في الأكشاك هذا الأسبوع

الصينيون في شراكة “ثلاثية” وأسرار سياسية مع المغرب؟

من إلياس العماري والتنقيب عن النفط وإلى الخارطة الجيوكيميائية للصحراء

 إعداد: عبد الحميد العوني

   الوضع في الصحراء “الغربية”، وفي بحر الصين “مستقر، وليس موضوع صراعات خطيرة”، حسب مستشار الدولة الصيني “يانغ جييشي”، وتسهر بكين على عدم تحولهما إلى “مشكل عسكري تحت أي ظرف”، وعلى الرباط، عدم فتح أي تمثيلية في تايوان، أو دعم التحكيم الذي تطالب به الفلبين واليابان في موضوع جزر نانشا، خصوصا وأن الصين، ضمت هذه الجزر قبل ألفي سنة، وهو تاريخ العلاقات مع المغرب، وفي سنة انطلاق أزمة الصحراء في سبعينيات القرن الماضي، انطلقت عمليات عسكرية فلبينية ضد “الجزر الصينية”، فالدعم المتبادل في موضوع الصحراء وبحر الصين، جزء رئيس من الشراكة المغربية الصينية كما يركز عليها السفير الصيني في المغرب “سون شوز هونغ”.

   يقول السفير الصيني في الملتقى الأكاديمي الدولي الأول: “المغرب والصين، طرفا طريق الحرير” يوم 25 يونيو 2015، المنظم من طرف مؤسسة “كونفوشيوس” في جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء وجامعة الدراسات الدولية بشنغهاي، إن الشراكة بين البلدين منذ ألفي سنة مبنية على ثوابت المساواة والإيجابية المتبادلة والتعاون أو شراكة “الرابح ـ رابح”، وفي ظل العولمة التي تربح في العمق لابد، حسب تعبيره، من تعميق طاقة التعاون و”تبادل المصالح” وحيوية التنمية، والمغرب هو البلد الوحيد الإفريقي الذي يجمع الأطلسي والبحر المتوسط والتعاون الثلاثي ـ بين الفضاء الأطلسي وفضاء المتوسط وأفريقيا ـ ضرورة عولمية تفرض احترام وضع الصين في آسيا الشرقية والمغرب في إفريقيا الغربية، وتدافع المملكة عن “وضعها الوحدوي” كما تقول الصين، وهو الاصطلاح الذي أطلقه “وانغ يييي”، واحتفى به “سون شوز هونغ”.

   وقربت هذه المقاربة الرباط من بكين، وتعارض الصين “كل فعل، وكل اقتراح غير بناء وغير متطابق مع الواقع والطبيعة” في إثارة صعوبات وتوترات غير مطلوبة حسب قراءة وزير الخارجية الصيني.

 قراءة السفير الصيني في الرباط “سون شوز هونغ” قربت بكين والرباط في علاقات يراها السفير ضمن العالم العربي إلى الآن، وهو ينظر إلى التعاون بين الفضاءات الثلاث التي توفرها المملكة: الفضاء الأطلسي، وفضاء المتوسط وإفريقيا

   يقول السفير الصيني في المغرب، إن رئيس بلاده استقبل الملك محمد السادس بعد جولة له في العالم العربي، وبعد أن سبقت كلا من الكويت وقطر(1) العاصمة الرباط في موضوع الشراكة، ولا تزال بكين تنظر إلى وضع المغرب في خارطتها للعالم العربي متأملة إطلاق ما تدعوه التعاون الثلاثي لإعادة تموقع المغرب في إفريقيا. واستغل “سون شوز هونغ” الذكرى 55 لاعتماد العلاقات الصينية ـ المغربية في استجوابه من طرف جريدة “لوماتان” المغربية عام 2008، لحمل رسالة الصين إلى كل بلد في إفريقيا، منذ أن اعتمدت بكين 2006 سنة إفريقيا في الصين، وهناك عبر “هو جينتاو” بالقول، إن الصين ستظل “صديقة دائمة وشريكة وأختا لإفريقيا”. وحسب الخبراء، فإن 2006، تعد سنة فاصلة في ممارسة الصين لقوتها الناعمة(2) وغزوها للقارة السمراء(3) في إطار علاقات مختلفة(4) وهجومية(5). وتبقى “الشراكة الثلاثية”، كما سماها “سون شوز هونغ”، أو “شراكة الفضاءات الثلاث” ضمن ثلاثة مبادئ:

   ـ التعاون البرغماتي أو النفعي، ولا يخجل الصينيون من هذا التعبير، ولا ينافقون في إطلاقه على تعاونهم مع الدول الأخرى، بلغتهم المحلية، وتدخل شراكة الرباط وبكين ضمن ما أطلق عليه “كسي جيسبينغ”: “بناء الحزام الاقتصادي والطريق البحري للحرير للقرن الواحد والعشرين”، في إطار “ربح العولمة في العمق” حسب تعبيرهم.

