الحموشي يرد على تقرير الخارجية الأمريكية بمعانقة السفير الروسي

المغرب يحاول الالتحاق بدول “بريكس” المحرجة لأمريكا

إعداد: سعيد الريحاني

   شهدت طريق زعير، بالرباط يوم الجمعة الماضي، حركة غير عادية، بسبب العدد الكبير للسيارات التي تزاحمت حول المقر الكبير للسفارة الروسية، حيث كان الضيوف يحاولون إيجاد مكان لركن سياراتهم، وتحولت جنبات الطريق إلى ما يشبه الاستعراض، حيث اضطر عدد من الضيوف المرموقين، قطع المسافة الفاصلة بين السفارة ومكان ركن السيارة مشيا على الأقدام، وقد أثارت أزياؤهم التي توزعت بين الأزياء الفاخرة والأزياء الرسمية العسكرية، فضول المارة، الذين أدهشهم هذا الحضور الروسي المكثف في العاصمة على غير العادة.

   حصل ذلك يوم الجمعة الماضي، بمناسبة احتفاء السفارة الروسية في الرباط، بالعيد الوطني لروسيا، والذي تميز بحضور مغربي له أكثر من دلالة، جسده حضور عبد اللطيف الحموشي، مدير مديرية مراقبة التراب الوطني (الديستي)، لهذه الاحتفالات إلى جانب الشرقي اضريس، الوزير المنتدب في الداخلية، والوزير الفعلي حسب ما يعتقده كثير من المتتبعين، والوزير المنتدب في الخارجية ناصر بوريطة، المعروف بقربه من الدوائر المقربة(..)، الأمر الذي يؤكد أن الأوساط القوية في المغرب، لم تتأثر بالموقف المحايد الذي عبرت عنه روسيا إزاء التطورات التي عرفتها قضية الصحراء بمجلس الأمن.

   صفق عبد اللطيف الحموشي كثيرا على الخطاب الحماسي الذي ألقاه سفير روسيا في الرباط، وكان لافتا للانتباه، حديث السفير الروسي باللغة العربية، بينما كانت الأوراق الموضوعة رهن إشارته مكتوبة بالفرنسية والعربية، مما يؤكد أن “فاليري فورو بييف” يفضل استعمال العربية لإيصال رسائله، وقد وجه أكثر من رسالة إلى من يهمهم الأمر.

   وكما لو أنه يرد على التقرير الأخير الذي أصدرته وزارة الخارجية الأمريكية حول حقوق الإنسان بالمغرب، والذي اتهمت فيه الحموشي(..)، خصص السفير الروسي استقبالا حارا لمدير “الديستي”، وشوهدا وهما يتعانقان، بشكل حار، ويتبادلان أطراف الحديث، بل إن السفير، خصص جزءً من كلمته لمهاجمة الولايات المتحدة الأمريكية، حيث قال: “للأسف توجد اليوم، في العالم دولة تحتكر الحق في تحديد، أين، ومتى، يتم انتهاك حقوق الإنسان”، في إشارة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

   ولاشك أن المسؤولين الروس، “يفهمون” الخطب الملكية أكثر من بعض المسؤولين المغاربة، حيث نوه السفير الروسي بخطاب الملك محمد السادس في القمة المغربية الخليجية، باعتباره خطابا كان له صدى كبيرا في العالم، حسب قوله، حيث أصبحت السياسة الخارجية المغربية، متعددة الجوانب وتهدف إلى تفعيل العلاقات مع كل الدول الرئيسية في العالم، بما في ذلك روسيا والصين والهند التي تشكل أساسا “بريكس”.

   ولمن لا يعرف معنى كلمة “بريكس”، يكفي أن يعرف أنها كلمة تجمع الحروف الأولى للدول صاحبة أسرع نمو اقتصادي في العالم، كما يمكنه أن يقرأ، في التاريخ القريب ما يلي: “منذ عدة سنوات، ظهر تجمع اقتصادي دولي يسمى “تكتل دول البريكس”، أو مجموعة “بريك  BRIC” التي تضم البرازيل، وروسيا، والهند، والصين”، وقد  تحولت إلى “بريكس” بعد انضمام دولة جنوب إفريقيا، وأصبحت آلية مهمة لبناء نظام عالمي جديد، وإن مواقف الدول المشاركة فيها متطابقة حيال معظم القضايا الدولية التي من أهمها رفض النظام العالمي الحالي ذي القطب الواحد، والعمل على الاستعداد لدخول العالم إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب، حيث ستكون الوجه الاقتصادي للمشروع الأوروآسيوي الاستراتيجي العالمي للدول الصاعدة، ويُمكن لها التحكم بمجالاتها الحيوية سواء القارية أو الدولية، حيث إن دول منظمة “بريكس” تريد أن تأخذ على عاتقها مسألة تغيير هيكل الاقتصاد العالمي، لأن تأثيرها سوف ينمو، كما أنها تنتهج سياسة التكامل الاقتصادي، بدلا من السير على نهج سياسة الإجماع التي تنتهجها واشنطن (المصدر: تكثل دول البريكس/ ماهر بن إبراهيم القصير).

   هكذا إذن، يمكن أن نتوقع من خلال كلام السفير الروسي، توجها مغربيا حتميا، إلى الالتحاق بدول “بريكس” ذات النمو القوي، وهي الدول التي تشكل اليوم أكبر إحراج عالمي للولايات المتحدة الأمريكية، التي اختارت تفتيت الدول النامية مثل المغرب، وقد يكون الهدف من ذلك محاولة منع دول جديدة من اللحاق بدول “بريكس”.. ويالها من مفارقة، أن يلتقي المغرب، الذي يوجد خارج الاتحاد الإفريقي، مع أقوى دولة في الاتحاد الإفريقي، وهي جنوب إفريقيا، المعارضة للقضية الوطنية، في تجمع عالمي آخر بعيدا عن كواليس إفريقيا، ربما يكون ذلك فضاء أرحب لحل قضية الصحراء.

