العاطفي والديني في الخطاب السياسي المغربي

   مع اقتراب الانتخابات التشريعية، تتأجج أكثر حمى استمالة المواطنين بالطريقة نفسها التي حدثت في 2011 وفيما قبلها، وفي هذا السياق يبذل الحزب الإسلامي الحاكم كامل جهده لاستخدام كافة الطرق والوسائل في زرع نوع من التعاطف معه في الانتخابات المقبلة، بعد أن فشل على الواقع في تحقيق آمال وأحلام الشعب المغربي.

   في مؤتمر حزب العدالة والتنمية الاستثنائي الأخير، لم يبق لرئيس الحكومة سوى ذرف بعض الدموع أمام المنتمين إلى حزبه، بل أمام الشعب المستهدف بالخطاب، بعد إلقاء خطاب عاطفي طبعته عبارات “الله يهديكم” و”حشومة” و”هذه رجلة”؟! أو “واش انتم تواجهون الإسلاميين أم الإسلام”، وما شابهها في قصف الأحزاب المعارضة وكل من طوعت له نفسه أن ينتقد هذه الحكومة أو يصفها بالفشل.

   وإذا كان رئيس الحكومة، قد أعلن أن “الله تاب عليه”، مما يمكن تسميته “تاإسلاميت”، فإن الواقع يثبت أنه لولا هذه “التاإسلاميت” ما وصل الحزب أبدا إلى الحكم ولا حقق ولو البسيط، ولذا عليه وعلى حزبه أن يحمد الله، أولا لأن المغاربة يجري الإسلام في عروقهم مهما ادعى بعضهم أنه يساري أو يميني، أو يساري ويميني في الوقت نفسه، ومن تم فإن أي خطاب كان معجونا ببعض الألفاظ الإسلامية، يمكنه أن يؤثر فيهم ويجعلهم ينخرطون بشعور أو لاشعور في العملية الانتخابية، ويصوتون على الحزب الإسلامي، وهو الخطاب البديل للوطنية الذي وصلت به أحزاب أخرى إلى الحكم.

   وثانيا، لأن ظروف هذا الوطن تحمل نوعا من القابلية لتقبل أفكار الإسلاميين، في وطن تصل فيه نسبة الأمية حوالي 70 في المائة، فضلا عن عدم التكوين السياسي لمعظم المثقفين وتواضع الطبقة المتوسطة على مستوى التكوين السياسي والعلمي، وهي التي ساعدت الحزب على الوصول.

   إذن يمكن القول إن الحزب الإسلامي استغل ويستغل سذاجة المغاربة وجهل أغلبهم بالأمور، ليسيطر على الساحة السياسية، عبر استمالة المواطنين عاطفيا ودينيا، واستدراجهم كل ما اقتربت الانتخابات، وهذه الاستمالة واضحة في البرنامج السياسي للحزب، عبر مساعدة الأرامل والأيتام وشعار “محاربة الفساد” و”القضاء على التماسيح” وغير ذلك من الشعارات التي تجعل الأغلبية تجري وراء الحزب.

   إن المشاريع التي كان يجب على الحزب العمل عليها لضمان مشروعيته، كان يجب أن تقوم على الموضوعية والبراغماتية والنفعية، فمحاربة الفقر تكون بإنجاز المشاريع الاقتصادية، والتنمية الاجتماعية، تكون بإصلاح التعليم عوض محاربة المدرسة العمومية، وبإصلاح قطاع الصحة وجعل التطبيب مجانيا عوض بطاقة “راميد” التي تخفي وراءها قلاعا من الرشوة والمحسوبية والزبونية، والتي نقلت القطاع من المجانية إلى الأداء المقنن، ومحاربة الفساد، تكون بإعادة أموال الدولة إلى الدولة عوض نشر الأسماء والتشهير بالمفسدين، ثم نشر ثقافة “الله يسامح” ودفع المواطنين الأبرياء والنزهاء إلى أداء ضريبة صندوق المقاصة وصندوق التقاعد وديون الصناديق الدولية.

   لقد حان الوقت لرفع الشعارات الموضوعية، ووضع البرامج الملموسة والواقعية والابتعاد عن الشعارات العاطفية والدينية على اعتبار أن المغرب كله إسلامي حسب الدستور، وأن جميع الأحزاب إسلامية، ومن تم، فمهما تعددت الأسماء “شيوعية أو اشتراكية أو عدالة أو دستورية”، أو غير ذلك، فإن الشعار الأسمى هو الوطن والدولة بهويتها التي يضمنها الدستور لا الأفراد، ولنا في حزب العدالة والتنمية التركي خير مثال، والذي لم توصله ولن توصله إلى الحكم أبدا تلك الشعارات التي عفى عنها الزمن، والتي جعلت دولا عربية أخرى تحدو حدوها كما هو الحال في تونس مثلا.

   إن المواطن المغربي هو الذي سيصنع غده ومستقبله، ومن تم لا بد من ضرورة الوعي السياسي بما يجري، والانخراط فيه، واختيار الحزب الذي وضع برنامجا إصلاحيا مناسبا لمغرب الغد، والذي له بعد النظر، أما الشعارات العاطفية والدينية، فهي تذهب بذهاب أصحابها ويبقى الوطن.

                                                                              سعيد سهمي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!