الحقيقة الضائعة | السلطان عالي الهمة… والرحامنة شعب ثائر ضد السلاطين

بقلم: مصطفى العلوي

   قال فقيه من السراغنة، إن الله رحماني بالتأكيد، ولما سألوه لماذا، قال: ألم يقل في القرآن الكريم: “بسم الله الرحماني”.

   كل عارف بجزئيات التاريخ، يتذكر وهو يتتبع أحداث اليمن، وحرب التحالف المغربي مع السعودية ضد اليمن، وضد عنف الحوثيين الذين يستمد مقاتلوهم القوة من مضغ القات(…)، الحشيش المحلي(…) يتذكر ذلك الماضي القتالي لقبيلة مغربية، تسمى الرحامنة، في أطراف مراكش، سمعنا عنها الكثير، ووعود إغراقها بالملايير، عندما ترشح بها صديق الملك، فؤاد عالي الهمة، والزيارات الملكية للرحامنة، والاستثمارات بالملايير ولم نسمع بعد عن تدشينها، وكلها تحركات، تتجاوب مع ماضي هذه القبيلة المغربية المتأصلة من القبائل اليمنية(…) بني معقيل(…) وكانت اليمن وقتها جزءا من الجزيرة العربية، لنفهم من الحرب الدائرة اليوم في اليمن، أن قبيلتهم الرحمانية في أطراف مراكش، خاضت حروبا، استفحلت في كثير من الحالات ضد الملوك العلويين(…) وبأي ثمن: فقد أمر خليفة السلطان مولاي هشام بن محمد (سنة 1794م)، بقتل القطب عبد الله الرحماني، وكان الإعلان عن هذا القرار من الخطورة التي هددت استقرار المغرب ((وجعلت السلطان مولاي سليمان، يعلن رسميا في فاس، أن المعارضين لعبد الله الرحماني هم الذين قتلوه، ولم يخطئ السلطان، وقد قام الرحمانيون، بعزل مولاي هشام وتنصيب أخيه مولاي الحسين، سلطانا على الرحامنة وحدها في شكل انفصال(…)، لتحدث حرب بين قبائل الجنوب، عبدة وأحمر، ودكالة، بعد أن اتقدت نار الفتنة وبلغ عدد القتلى بينهم، أكثر من عشرين ألفا(…))) (الاستقصا).

   وهي الفترة التي قال فيها السلطان مولاي سليمان، حكمته المغربية الشهيرة ((هان علينا كسر الخابية بموت الفار))، ولكن خابية الرحامنة لم تتكسر، فقد كان الرحامنة يمنيون كالحوثيين في معارضتهم، لا يقبلون زعامة أحد ((فقد جاء السلطان مولاي سليمان لتأديب الرحامنة، وأرسل إليهم من يفاوضهم، امحمد بوستة(…) فقتله الرحمانيون)) (نفس المصدر).

   حتى عندما كان المغرب تحت حكم السلطان العظيم، محمد بن عبد الله بن إسماعيل الذي كان المؤرخ الزياني، صاحب “الترجمانة الكبرى”، يسميه ((السلطان عالي الهمة، الذي يحب الفخر ويضع المسائل في محلها، ويعرف مناصب الرجال)) فإن هذا الملك العظيم، عانى من عنف الرحامنة، عندما كان خليفة عليهم مكلفا بتجديد قصور السعديين المخربة، فكتب مؤرخ الدولة عبد الرحمن بن زيدان، متأثرا بكراهية السلاطين الذين عرفهم للرحمانيين: ((كان سفهاء الرحامنة وأشرارهم(…) قد ألفوا العبث، والفساد في أطراف مراكش، فمنعوا الخليفة من ترميم قصور السعديين والموحدين وأخرجوه.. فلجأ الخليفة السلطاني إلى أسفي)) (إتحاف الأعلام. عبد الرحمن بن زيدان).

   تصوروا أن الرحامنة في عهد سلطان علوي آخر، مولاي عبد الله بن إسماعيل، هجموا يوما في مراكش على حمامات النساء، وأفسدوا ليتسببوا في أزمة اجتماعية، اضطرت السلطان إلى إيفاد خليفة له لتهدئة الأوضاع.

   ويظهر أن العنف المرتبط بمعاملات الرحمانيين، والقتل والسفك، هو الذي ربط الحديث عنهم، في كتب التاريخ، بتعبيرات القذف، خصوصا وأن هذا التاريخ مشحون بالعنف، ضد السلاطين العلويين.

   فبينما كان السلطان محمد بن عبد الرحمن يخوض حرب تطوان المشهورة، ضد الإسبان (سنة 1859) والتي انتهت بعد تضعضع جيوشه بمفاوضات من أجل انسحاب الإسبان.. بعد أداء ما سمي بالجزية من طرف المغاربة، فوجئ السلطان بسلسلة حركات انفصالية، كانت أولاها ثورة المسمى “الدجال الروكي”، ليفاجأ بالرحمانة، الذين كان يعرف تاريخهم الفوضوي ((بينما هو في محاربة الإسبان، فوجئ السلطان محمد بن عبد الرحمن بثورة الرحامنة، في الحوز، وقد تحزبوا(…) على تفريق الكلمة، وأكل أموال الناس بالباطل، وشنوا الغارات على أسواق مراكش، ونهبوا وسلبوا المارة وعتوا في السابلة، ولم يتركوا بابا من أبواب الفساد إلا وطرقوه، بينما المغاربة بين نارين، نار فتنة الإسبان، ونار المفسدين من الرحامنة)) (إتحاف الأعلام. عبد الرحمن بن زيدان).