   ويقول السفير الروسي، الذي تنفرد “الأسبوع” بنشر مقتطفات من كلامه: “اليوم تواجه الحضارة من جديد، القساوة والعنف والإرهاب، الذي أصبح خطرا شاملا على العالم، ويجب علينا أن ننتصر على هذا الظلم، وإن أبواب روسيا مفتوحة لتوحيد الجهود مع جميع الدول لكي تعمل على إنشاء نظام للأمن الدولي، الحديث والغير منحاز، ونعارض مخططات “الناتو” لوضع نظام الدفاع الصاروخي الأمريكي، مع المكون النووي في أوروبا الشرقية، والتي قد تكون بداية سباق التسلح الجديد”.

   ويظهر من كلام السفير الروسي، وهو ممثل دولة عظمى، أن الأبواب مفتوحة أمام المغرب، أكثر من أي وقت مضى للمضي في تحديه للولايات المتحدة الأمريكية، التي تنهج سياسة التقارير الحقوقية إزاء المغرب، وهي نفس التقارير التي شكلت في السنوات الأخيرة، حطب النار التي أحرقت العديد من الدول، ولاشك أن المطلعين على خبايا الأمور، يعرفون اليوم، حقيقة “عصابات حقوق الإنسان” التي تسعى للتحكم في العالم (التفاصيل: انظر الأسبوع عدد: 2 أبريل 2015).

   وقد شكل حضور الحموشي وحرصه على الحديث مع السفير الروسي، جوابا مغربيا واضحا، على التقرير الأمريكي، وتأشيرا واضحا على استمرار المغرب وروسيا، في نفس التعاون الذي دشنته الزيارة الملكية الأخيرة إلى موسكو، رغم أن بعض اللوبيات، تشتغل ليل نهار لإحباط هذا التقارب، لا سيما عن طريق كتابات بعض المقربين(..)، أو المحسوبين على اللوبي “الفرنكفوني”.

   وقد قال السفير الروسي، وخلفه صورة الملك محمد السادس والرئيس بوتين، خلال الحفل: “اليوم يجري حفل استقبال، في مرحلة نوعية، جديدة للعلاقات المغربية الروسية، ومنذ شهرين، قام جلالة الملك محمد السادس بزيارة رسمية إلى موسكو، حيث أجرى محادثات مثمرة مع فخامة رئيس روسيا الاتحادية، فلادمير بوتين، ولم يزر الملك بلادنا منذ 14 سنة.. وأثناء هذه المفاوضات، تم التوقيع على مجموعة من الوثائق الثنائية حول التعاون في مجالات مختلفة، وتم اعتماد البيان المشترك حول الشراكة الاستراتيجية المعمقة بين روسيا الاتحادية والمملكة المغربية، والذي يعكس النية المشتركة لمواصلة استمرارية تطوير العلاقات الثنائية.. كما تم التوقيع على البيان الروسي المغربي بشأن مكافحة الإرهاب الدولي، والذي يشير إلى استعداد البلدين لتعزيز التعاون في جميع المجالات المتعلقة بمكافحة هذا الخطر..”.

   هكذا إذن، صفق كل من الحموشي، والشرقي اضريس، وناصر بوريطة على السفير الروسي، وكانت تلك طريقة المغرب الشبه الرسمية للرد على “المزاعم الأمريكية” التي تحاول تفتيت المغرب بناءً على إثارة نقاشات الهوية وحقوق الإنسان، من خلال نسيج جمعوي وفي لأفكارها، وباستعمال الحشود الهائجة(..)، في إطار ما يسميه المحللون، عقلية الحشود، وهو ما انتبه إليه المغرب مبكرا، قبل أن يتولى الملك محمد السادس بنفسه قيادة مبادرة صناعة تحول دولي جديد من أجل المغرب، والمواجهة المباشرة مع خصوم المغرب، تجنبا لتداعيات “الخريف المدمر”، حيث أن موقف أمريكا من المغرب، سواء تعلق الأمر بباراك أوباما أو هيلاري كلنتون التي ستأتي بعده(..)، بات مرتبطا بموقف من النظام نفسه، وهو ما يعني أن المغرب مطالب بطرق أبواب أخرى، رغم التكلفة المحتملة لذلك.

   وكانت احتفالات السفارة الروسية بموسيقى مغربية، قد تزامنت مع الاستعداد لإذاعة اعتذار من السفارة الأمريكية في الرباط للحموشي، وقالت السفارة الأمريكية، في توضيح بهذا الخصوص، إن إدراج اسم الحموشي في تقرير وزارة خارجيتها، يعتبر “خطأ لم يكن مقصودا”، تماما كما فعل الأمين العام للأمم المتحدة بان كيمون بالأمس، عندما وصف المغرب بالبلد المحتل قبل أن يقول، إنه “لم يكن يقصد ذلك”، وفي كلتا الحالتين، فإن ما يطلبه المغرب عبر قنواته الرسمية وما يدفع إليه، هو سحب التقارير المسيئة للمغرب والتراجع عنها، وليس الاعتذار عنها بطرق تمويهية، غير رسمية، لن تجد لها أثرا في التقارير اللاحقة، فالذي يجب أن يعتذر عن التقرير الأمريكي، هو “جون كيري”، بوصفه صاحب التقرير، والذي يجب أن يعتذر عن وصف المغرب بالبلد المحتل، هو بان كيمون نفسه، وليس أشخاصا آخرين.. وقد أصبحت اللعبة مفهومة.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!