الحقيقة الضائعة | إدريس البصري.. وما أدراك ما إدريس البصري.. عوضه سبع وزراء.. ولازال العاطي يعطي

بقلم: مصطفى العلوي

   تفتحت عيون المتفرجين على التفزة، في ذلك المساء من الجمعة (8 أبريل 2016) عندما شاهدوا على غير المعهود، مجموعة من المستشارين الملكيين، جالسين على يسار الملك محمد السادس، وهو يشرف على حفل تجديد الثقة في شركة رونو الفرنسية، وإن كان حضور المستشارين يعتبر أمرا عاديا، وفي بعض الأحيان، غير ضروري(…)، فإنه منذ مدة طويلة، لم يشاهد الناس(…) توسط المستشار رشدي الشرايبي، لهذه النخبة من المحظيين(…) وهو الذي تغيب كثيرا عن كاميرات التلفزة، لأسباب تبقى مجهولة، رغم أن المعروف عن هذا المراكشي المتأصل من فاس، أنه ربما كان يفتح نوافذ القصر مشرعة على ما يريد الكثيرون(…) إبلاغه إلى القصر، وهي لقطة غطى عليها معلقون آخرون، بقولهم: ألم تلاحظوا تغيب المستشار الأول(…) فؤاد الهمة عن هذه الجلسة، وقد كان عاد من مهمته في السعودية والبحرين، أو لعله كان في مهمة سرية.. أو ربما اصبح مكلفا بمهام أكبر من الاستشارة، وقد رأيناه مؤخرا في الكريملين بموسكو وفي حضرة الملك السعودي سلمان.

   ليبقى الحدث الذي ظهر فيه رشدي الشرايبي، بجانب الملك في الرباط، والمهام التي ظهر فيها فؤاد الهمة يسد الثغرات التي كان رتقها من اختصاص وزير الخارجية مزوار، مؤشرا على حدوث تغيير ما.. في أسلوب العمل الملكي، أو في خضم تلميحات إعلامية، غير منشورة(…) إلى قرب إجراء تغيير كبير في أطراف مؤسسة الديوان الملكي، بعد أن طال انتظار تعيين خلف للدينامو المفقود، مزيان بلفقيه، والمستشارة الأولى في الديوان الملكي، الفقيدة زليخة النصري.

   رغم المواخذات المتواترة، على الصمت المهيمن، الذي يبقى طريقة كثير من المستشارين الملكيين، في التعامل مع المستجدات السياسية، مادامت السياسة هي مهمة المستشارين الملكيين، ونذكر أن ملك الملوك، شاه إيران، في سنوات الحكم الأولى، وبالتحديد في سنة 1959، استنبط من عظماء الحكم اليوناني، آلاف السنين من قبل، طريقة دعم الملوك، بما يسمى “عيون وآذان الملك”: ((إن عيون وآذان الملك، كما كانت في عهود “الارشيميد” هي مجموعة من الأوفياء، المسؤولين مباشرة أمام الملك، والذين لا يتوقفون عن التحرك في جميع أنحاء الوطن، بحثا عما لا يتمشى، وبحثا عما يتمشى بطريقة غير سليمة، مادام كل مواطن يمكنه أن يتصل بواحد من هؤلاء.. في حالة ظلم، أو بطئ في التنفيذ)) (جواب للتاريخ. محمد رضى بهلوي).

   قد يقول قائل، إن الدستور المغربي لسنة 2011 يغير مقاييس التعامل الملكي، مع الواقع السياسي، ولكن هل كان الإعلان عن هذا التغيير مفيدا أو سليما في تسليم المقاليد لحكومة أغلبية منتخبة، وها هو رئيس الحكومة المعني(…) يقول منذ أسابيع، وكأنه يستهزئ من سامعيه قائلا: ((أنا لا أعرف هل توجد حكومة أخرى غير حكومتي..)) لنفهم منه جميعا، ما صارحه به أحد أعضاء حزبه في وجدة، وقال له: إنك تقول لنا دائما بأنك لا تتوفر على أي نفوذ، والحقيقة أن هذا الدستور الذي يصفه المستفيدون منه(…) بأنه دستور إصلاحي، ثوري، ديمقراطي، عراه خبير دستوري كبير، الأستاذ ميشيل روسي الذي عاش في المغرب طويلا.. وعايش الرجل القوي في زمن الحسن الثاني، الوزير إدريس البصري، وعاش حتى قرأ، وربما ساهم في مراجعة دستور الملك محمد السادس، ولكنه عندما كتب مذكراته، سجل فيها: ((إنه بعد الثورة الفرنسية بسنة، وبالتحديد في غشت 1790، صدر مرسوم ينص على فصل السلطات القضائية، عن السلطات الإدارية، وهي جزئية لا وجود لنظيرتها في المغرب، مثلما أن مجلس الدولة(…) لا وجود له في المغرب)) (حياة مغربية 1963-2013. ميشيل روسي).

