة عائلات كثيرة بقتل معيليها أو أحد أفرادها من طرف مجرم من مجرمي السيوف في المغرب، ومادامت قد تسببت في إعاقة آلاف الضحايا وخلقت أمراض الهلع وفقدان الثقة والشعور بالأمان في نفوس آلاف النساء المغربيات.

   لقد انتشر استعمال السيوف الكبيرة بطريقة تطرح عشرات التساؤلات على القائمين على الشأن العام في البلاد:

  • من أين تأتي هذه السيوف؟ وهل فعلا يتم تصنيعها في أمكنة سرية وتتم المتاجرة بها بعيدا عن عيون السلطات؟

  • لماذا لا يتم تضييق الخناق على صناعها وتجارها بواسطة مراقبة مشددة تكشفهم وتعرضهم للمتابعة بتهمة المشاركة في الجرائم التي يرتكبها من يشترونها لهذه الغاية، أي غاية الإجرام؟

  • كيف تحول النشل وسرقة الهواتف النقالة وحقائب النساء إلى وسيلة سريعة للكسب من طرف المجرمين، وكيف لا يتم ضبطهم وهم يبيعون مسروقاتهم في أسواق يعرفها الجميع؟

  • كيف يتم الدفاع عن المجرمين، وهم داخل السجون وتمتيعهم بعدة حقوق بعد تناسي ما فعلوه بدلا من القصاص منهم بأقسى العقوبات الجسدية، كما كان يحدث في الماضي، عندما كان السجناء يخرجون للترصيص، وبناء الطرقات والاشتغال في الغابات والسدود، ليفيدوا البلاد وليدفعوا ثمن أفعالهم بالتعب والإرهاق الجسدي تحت أشعة الشمس صيفا، وتحت وابل الأمطار شتاءً، حتى يُرْدعوا، ويصعب عليهم بالتالي أن يفكروا في اقتراف جرائم جديدة بعد تخلصهم من معاناتهم في عالم السجون المغربية.

  • لماذا تتعامل المحاكم مع حملة السلاح الأبيض بطريقة بعيدة عن فحوى القانون الجنائي، وفصوله واضحة جدا في هذا المجال، ولكن بدون تطبيق في عدة حالات، حيث يتم إطلاق سراح المتهم بالتلبس بحمل السلاح الأبيض بسرعة رغم أن القانون يفرض عقوبة سجنية تتراوح بين ستة أشهر وسنة مع غرامة مالية من 1200 درهم وحتى 5000 درهم، أما في حالة استعمال هذا السلاح، فقد فرض القانون عقوبة في حق المجرم تبدأ بسنتين سجنا، وقد تصل للمؤبد، أما استعمال السلاح لتعذيب ضحية ما، فإن عقوبته تكون هي السجن من عشرة إلى عشرين سنة وغرامة من 20 ألف إلى 50 ألف درهم.

   ولكن يبدو أن هذه العقوبات الزجرية التي نص عليه القانون الجنائي المغربي تبقى حبرا على ورق في عدة حالات ورغم وصول المجرم إلى أيدي العدالة، فإن التساهل يكون في انتظاره والأمثلة على هذا كثيرة جدا، ويكفي أن نذكر شهادة صاحب حمّام نسائي يقع بالحي المحمدي في الدار البيضاء، والذي عبر عن استغرابه واستنكاره بعد أن أطلقت المحكمة سراح مجرم اقتحم حمام النساء المذكور رغم إلقاء القبض عليه وهو متلبس بفعلته وفي يده السلاح الأبيض، فأين هو تطبيق فصول القانون الجنائي في هذه النازلة وفي أمثالها يا ترى؟

   لقد أصبح حمل السلاح الأبيض، وخاصة السيوف، ظاهرة خطيرة في المغرب تتطلب تجميع كل الفعاليات وتكثيف الجهود للقضاء عليها، ومادام كل واحد مسؤولا عن عمله، فمن الواجب على كل واحد القيام بما تتطلبه هذه الظاهرة المثيرة للتساؤلات، خاصة بعد انتشار فضائح جرائم النشل وقطع الطرق على المارة بواسطة هذا السلاح ووصول أخبار هذه الفضائح إلى دول أجنبية، كما رأينا في تحقيق أمريكي طرح هذا الموضوع وقدم أمثلة حية لسياح وسائحات أجانب تعرضوا لهجمات مجرمين في المغرب خلال مقامهم بحيث سيصعب عليهم التفكير في تكرار تجربة سياحية جديدة في هذا البلد الجميل، بل سينشرون الأخبار المزرية لما تعرضوا له بين معارفهم وأحبابهم، وهذه ضربة ما بعدها ضربة للسياحة المغربية التي نعرف بأن الاقتصاد المحلي في أمس الحاجة لمداخيلها.

   لقد آن الأوان ليتحمل كل طرف من الجهات المسؤولة مسؤولياته في وقف هذا النزيف، لأن الأمثلة كثيرة وكثيرة جدا، ولأن جرائم المدمنين وقطاع الطرق تكلف العائلات المغربية الشيء الكثير، وتكلف الدولة الشيء الأكثر، ففي مراكش مثلا لن ينسى سكان حي عبد الكريم الخطابي المعركة الدامية التي دارت بين شابين بالسيوف فقطع أحدهما يد الآخر بضربة واحدة، وفي برشيد، لن تنسى فتاة في سن العشرينات، تلك الضربة الواحدة التي عاجلها بها مجرم بالسيف فقطع يدها متسببا في إعاقتها إلى الأبد، وأما في الدار البيضاء، فحدث ولا حرج عن المعاقين الذين يحملون آثار ضربات سيوف المجرمين، ناهيكم عن الذين رحلوا عن هذا العالم بضربة سيف من جانح يكون في بعض الأحيان من القاصرين.

   إنه من العيب والعار أن يتم التغاضي عن هذه الظاهرة، بل يجب القيام بمخطط وطني تجتمع لإعداده ووضعه كل الكفاءات الغيورة على سمعة البلاد والعباد، ويتم العمل به على وجه السرعة لوضع حد نهائي لنشاط المنحرفين، والقيام بحملة  على السيوف مع الضرب بيد من حديد على أيدي صناع وتجار هذا السلاح الخطير، وإلا فما الفائدة من منع حمل السلاح الناري ما دام المجرمون يصلون بالسلاح الأبيض إلى نفس النتيجة، وهي ترهيب ضحاياهم وترويعهم ومهاجمتهم وضربهم، بل وقتلهم في غالب الأحيان.

تعليق واحد

  1. يتكلمون عن بلاد الأمن لأن حكامها يعيشون في امان ولا تهمهم حياة المواطنين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!