   ويتمثل المبدأ الثاني في الثقة المتبادلة، ويضمن المبدأ الثالث، التركيز الوثيق على القضايا الدولية، وتركز بكين على مواجهة الغرب في بحر الصين.

   وتدعم بكين المغرب بطريقة غير مباشرة في موضوع عزل الصحراء لعزلها الاقتصاد عن السياسية، وإن تطابق الجانبان في نظرتهما للبحر الصيني، وتؤمن الصين بالقانون الدولي في حرية الإبحار في بحر الصين، تماما كما تؤمن بنفس المقاربة بخصوص التراب المتنازع عليه، فهي تسلم المياه، ولا تسلم سيادتها على جزر نانشا، وتطلب من المغرب أن يسلم التراب، ويبقى في المياه والأجواء لإقليم الصحراء، في مقاربة متقدمة وغير مسبوقة تم تداولها ووصلت “الأسبوع” إلى تفاصيلها.

    وتنفيذا لاستراتيجيتها، سلمت بكين منذ 2001 وزارة الطاقة المغربية تمويلات لاستخراج خرائط جيوكيميائية لجهات (كلميم ـ السمارة، وسوس ماسة درعة، وفي شرق الأطلس)، وهناك شركتان صينيتان تبحثان عن النفط جنوب المغرب (تشاينا نيرين أنجيرين) و(تشاينا ناشيونال أوفشور أويل كوربوريتش) المختصرة في (كنووك).

   وتسير استراتيجية الصين أو ما خططت له بكين قدما في القارة السمراء، دون أن يمتلك أي بلد إفريقي خطة أو استراتيجية لمواجهته(6)، ويؤكد هذا المعطى زيارة مستشار الدولة الصيني “يانغ جييشي” إلى فرنسا قبل زيارة العاهل المغربي للصين قصد رسم حدود التعاون الصيني في منطقة تقليدية لفرنسا، وخاطب “يانغ” المسؤولين الفرنسيين قائلا: إن للبلدين خاصية استراتيجية، وتأثير دولي بما يستوجب التعاون، وبدأ رسم النفوذ من توزيع مجالات الحركة التي نحتتها التقديرات الفرنسية والصينية في المنطقة منذ لقاءات (بي. تو. بي)، وكشفها عثمان بن جلون لجريدة “لوماتان” والمنشور في موقع السفارة الصينية، ولا يجد السفير الحالي للصين في المغرب، والذي عمل بسويسرا، وفي مهام قنصلية بستراسبورغ، ثم سفيرا فوق العادة برواندا، غضاضة في معرفة “الحدود الفرنسية ـ الصينية” في مجال تحركه، ودعم موقع المغرب في القارة السمراء من خلال تعاون ثلاثي وخارطة نفوذ مهيأة بين الفاعلين.

 بكين، لم تنتظر المغرب لاجتياح إفريقيا، وتلتحق الرباط بمبادرة استراتيجية متقدمة على الأرض لابد من استثمارها بالانفتاح عليها لإدارة توازن في الشراكات المتعددة الأطراف التي وقعت عليها المملكة

   وفي الحقيقة، ليست المملكة أرض استقبال ممتازة، لأن 11 مليار دولار التي تستثمرها الصين في إفريقيا، هناك فقط 160 مليون دولار موجهة للمغرب، فيما الاستثمارات الصينية الخالصة في دول المصادر الطاقية والموارد الأولية الهامة، (جنوب إفريقيا، نيجيريا، الجزائر، السودان، زامبيا)، وحسب السفير الصيني في المغرب، فإن 28 شركة صينية في المغرب من أصل 2500 شركة تستثمر داخل القارة.

   ومن المهم حاليا، جلب المستثمرين الصينيين، وكما تقول مريم بنصالح، قائدة قادة المال والأعمال في المملكة، فإن بلدها يرغب في شعار: “صنع عبر الصين في المغرب”.