   المقصود بالسلطة الإدارية، هو بالتأكيد، ما يسميه العقلاء، وزارة الداخلية، أم الوزارات.

   بينما نرى هذه الأم الحنون ذات الأسنان المسلحة، والتي كانت ذا زمان قوية، وبقيت قوية حتى بعد دستور 2011، الذي يفرق – مبدئيا – بين السلطات، فترك هذه الأم التي كانت قوية، أرملة بعد أن أفقدتها الأيام “مول دارها” وضناها، الذي كان ينام الليل مطمئنا في أحضانها.

   رغم أن اختيار وزير الداخلية، بقي من اختصاصات الملك، مثلما هو حال بعض وزراء السيادة(…) الذين يمارسون هيمنتهم السيادية(…) ولو بوضع قناع حزبي شفاف على وجوههم لإغداق الابتسامات على الأحزاب السياسية، كانت الداخلية، فعلا، أم الوزارات، أيام العز، أيام وزير الداخلية اليوسي، ووزير الداخلية البكاي، وأمسكت هذه الأم الحنون سياط العنف الموجع أيام الجنرال أوفقير، وبنهيمة، وإدريس البصري الذي أخذ أصول الصنعة من سلفه محمد بنهيمة.

   إدريس البصري، وما أدراك ما إدريس البصري، الذي أضاف الإعلام إلى الداخلية، حماية للداخلية من الإعلام(…) وكان الحسن الثاني قد أضاف لنفوذ البصري جهاز الديستي والمخابرات، إضافة إلى الكولف والشيخات، لكي لا يكون مدير الديستي خارجا عن نفوذ الداخلية(…) المنطق الذي جعل كل القرارات الصادرة عن الدولة، خاضعة لنفوذ وزير الداخلية، والذي كان يأخذ بخاطر الملك، ويرشح له ثلاثة أسماء لكل مرشح لمنصب، لنستغرب في الأيام الحاضرة، عن تضخم عجز نفوذ وزراء الداخلية، وربما لعدم العثور على الرجل القوي، حتى كدنا نفرض على عقولنا أن تقبل تغيير وزير للداخلية، كل سنتين تقريبا ولا مبالغة.. فبعدما هرب إدريس البصري تحت يافطة المرض، ترك وزارة الداخلية، لأحمد الميداوي الذي اختفى عن الأنظار بغتة مراعاة للمقارنة مع سلفه الذي كان وزيرا للداخلية ربع قرن، ليترك منصبه بعد سنتين(…) لرئيس حكومة سابق(…) إدريس جطو الذي رغم أنه الرجل المناسب، بحكم حياده ورزانته، استغرب كيف أن هذه الميزات تحولت إلى مؤاخذات، وهو وزير الداخلية الذي سجل الرقم القياسي، سنة في الوزارة.

   وجرى استحضار التقني مصطفى الساهل، الذي تم إلحاقه سفيرا في باريس، ليتمخزن تقليد وزير الداخلية اليوم، وغدا سفيرا بباريس، وهو ما حصل لشكيب بنموسى الذي ناب عن الساهل في وزارة الداخلية، ليتم إحضار وزير له ملامح القوة، وطيبوبة البوتشيشيين، الطيب الشرقاوي، الذي ما إن وضع أصبعه في شرارة الانتخابات حتى احترقت يداه، واختفى، ليتم تعويضه بشخص متعود على أن لا يضع أي أصبع في أي محل، العنصر، رئيس الحركة الشعبية، عنوانا لفشل إسناد وزارة الداخلية إلى سياسي، فلماذا لا تكون التجربة الجديدة مع المهندس حصاد الذي كان تعيينه فعلا نتيجة أحداث زعزعت الكثير من المواقع، لأنه ربما كان تعيين الوزير حصاد، هو أول مؤشر على حدوث تغيير ضخم في الاختيار السياسي على المستوى العالي.

