في الأكشاك هذا الأسبوع
الصحفي رمزي صوفيا رفقة امحند العنصر

عبد الهادي بوطالب فيما يخص امحند العنصر : “هذا الشاب سيكون له مستقبل لامع”

شخصيات مغربية عرفتها

امحند العنصر…

عندما قال لي عنه عبد الهادي بوطالب: “هذا الشاب سيكون له مستقبل لامع”

 

بقلم. رمزي صوفيا

    تعرفت عليه في مطلع الثمانينات، وكان ذلك عن طريق المناضل الكبير، المحجوبي أحرضان، أطال الله في عمره، وكان السيد امحند العنصر شابا يفيض طموحا وحماسا ولا يتوقف عن طرح قضية الصحراء المغربية بإخلاص والتنمية الوطنية الشاملة دون فرق بين العرب والأمازيغ.

وبعد تعارفنا التقيته عدة مرات وكان دائما رفقة المناضل الفنان المحجوبي أحرضان، وكان هذا الأخير يثني عليه دون توقف مؤكدا بأنه ذراعه اليمين وبأن الحزب الأمازيغي هو في حاجة لشباب غيور على مصالح البلاد من نفس طينة السيد العنصر.

وأذكر أنني دعوت امحند العنصر ذات يوم على مائدة الغذاء في بيتي، وعندما دخل فوجئ بوجود لفيف هام من كبار الشخصيات المغربية وبعض الصحفيين العرب فاختار الجلوس بجوار صديقي وأخي العلامة الراحل الدكتور عبد الهادي بوطالب. وكان بوطالب معروفا بصراحته وعدم خطئه في تقييم الناس. وعندما غادر الجميع بيتي بقي معي عبد الهادي بوطالب. فقال لي وهو يبتسم: “لاشك أنه سيكون له شأن كبير وسيذهب بعيدا. “فقلت له: “من تقصد بكلامك؟” فأجابني: “امحند العنصر، إن فيه مواصفات رجل الدولة بامتياز، وأتوقع له مستقبلا سياسيا لامعا”. ومرت السنوات، وصدقت نبوءة عبد الهادي بوطالب، حيث انطلق السيد امحند العنصر في تقلد مناصب المسؤولية محققا نجاحا تلو الآخر في كل القطاعات التي تولى تدبيرها.

وقد أجريت معه عدة حوارات صحفية وخاصة عندما كان وزيرا للبريد والمواصلات السلكية واللاسلكية. يومها خرق كل التوقعات ناجحا في تطوير قطاع الاتصالات بشكل كبير، حيث يعود له الفضل في تطوير الهواتف لحد استفادة السيارات من هواتف متنقلة، إضافة لوصوله إلى عتبة مليون خط هاتفي في المغرب عند نهاية سنة 1990، وهو الأمر الذي اعتبر يومها تحديا كبيرا تمكن من خلاله العنصر من حصد الإعجاب ومضاعفة ثقة الجهات العليا للدولة. وبعد البريد والمواصلات تقلد السيد العنصر شؤون الفلاحة والتنمية القروية سنة 2002، وفي 2004، أصبح وزيرا للفلاحة والصيد البحري، ويومها التقيته في إحدى المناسبات الوطنية فوجدته لا يتوقف عن الحديث عن أهمية الفلاحة بالنسبة لبلد مثل المغرب ولكنه كان أول من دعا لكهربة العالم القروي والكثيرون يشهدون على هذا الكلام، حيث كان السيد امحند العنصر خلال توليه لوزارة الفلاحة لا يتوقف عن زيارة كل المناطق والبحث عن سبل تنميتها لتوازي الحياة الحضرية. ثم جاء تعديل حكومي ليحمل العنصر إلى حكومة عباس الفاسي لتولي حقيبة وزير للدولة. وبعدها، تم تسليم حقيبة وزارة الداخلية للسيد العنصر فأبلى البلاء الحسن في تقريب الإدارة من المواطنين. وقد التقيته خلال تلك الفترة فصرح لي بطموحه المعهود قائلا: “إن أملي هو جعل وزارة الداخلية بنفس درجة القرب من المواطن مثل باقي الوزارات. وهدفي هو جعل الإدارة الترابية رهن إشارة المواطن إسوة بالدول المتقدمة لأن وزارة الداخلية وكما تعلم هي أكبر القطاعات ارتباطا بالحياة اليومية للمواطنين”، وبعد مدة غادرها العنصر ليتولى منصب وزير للتعمير وإعداد التراب الوطني.