   وأشار وزير الصناعة، مولاي حفيظ العلمي، إلى المستثمرين الصينيين منذ الاجتماع الأول للمقاولات الصينية ـ الإفريقية في مراكش، ويبقى المغرب بالنسبة لبكين (منصة استثمار وبنية تصدير) تجاه الاتحاد الأوروبي، مستثمرة اتفاقيات التبادل الحر بين المغرب والاتحاد، وهذا الوضع الجيوستراتيجي للمغرب، هو في الأصل قيمة مضافة، لكن الخطة العميقة تجاه إفريقيا والطرق الكلاسيكية للاستثمارات الصينية ـ الأمريكية، والشراكة الصينية مع الاتحاد الأوروبي وتتقدمها فرنسا، محاور تضعف انطلاقة خطة استثمارية “واعدة وقوية”.

   ولدى الصين فرصة داخل السوق المغربي، لأن الرواتب انخفضت عن مثيلتها الصينية، وهي قادرة على الحضور، فهي من الآن بانية للبنية التحتية للمملكة و”هوايي”، هي أول مورد لاتصالات المغرب، وستجتاح في سنتين الصناعة التقليدية المغربية والشركات الصغرى والمتوسطة التي تمثل 80 في المائة من الإنتاج الوطني، ولن تنقذ سوى 15 في المائة في إطار التعاون في القطاع الخاص بين البلدين.

   ودون وصول الرباط إلى توقيع “الشراكة العميقة” مع الاتحاد الأوروبي تذهب المملكة شرقا، ومنذ انطلاق المفاوضات مع بكين عام 2012، حول توقيع شراكة استراتيجية بين الجانبين حقق الصينيون فجوة تجارية تصل 14 مرة، فواردات المغرب من الصين تصل إلى 29.5 مليار درهم مقابل صادرات المملكة البالغة 2.4 مليار درهم، ولابد من استثمارات صينية فوق الأراضي المغربية تصدر خارج المملكة لمواجهة هذا التحدي، وبناء انفتاح متوازن لا يشكل صدمة حادة لمستقبل المغرب، يقول الوزير العلمي لمجلة “جون أفريك” الفرنسية (أود أن يعمل الصينيون من المغرب عوض أن ينافسوا انطلاقا من الصين)، فالرهان كبير وإن تأخرت زيارة العاهل المغربي(7) من نونبر 2014 لأسباب صحية إلى مايو 2016، والمغرب في هذه المرحلة، وفي إطار إدارة ظهره للغرب بتعبير “جون أفريك” دائما(8) يريد قوة دولية تملك الفيتو (حق النقض)، ولا تتدخل في الشؤون الداخلية، لأن الأمر معقد ومرتبط بالإجابة عن سؤال: هل ترسل الصين رسائلها إلى الداخل المغربي؟

 مرافقة الأمين العام للأصالة والمعاصرة للوفد الملكي دعم لرئاسة إلياس العماري لحكومة ليبرالية قادمة، وجاءت بعد  لقائه مع السفير الصيني “سون شوز هونغ” في الرباط، وقد احتفت السفارة باللقاء منذ 11 فبراير الماضي في موقعها، وفي تصريحات وتقارير أشارت فيها إلى دعمها للحوار البناء مع هذه الشخصية المرشحة لرئاسة الحكومة في 7 أكتوبر القادم، وجاء لقاء الطرفين في إطار الصداقة التقليدية المغربية ـ الصينية

   كان سفر إلياس العماري، رسالة قوية لحزب العدالة والتنمية الذي أثار ضجة قوية في الفترة الأخيرة، وجاءت إشارة القصر واضحة لأن من حق رئيس الجهة أن يفاوض كرئيس للحكومة المركزية، وأن يبحث عن مصادر تمويل لمشاريع في جهته، فالشرعية الشعبية والقسم أمام الملك شملت رئيس الحكومة ورئيس الجهة أيضا، وهذه الرسالة إلى الداخل، وإلى حزب بن كيران، الذي قال بضرورة مرور الاتفاقيات بين الجهات والأطراف الخارجية عبر رئاسة الحكومة، وتمر حاليا تحت رئاسة الدولة فقط، فالجهة حكومة مصغرة في مقابل الحكومة المركزية، ولها نفس الشرعية التي لدى الحكومة، وملتزمة بسياسة الدولة التي يمثلها الملك باعتباره رئيس الدولة، وهو انتصار في نظر البعض للنظام الجهوي في بدايته.