   فقد حدث بعد استقالة الوزراء الاستقلاليين من حكومة بن كيران، أن عاش المغرب أول أزمة حكومية دامت ثلاثة شهور، كان خلالها قطب الحزب المخزني الجديد، فؤاد الهمة، يخطط لتشكيل حكومة ائتلاف وطني، لتضخيم فشل حكومة الرئيس بن كيران الأولى، وكان حزب الأصالة والمعاصرة، ينتهز الفرصة السانحة(…) للهيمنة على الحكومة، خصوصا بعد أن كانت سمعة قرابة هذا الحزب من الانتساب للقصر، قد جعلته يحصد الكثير من الأصوات، حتى على حساب المصداقية الدستورية، حينما تم التصويت على مرشح الأصالة لرئاسة مجلس طنجة، سمير عبد المولى، رئيسا من حزب الهمة، على مجلس يهيمن على أغلبيته حزب عبد الإله بن كيران، وعندما وصلت التعليمات لمستشاري هذا المجلس أن يصوتوا – بالرغم منهم – على مرشح الأصالة، كتب كثير منهم تحريفا لاسم المرشح سمير عبد المولى، لدرجة أن كثيرين منهم كتبوا: سمير الهمة، ففسدت الانتخابات طبعا، وأمر والي الإقليم حصاد بإلغائها.. وتعرض الوالي للشتيمة(…) التي انتهت بإبعاده من ولاية طنجة، إلى رئاسة ميناء طنجة، ليصنف حصاد، في عداد المناوئين للحزب الذي كان يستمد قوته من الدعاية(…).

   ولتكون المفاجأة شهورا من بعد، فهذا الوالي المتمرد على حزب الأصالة، يتصدر المفاجأة يوم تأسيس الحكومة الثانية لبن كيران، ويصبح فيها وزيرا للداخلية، لنفهم أو نكاد، خبايا استمرار حصاد وصيا على أم الوزارات، رغم أن هذه الوصاية مشتركة مع قطب آخر من مجربي الداخلية وممارسة تقنياتها، الشرقي الضريس، الذي تخصص في موضوع الولاة والعمال بمدرسة إدريس البصري، وقد استفحل عددهم هذه الأيام، حوالي مائة عامل خارج الوزارة، ومائة عامل داخل الوزارة، ليبقى حصاد مكلفا بالشؤون السياسية، وها هو مع الرجل القوي الجديد في الأمن الحموشي، يبدءان انطلاقا من مدريد – التي وشحت حصاد بوسام عالي- وفي اتجاه مستقبل(…) لا شك أنه يخفي الكثير من الخلفيات.

   فحصاد من قدماء المتعاملين المجربين مع نموذج إدريس البصري، مثلما الحموشي، من قدماء المتعاملين مع القطب الاستخباراتي الكبير، الحاج المديوري الذي كان يعرف كيف تتم حماية الملك، وعلم هاته الصنعة لتلامذة مجتهدين، الحاج تمام، ومهراد، وشكري وآخرين.

   المديوري الذي يرجع بنا اسمه إلى أيام الحسن الثاني الذي حكى عنه مستشاره الفرنسي السابق روسي أنه كان حاضرا بجانب وزير الداخلية إدريس البصري الذي سأله أحد الصحفيين: كيف تفسر يا سي إدريس، أن علي يعطة يكون نائبا برلمانيا في كل البرلمانات، فأجابه إدريس البصري: لأنه شيوعي سيدنا.

   سيدنا طبعا هو الحسن الثاني، الذي كان يعرف كيف يكون التلاعب بالأشخاص، وبالأحداث، والذي حكى عنه مؤخرا الإطار السابق والشاهد الصديق معنينو، أنه سمع الملك الحسن الثاني يقول لإدريس البصري، وكان البصري وزير الداخلية والإعلام(…) ممنوعا – مثلما هو حال وزير الإعلام الحالي – من التدخل في شؤون القناة الثانية(…) وربما أراد الوزير البصري أن يحتج على هذا المنع، فقال له الحسن الثاني: ((أنت عندك التلفزيون ديالك – القناة الأولى – وأنا عندي التفزيون ديالي – القناة الثانية)) (مجلة زمان. مارس 2016).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!