   عجيب كيف واكبت الثورة الرحمانية، مسار الملوك العلويين، لدرجة تدعو للتساؤل عن أسباب هذه المعارضة المتأصلة(…) والتي ضربوا فيها بعنف رهيب حتى قطب السلاطين العلويين، الحسن الأول، حين كتب العالم المختار السوسي: ((إن معارك الرحامنة وصراعاتهم مع القايد عبد السلام بن الراضي، وابن الفكاك، وصالح المراني، والمطاعي، وفي بلاد البرابيش أنهكت الجيوش في أراضي الرحامنة، فقتل من قتل وربطت الآلاف من المسجونين بالسلاسل، فيصبح الموتى في كل يوم، ولا تسأل عما وقع من وسط الرحامنة إلى زاوية بن ساسي، حين أغرقت الأمطار، المربوطين بالسلاسل، نصفهم أموات يجرهم من لازالوا أحياء وفي مراكش يذهب بالأموات للدفن، وبالأحياء للدفن في السجون)) (حكايات القاضي الناجم الاخصاصي. المعسول).

   أما كانت تجربة داعش التي حركت العالم كله لمحاربة هذه الظاهرة، أمرا شائعا في التعامل السياسي للرحامنة.

   وحتى عندما بدأت عيون الاستعمار الأروبي، تتفتح لاحتلال المغرب كواحدة من أولى التدخلات الأروبية لفرض النظام، وعندما كان الجنرال ليوطي يحضر السلطان مولاي حفيظ، فإن القطب الاستعماري اختار هذا الأمير، بالدرجة الأولى، لأنه خاض وهو خليفة في مراكش، تجربة العنف مع قبيلة الرحامنة، لتتوصل السلطات الفرنسية، بتقرير من جاسوس يسمى “ديسولتي” توجه ليعيش وسط الرحامنة، متخفيا وراء اسم محمد المراكشي ((كشفت الوثائق الفرنسية المتواجدة في خزانة مدينة نانت الفرنسية، سنة 1906، أن منطقة مراكش في الأيام الأولى لظهور عائلة الكلاوي، عرفت وصول الجاسوس الفرنسي ديسولتي المبعوث من طرف السفارة الفرنسية بطنجة، والذي حضر عندما ظهر القايد الطيب الكندافي، كرجل قوي في الحوز والرحامنة، وأرسله مولاي حفيظ نظرا لهيبته، لينصح الرحامنة الذين نصبوا حدودا قرب قرية سيد الزوين، لمنع الكندافي من الدخول إلى مراكش، ليبعث الرحمانيون إلى السلطان مولاي حفيظ، رسالة يقولون فيها ((إذا كان لسيدنا الغرض في الحوز، فليعجل بالمدد، وإن قطع(…) فلا لومة بقيت علينا)) (الحركات الحفيظية. علال الخديمي).

   ربما كان هذا التقرير أول وثيقة سياسية يكتبها جاسوس فرنسي عن هذه القبيلة الثورية، أنهاه بالتلميح إلى بروز ظاهرة ما يسميه الفرنسيون “الشانطاج”: أعطنا.. وإلا فإنك لا تلوم إلا نفسك.

   المؤرخ الفرنسي الكبير كاستون دوفيردان صاحب أضخم كتاب عن “تاريخ مراكش من التأسيس إلى الحماية” كتب عن ((الرحامنة القبيلة الوفية للسيبة))، وعن حروبهم مع السلاطين العلويين أن السلطان محمد بن عبد الرحمن: ((ضرب أعناقهم وبعث برؤوسهم المقطوعة إلى فاس، ثم إلى مكناس، لتعلق بها وأن شيوخهم جاؤوا عنده ليقبل ثوبتهم، فاستقبلهم وأسلحتهم مرصعة بالفضة، ودعاهم للعشاء في القصر الملكي ولكنهم عندما أرادوا الخروج، اقتيدوا إلى السجن)) (ترجمة الزكراوي، والمعزوزي).

   الاستنتاج الطبيعي لهذا السرد السريع لتاريخ قبيلة يمنية(…) مستقرة وسط الأطلس المغربي، يكشف تجذر الروح الثورية في هذه القبيلة التي أعطت للجيل الحاضر، نموذجا مخالفا تماما لماضي الرحامنة، حيث لا يعرف المغاربة من الرحامنة الآن، إلا صديق الملك فؤاد علي الهمة، الذي أنسى حشود قبيلته في هذا الماضي، الذي جعل مؤرخ الدولة العلوية عبد الرحمن بن زيدان، المؤرخ الذي عايش خمسة سلاطين يصف هذه القبيلة، بأقبح الأوصاف، رغم أن عددا من سلاطين المغرب كانوا يسمونهم في الرسائل المتعلقة بصفة “الرحامنة ظالمي أنفسهم”.

   وإن كان تاريخ الرحامنة، لم يكتب كما يجب، ولم يتعمق فيه الباحثون الجامعيون(…) بما يشفي الغليل عن جذور المكونات القبلية المغربية، وتباعد تقاليدها المتجذرة من جزيرة العرب، عن تقاليد القبائل المغربية الأخرى.

   حتى الرجل القوي في مراكش، الحاج التهامي الكلاوي، وقد ضرب العرش العلوي بطريقة أكثر إيلاما من ضربات الرحامنة، لم يتفاهم طويلا مع الرجل القوي في الرحامنة، القايد العيادي، الذي رغم التاريخ الدموي لقبيلة الرحامنة، في صراعاتها مع الملوك العلويين لم يقبل من الكلاوي، أن يتآمر على رمز المغاربة، محمد الخامس، مثلما يتضمن التاريخ المعاصر للمنطقة، أن الفرنسيين عند استقرارهم بنواحي مراكش، اختاروا التعامل مع الكلاوي ضد المكونات الثورية عن الرحامنة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!