   ويرى المراقبون أن سفر إلياس العماري مع وفد الملك مرتبط بسبب رئيس متمثل في ميناء طنجة المتوسط، ويدافع “تييري بايرون” في “جون أفريك” عن هذا الطرح، مؤكدا إلى جانب السفارة أن لقاء العماري و”سون شوز هونغ” ناقش ميادين التصنيع والسياحة والتبادل الإنساني والثقافي.

   وجاءت زيارة العاهل المغربي بدعوة من “كسي جينبينغ” لإطلاق شراكة استراتيجية بين المغرب ورابع شريك تجاري له حسب إحصائيات 2014 في إطار شراكة “الرابح ـ رابح”، وهذه الاستراتيجية التي سماها الوزير مولاي حفيظ العلمي استراتيجية اليد في يد(9)، وتروم تجاوز الفجوة الحالية، لأن ما بين الرباط وبكين أقل ثلاث مرات ما بين بكين والجزائر.

   وحسب وزارة التجارة الصينية بين 1998 و2012، لم يكن المغرب ضمن الوجهات العشرين لاستثمارات الصين في إفريقيا، ولم يكن هناك مشروع واحد في المغرب ضمن 80 مشروعا مولتها مؤسسة التنمية الإفريقية ـ الصينية، ومنذ 2009 إلى 2013، لم تتجاوز الاستثمارات الصينية 12.7 مليون درهم سنويا، في وقت يقول فيه السفير الصيني في المغرب أن دولته ضاعفت استثماراتها الدولية منذ 2004، وتدعم خروج الشركات الصينية للاستثمار.

   ولا يمكن في نظر بكين، الشروع في تقدم الشراكة الصينية ـ المغربية دون قيادة ليبرالية مسهلة للاستثمار الدولي، فتحويل ما تعرفه طنجة إلى باقي المغرب “ترتيب ذكي” يتخلله دعم غير مباشر لوصول حزب الأصالة والمعاصرة لرئاسة الحكومة في ظروف عرفت انخفاضا في (الأجور المغربية) مقارنة مع نظيرتها الصينية بما يستدعي انتقال الاستثمارات إلى المغرب.

   ويساهم في هذه الأجواء، اندماج المغرب في مخطط “حزام واحد وطريق واحد” الذي تصل ميزانيته إلى 890 مليار دولار لبناء محاور اقتصادية منطلقة من الصين.

   وقد يساهم التوجه الصيني في المنطقة، في كسر الحاجز الجزائري الصيني، لأن الشركات الصينية لا تستثمر إلا في سوق من 100 مليون نسمة، ولبكين علاقات جيدة مع الجزائر، أو اعتبار المملكة منصة تصدير لشركاء المغرب وأولهم الاتحاد الأوروبي.

   وربما يكون الأمر دقيقا في إطلاقها لمنصات استثمار من المغرب نحو أوروبا أو الولايات المتحدة أو المغاربيين لظروف مختلفة، تتقدمها وجود شراكات صينية مع الاتحاد الأوروبي وأخرى مع الولايات المتحدة الأمريكية، ولا ترغب بكين في إثارة الجزائر تحت أي ظرف، ولهذه العلل، فإن السوق الممكن للصين انطلاقا من المغرب يتمثل في إفريقيا الغربية، وفي هذه الترتيبات تسيطر بكين على الطرق التعاونية الثنائية والمتعددة الأطراف، وليست الخاضعة لرغبات القطاع الخاص الصيني.

   يقول الخبراء الاقتصاديون الفرنسيون، المسألة لا تزال متعلقة ببناء أعشاش صينية فقط في المنطقة، وهناك خطة في الموضوع بتركيا والمغرب وتونس والأردن، ولن تتعدى بكين الخطوط الموضوعة، وهو ما طرحه الوزير “بوهدهود” في إنتاج النسيج في المغرب وتصديره بدون ضرائب إلى أمريكا، لكنه محكوم بـ “صنع في الصين”، وتعمل الصين خلف الشركات الفرنسية فـ “ميشيل لي غيشينغ” رئيس “إيسي. جيفي” التي تزود مصانع رونو في طنجة أتى بـ 50 رجل أعمال في حقل السيارات إلى المملكة لمعرفة السبل التي سلكتها (رونو) في تسويقها لما تنتجه من منصة المغرب نحو السوق الدولي، تقريبا لما يدعوه السفير “سون شوز هونغ” بـ”الشراكة الثلاثية”.