وطيلة هذه المراحل التي قدم فيها السيد امحند العنصر صورة مشرقة لرجل الدولة القادر على تقلد منصب المسؤول الأول في أي قطاع، فإن اهتماماته الحزبية لم تخبُ وهمته السياسية لم تخفت.

ومرت السنوات تباعا فحدث خلاف حول وجهات النظر بينه وبين المحجوبي أحرضان، ومع ذلك فقد ظل وفيا لأحرضان وللتوجهات الكبرى للحركة الشعبية، ولا يترك فرصة تمر دون أن يمدحه فيها أمامي، حيث أذكر أنني كنت أجالسه في بيت صديق مشترك، فدار الحوار حول موضوع الخلاف الناشب بينه وبين المحجوبي أحرضان، فصمت العنصر طويلا ثم قال لمحاوريه: “إن أحرضان يبقى كبيرنا وأخونا في النضال، وإذا اختلفنا فإن هدفنا هو واحد وهو خدمة مصالح وطننا فنحن لم نختلف حول إرث أو حول مشاكل عائلية بل إن خلافنا يعني بأن حزب الحركة الشعبية هو في حراك متواصل خدمة للمواطن الذي يعطينا صوته من فرط ثقته فينا”.

وفي هذه المرحلة التي اختلف فيها الزعيمان الحركيان أسس العنصر حزبا بنفس الأهداف والتطلعات المواطناتية التي آمن بها دائما منذ مطلع حياته السياسية، وخلال تلك الفترة بالذات التقيته وسألته عن سبب تأسيسه لحزب بديل، فصمت طويلا وقال لي: “الحزب الحركي الذي أسسته مع مجموعة من الرفاق المناضلين ليس حزبا بديلا يا رمزي، بل هو امتداد واستمرارية لنفس توجهات الحركة الشعبية ونحن في هذا الحزب منفتحون على كل القرائح الهادفة لخدمة الغايات التنموية لبلادنا ولمواطني المغرب”.

وبعد مدة وجيزة علمت بكل سعادة بأن المياه قد عادت إلى مجاريها بين امحند العنصر وبين المحجوبي أحرضان وأنهما صارا أكثر انسجاما من السابق، فعاد العنصر لزيارة أحرضان في منزله الريفي الكبير الذي يعشق فيه السيد المحجوبي مجالسة الطبيعة واستيحاء لوحاته الزيتية منها.

ويتميز امحند العنصر بالكثير من الصفات التي قربته من قلوب رفاقه، وهي التهذيب الكبير والصراحة الفائقة كما أنه محادث بالغ اللباقة وشديد الذكاء مما يجعل مهمة كل الذين يقومون بحوارات صحفية معه لا يحصلون منه إلا على المعلومات التي يريد هو نفسه تعميمها ونشرها حيث يصعب عليك استدراجه أو أخذ تصريحات غير مدروسة منه وذلك بفضل حنكته السياسية الكبيرة ومهارته في تدبير علم الخطابة.

ويبدي العنصر الذي يرأس حزب الحركة الشعبية منذ سنة 1994، قدرا كبيرا من الحكمة والدبلوماسية، فبفضل قدرته على التدبير، عمل الرجل على ضمان وحدة الأسرة الحركية والمحافظة بل وتعزيز موقعها ضمن المشهد السياسي الوطني.