   ومن الصادم، أن نعرف أن الصينيين، جاهزون لتمويل وإطلاق الربط القاري بين إفريقيا والمغرب، لكنهم لن يستفيدوا منه قدر استفادة قطاع الخدمات في المغرب، ولذلك هم مهيؤون حاليا للخدمة خلف الاستثمارات الفرنسية، ويتقدمون نحو فرص بناء البنية التحتية، فـشركة “كوفيك”، بنت جسر أبي رقراق المتصل بالطريق السيار، وهناك نية في ربط جوي بين المملكة والصين في 2017، وتتقدم شراكة  اتصالات المغرب و”هايوي” شريك “ماتي” منتج شاي سلطان.

   ويكشف التقدم البطيء خلف الاستثمارات الفرنسية في السوق المغربي، وإلى جانب استثمارات خليجية كما في حالة اتصالات المغرب، الكثير من الأضواء حول تقدم الشراكة الصينية ـ المغربية التي تجد بعض مساحتها في الأبناك، يتقدمها عثمان بن جلون ببنكه المعروف، ويعتبر عرابا لهذه السوق، فيما توجد تقديرات دقيقة لدى “تشاينا إكسيم بنك”، ومحركات تمويل جديدة لاستثمارات تؤهل المغرب كي يكون منصة تصدير بين القارات وتجاه غرب القارة السمراء، التي استثمر فيها المغرب بكل قوة، دون أن تتمكن فرنسا من تحقيق أهداف شراكة متوازنة أو شراكة “رابح ـ رابح” كما يطرحها الصينيون أو يوافقون عليها على الأقل، لأن قدرات الاستثمار لا تزال غير مهيكلة (بكسر اللام) لاستثمارات أخرى في دورة منتجة ومصدرة وقائمة الذات.

 المغرب يدخل في الخطة الصينية في إفريقيا

   لا تخرج الرباط عن الخيارات الجديدة للصين في إفريقيا(10)، فالمسألة تدخل ضمن خطتها لحماية الممرات البحرية من الناحية الاستراتيجية لموقع المغرب البحري بين المتوسط والأطلسي عبر ممر جبل طارق، ولا ترغب واشنطن بالمطلق في ترك وضعها بين بريطانيا (جبل طارق) وإسبانيا (سبتة) والجزر المقابلة للصحراء، وستزيد الضغوط على الرباط، لأن الولايات المتحدة لا تريد خسارة الممرات المائية وخوصصة الأمن وعمل “أفريكوم” في مناورات طانطان(11).

   وتدعم بكين دخول المغرب ضمن محاور خطتها: المعادن والحماية الغذائية والبنيات التحتية، وهي تعرف جيدا أنها القوة الرابعة بعد إسبانيا، فرنسا والولايات المتحدة، وتحاول أن تعيد المملكة التفاوض بشأن بعض العقود، ولا تهتم لشراء أسهم بعض الشركات أو شراء أصولها إلا في الحد الأدنى.

   ويعرف الصينيون أنهم عنصر اقتصادي مقبول، فمنذ فجر الاستقلال، وقعت الرباط وبكين أول اتفاقية يوم 13 أكتوبر 1957(12) ضمن تسع اتفاقيات تجارية مع دول شيوعية في حينها.

   واليوم تطلق العاصمتان، “شراكة استراتيجية” قد تحول موقع المغرب في خارطة الصين، حيث تحتل الرباط الصف السابع إفريقيا، وبوعود الرئيس “كسي”، يكون ما قاله عن التقدم الثنائي ممكنا في إطار ما دعاه (الاستقرار الوطني)، والتعاون الذي يصل إلى الأحزاب السياسية من خلال البرلمان، ويخطط الصينيون لإقلاع مخطط الإقلاع الصناعي المغربي، لأن الوزير مولاي حفيظ العلمي، لم يجد أي قوة غربية تدعمه على الإطلاق فاتجه شرقا، مقرا بمناطق التعاون الصناعي والتجارة الحرة، وتشمل هذه الصناعة الجانب العسكري، ورحبت وكالة “تاس” الروسية، بالتعاون العسكري المغربي ـ الصيني، الذي وقعه عن الجانب الصيني، مدير الوكالة الصينية للطاقة النووية “كسو داهزي”، وهي رسالة إلى الروس للتعاون في بناء محطة نووية في المغرب، ضمن 11 بلدا إفريقيا أبدى رغبته في بناء برنامج مدني للطاقة النووية.

   ويتخوف البعض من هجمة الصين على اقتصاد مغربي في طريق التقدم، لكن رهان “رابح ـ رابح” بين المغرب والصين ليس مستحيلا بشرط تغيير المغرب للستاتيكو أو الوضع القائم، والبدء بإصلاحات جذرية مع اختيارات سياسية واقتصادية ذكية(13).

   ومارس الذكاء الصيني من جهته أقصى ما لديه من توقيع “كسو داهزي” لاتفاق الصناعة العسكرية في إشارة إلى الروس الذين باركوا الخطوة، واستقبل العاهل المغربي الوزير الأول الصيني “لي كيبيانغ”، الذي أنهى جولة إلى إفريقيا مطمئنا الاتحاد الإفريقي، ورافقت قصاصة زيارة الملك المغربي في وسائل الإعلام الصينية مع أخرى حول التعاون مع الاتحاد الإفريقي، واهتمت الصحافة في بكين  بالأصوات المعارضة للزيارة من الفرنكوفونيين ، وظهر إجماع استثنائي حول الشراكة الصينية ـ المغربية، رغم النفوذ الفرنسي القوي في المملكة.

   ونشرت وكالة “كسينهوانيت”، مقالا عن الشخصيات التي حيت الزيارة(14)، وبشكل متوازن، نشرت أخبارا إيجابية عن التعاون مع الاتحاد الإفريقي، وجددت ما نشرته قبل أيام من زيارة العاهل المغربي، بخصوص الذكرى الأولى لأول بعثة صينية إلى الاتحاد الإفريقي، وقال رئيسها، إننا نسعى لربح السرعة في التعاون التطبيقي بين إفريقيا والصين.

   وفي القمة الأخيرة للتعاون الإفريقي ـ الصيني في دجنبر الماضي بجوهانسبورغ، حدد الرئيس “كسي” 10 قطاعات للتعاون خصص لها الصينيون 60 مليارا في 3 سنوات، أي 20 مليار دولار كل سنة في 30 بلدا داخل مجموعة “كوفاك”، ومن الواضح أن المغرب ليس ضمن هذه الحزمة، لأنه خارج الاتحاد الإفريقي، وأن دعم بكين للاتحاد، وصل حدودا غير مسبوقة، فقد خصصت 1.2 مليون لدعم عمليات السلام في القارة السمراء، وتشمل نزاع الصحراء.

   وحسب وسائل الإعلام، فإن المغرب حرم بان كيمون من أموال دول الخليج في قمة المانحين التي وعد بها الأمين العام للأمم المتحدة جبهة البوليساريو، ويعمل على عدم مشاركة الصين في هذه القمة.

   وفي ظل هذه التوازنات الدولية، أصبح بارزا ما يدعوه الصينيون في إفريقيا بـ “شراكة التعاون الشامل”، وهي من المصطلحات الدقيقة في الدبلوماسية والعمل الصيني في القارة السمراء.

   يقول الرئيس الكيني “أوهورو كينياتا” عن هذا التعاون في مقال له في جريدة “ستاندرد” المحلية، إنه “التعاون المفصل”، والتعاون الأكثر حداثة، ويؤمن بالتبعية الحميمية والمتبادلة في جنوب ـ جنوب. ولا تخلو العلاقات الصينية ـ المغربية من نفس الوصف، ففي 22 أبريل الماضي، انعقد مؤتمر الصداقة بين الشعبين، وقرر الرئيس “كسي”، أن تفتتح بلاده مركزا ثقافيا في المملكة في العاجل من الأيام.

   ونفس الحرارة دفعت وزير السياحة المغربي في بكين، إلى توقع مائة ألف سائح صيني في 2020، وتوقع وزراء نشاطا ماليا وبنكيا متقدما بعد فتح البنك المركزي الصيني لتمثيليته في الدار البيضاء، وتوقيع اتفاق حول سلة العملات، وقعه والي بنك المغرب، سبقه دعم التجاري وفا بنك، لتعاطيه مع “اليوان” عملة رئيسية ضمن عملات الادخار. ووقع ما لم يكن في الحسبان، لدخول سعيد إبراهيمي، رئيس “كازا فيناس سيتي” بجوازه الفرنسي، لاستخدام بعض المسؤولين المغاربة لجوازاتهم الأجنبية لتعقيدات معروفة بشأن التأشيرة.