والسيد العنصر من أشهر القراء لكل ما يكتب في الصحف والجرائد حيث قال لي ذات يوم التقيته فيه خلال حفلات عيد العرش، فسألته: “لماذا لا تفارق الكتب يا أستاذ العنصر؟” فأجابني ضاحكا: “سوف أجيبك بسؤال يا رمزي وهو: وبماذا سوف أستبدل الكتب والجرائد يا ترى، فأنا لا أتابع أي برنامج على التلفزيون لضيق وقتي ولكنني لا أستغني أبدا عن قراءة كل ما يقع تحت يدي من مطبوعات ورقية، وواصل كلامه قائلا: “ولكن اليوم والحمد لله فكل المعلومات صارت تصلني بالأنترنيت وأنا سعيد جدا بالتواصل مع كل المواطنين الذين يبحثون عن قضاء غرض ما أو يحتاجون إلى خدمة ما حيث أحرص كل ليلة على التواصل معهم لتدبير طلباتهم ومساعدتهم على حل مشاكلهم وملفاتهم” ثم سألته: “ألا تترك لنفسك وقتا تروّح فيه عن نفسك؟ فقال لي ضاحكا: “بلى فأنا من أشد عشاق رياضة الغولف. وقد شغفت بها بفضل جلالة الملك الحسن الثاني الذي كنت أتابع عشقه لها فجربتها مرة واحدة لأجد نفسي متمسكا بقضاء وقت ممتع بين جنبات الغولف الخضراء صيفا وشتاء وذلك كلما سنحت لي الفرصة”.

وللحقيقة والتاريخ فقد تميز مسار امحند العنصر بالانخراط الدائم في الأولويات الوطنية التي ظل يدافع عنها طيلة حياته السياسية، وظل وفيا لثلاث كلمات هي: الله الوطن الملك، بغض النظر عن كل الصراعات الضيقة والآفاق المحدودة، حتى أنه ومنذ مدة وجيزة عندما تم الشروع في الاستعدادات لتعديل حكومة السيد بن كيران، فإن العنصر لم يتردد في مغادرة المعارضة لحمل حقيبة وزارية في الحكومة المعدلة، وعندما سألوه عن سبب تخليه عن موقع المعارضة وهو الذي يقود حزبا كبيرا له تاريخ عريق في النضال السياسي قال بكل اقتناع: “أنا مع المعارضة عندما تكون لها فوائد لوطني وللناس الذين صوتوا على حزبنا، ولكني على استعداد للتخلي عن المعارضة لنفس الأهداف ونفس الغايات، وبما أن متطلبات المرحلة قد حكمت بدخولي معترك الاستوزار مرة أخرى فقد لبيت النداء بكل رحابة صدر لأنني وكما قلت لكم لدي ثلاث كلمات هي التي تتحكم في قراراتي وهي: الله الوطن الملك.

وفي نظر العديد من المراقبين، فإن القيم التي يدافع عنها حزب الحركة الشعبية هي القيم ذاتها التي تدافع عنها التشكيلات السياسية الأخرى، لكن الفرق بالنسبة للسيد العنصر يكمن في ترتيب الأولويات كما هو الشأن بالنسبة لقضية الأمازيغية.

وفي ما يتعلق بقرار حزب الحركة الشعبية المشاركة في حكومة بن كيران، كان العنصر قد أوضح أن هناك عدة عوامل تدفع في اتجاه مشاركة الحركة الشعبية في حكومة عبد الإله بن كيران، من بينها على الخصوص وجود “نوع من التقارب في وجهات النظر حول عدد من الأمور التي تهم حل مشاكل البلاد”

وطيلة حياته السياسية فقد تميزت خطوات العنصر بكونها محسوبة إلى حد الدقة، لأنه واحد من بين رجال السياسة القلائل الذين يتساوى الفرح والغضب في ملامح وجوههم.

وللإشارة فإن السيد العنصر ورغم مشاغله الكبيرة ومسؤولياته الجمة فإنه لا ينسى أصدقائه القدامى حيث يواظب على الاتصال بهم والسؤال عن أحوالهم كما أنه رب عائلة من النوع النادر حيث أؤكد لكم بأنه وكما نجح كسياسي فقد نجح في تربية أبنائه الخمسة خير تربية محافظا على أصوله العائلية الأمازيغية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!