   وأظهرت بكين، تقديرات مضبوطة بخصوص الحميمية والتعاون التطبيقي مع المغرب، والذي يفرضه العمل الآسيوي الدقيق، وفي هذا الإطار، وضع الصينيون أهدافا يتقدمها: التعامل مع فتح رأسمال المكتب الشريف للفوسفاط، لأن الصين تصدر إلى جانب المغرب الأسمدة، كما وقع أخنوش، نفس البروتوكول حول الحماية الغذائية، في الوقت الذي توصلت فيه بكين إلى اتفاق مع تونس حول المواد البيولوجية. وإلحاق المغرب بسياسة المحاور تشمل بالأساس، بناء قدرة مشتركة تتجاوز ما تريده المملكة بخصوص ما تدعوه بكين “خلق المملكة لتوازن في سياستها الخارجية والاستفادة من الآخرين”.

   يقول الوزير “لي”، ليس هناك طريق آخر سوى تعميق العلاقات الثنائية، لذلك فالأمر يتجاوز خارطة الطريق، أو إبداء نظرة صينية ـ مغربية نحو تعاون تفصيلي يفرضه ما يكون على الأرض حسب الحاجات الملحة التي يستجيب لها المستثمر الصيني. ففي الزراعة، تعاني الصين من عجز مائي يزداد حدة في 2025(15)، وبكين تزرع في السنغال وموريتانيا، ولها مليونين من الهكتارات في زامبيا وحدها من أجل نبتة واحدة (خارتوفا)، ولا يمكن بناء سكة حديد مراكش ـ الداخلة سوى من طرف الصين، كما تستطيع نقل تقنيات زراعتها الناتجة في موريتانيا إلى الصحراء لنفس المناخ. وبتخلي الغرب عن المغرب في “تنمية الصحراء”، ليس أمام المملكة سوى أموال الخليج وتقنيات الصينيين ومباشرتهم لأوراش البنية التحتية.

 النموذج التنموي للصحراء لن يكون دون أموال الخليج وتقنيات الصينيين، بعد أن أدار المغرب ظهره للغرب

   ليس مهما من يدير الظهر أولا، الغرب أو المغرب، لكن حدث تحول جيوسياسي قد يدفع الصراع من واجهته السياسية إلى الاقتصادية، وبين (الجيوسياسي والجيواقتصادي)، تعيش المنطقة سخونة إضافية، تريد بكين والرباط ـ أخيراـ ألا تنزلق إلى حرب. ومن المهم بناء فترة السلام ضمن بنيات تحتية تفترض الصين أن تكون ضمن حزمتها المعروفة، مصادر أولية مقابل بنية تحتية. ويطرح مشكل استغلال ثروات الصحراء، سؤال المواجهة المباشرة بين الصين والغرب، وبين المغرب والأمم المتحدة، وهذه التقديرات والتوجهات المغربية معروفة لدى الأوروبيين والأمريكيين بما أثار لديهم الموضوع، وهددوا فيه باللجوء إلى محكمة العدل الدولية.

   ودعم الروس، السياسات الصينية الجديدة في الصحراء وغرب إفريقيا، لأنها تدفع إلى استقرار الوضع، فيما تمارس موسكو ضغوطها وسباقها المفتوح مع الغرب في نظرته لحل المشاكل، فإدارة الحلول لروسيا، وإدارة الأوضاع لبكين، في تقاسم الأدوار التقليدية بين القوتين منذ الحرب الباردة واستجابة منها لهذه الرهانات، عملت بكين على خارطة طريق جديدة.

   في غرب إفريقيا، ليس الرهان فقط على جلب ممولين ناشئين والعمل على نطاقات اقتصادية خاصة تشمل المغرب إلى جانب المناطق الحرة الأخرى، فزامبيا مخصصة لـ “المواد الأولية”، ونيجيريا ومصر وجزر موريس لـ “المواد النصف المصنعة”، وتنزانيا لـ “الترانزيت”، وحاليا، هناك دراسات صينية تقول بمنطقة “ترانزيت” من المغرب لمواد محولة أو مصنعة لأسواق متقدمة.

   يقول “برونتغتون”، إن الكل يدخل في إطار مساعدة الصين لإفريقيا، وأن برنامج التنمية الدولي يعرف تحديات أطلسية(16)، وقد يكون الدمج الصيني لموريتانيا والمغرب عاملا على فصل الصحراء عن هذه المعادلة من خلال تدخل غربي سافر. ويعلق “فيشر طومسون”، بأن الصين، لا تشكل في حقيقة الأمر تهديدا للولايات المتحدة(17)، وقد ابتلعت الإمبراطورية الصفراء كل الدول الإفريقية المستعمرة من البرتغال، وتتقدم اليوم إلى الدول المستعمرة من فرنسا في المنطقة المغاربية وإفريقيا الغربية، وتذهب باتجاه تعزيز شراكتها مع الاتحاد الأوروبي، وباريس تحديدا قبل دخولها إلى إفريقيا الغربية، فيما تذهب السياسات البديلة إلى شراكة صينية ـ إفريقية مباشرة بعيدا عن وصاية الدول الاستعمارية السابقة.

 إدارة البدائل بين الصين والاتحاد الأوروبي من طرف المغرب، فيه خطورة تستوجب الحذر وذكاء الاستراتيجيا في الخطوات القادمة، لأن إدارة مصالح الدول العظمى فوق الأرض المغربية من خلال الشراكات المتعددة الأطراف، له تأثير عميق عكس إدارة مصالح البلد فوق أراضي الغير

   استخدم الصينيون ذكاء المرحلة عند قولهم بتعميق العلاقات الثنائية لتعظيم حصتهم في السوق، وفي واقع الاستثمارات، لأنها في الأصل موجهة، فالقطاع الخاص الصيني يخدم البلد على المدى الطويل ولا يهتم للربح الآني، ولذلك، فإن مصالح الصين في المغرب تتأسس عليه وحده، وسيتحمل تبعات تحوله إلى القاعدة أو منصة للمصالح الصينية، وإدارتها، قد تكون بين بكين والعواصم الكبرى، وعدم ابتلاع المملكة من شراكاتها، هدف مركزي للجيل الحالي والأجيال القادمة.

   وستزيد الأمور صعوبة كلما تقدم توزيع الكعكة الاستثمارية للمغرب، فالمسألة ليست سهلة، بل معقدة في خارطة جديدة يجب الاستفادة منها دون دفع أثمان ثقيلة نبه إليها البنك الدولي منذ مشاركة المغرب في مؤتمر الهند ـ إفريقيا، وانتهت في بكين بإطلاق شراكة صينية ـ مغربية يعتبر فيها المغرب “عضوا عربيا” وملتزما بالمسطرة الإفريقية داخل فلك الاستثمار الصيني، وهذه القدرة على إعادة ترتيب أوراق المملكة قاريا، ومن داخل شراكات متعددة تجعل الرباط  في قلب معركة “جيواقتصادية”، لأن المغرب منطقة مختلطة من شراكات ومنصات مختلفة، ويتطلب هذا الوضع، حنكة يقول عنها البنك الدولي، إنها يجب أن تحسب حساب  “شعاع الطريق”.

هوامش

1_ Ma.china-embassy.org/fr/12876888.
2_ Barthelemy courmont, chine, la grande seduction, essai sur le soft power chinois, choiseul, 2009.
3_ Michel beuret, serge michel et paolo woods, la chinafrique, pekin à la conquête du continent noire, grasset, 2008.
4_ Eric nuguyen, les relations chine/Afriques, studyrama, 2009.
5_ Philippe Richer, l’offensive chinoise en Afrique, Karkhala, 2008.
6_ L’Afrique en manque de stratégie face a l’arrivée massive des chinois, Afrique-chine.net (consulté 10/5/2016).
7_ Pauline Chambost in «tel quel» 11/5/2016.
8_ Maroc: en Chine Mohammed6 tourne le dos a l’occident, « jeune Afrique» (324882).
9_ Fréderic Maury et Nadia Rabaa, un pont d’or pour la chine, « Jeune Afrique» 29/12/2015.
10_ Mohan.G.Power R, new African choices? The politics of Chinese engagement in review of African Politically economy,n° 115, march 2008, p:28.  
11_ Tanguy Struye de Swielende, la chine et les grandes puissances en Afrique, une vision approche Géo Stratégique et géo économique ULC, presses universitaires de Lauvain, 2010.
12_ Abdelkhalek benramdanne, Maroc et l’accident 1800 – 1974, karkhala, 1987 p:179.
13_ Contrepoints.org(10/5/2016).
14_ Maroc: des personnalités saluent la visite du roi Mohammed 6 en chine, xinhuanet.com (11/5/2016).
15_ Global trends 2025.
16_ Brautigam.d, china’s African aid, transatlantic challenges, international development program, school of international. Service, American university, Washington, 2008 p:17.
17_ Thompson. F, la chine ne constitue pas une menace pour les états unis, in Washington file, juillet 2006. 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!