الحقيقة الضائعة | الدسارة على الملك.. التصريح الذي لو كتبه صحفي لدخل السجن

بقلم: مصطفى العلوي

   من بين الحكم التي خلفها الملك الحسن الثاني، وكلها دروس، لمن يفقهون، ولمن لا يفقهون.. أنه حكى في مذكراته ((أن الرئيس الفرنسي ميتران، قال له يوما: هل تعرف، لولا أن الخيول التي كانت تجر عربة الملك الفرنسي لوي فيليب، ارتكبت غلطة النفور، وقفزت، لتنقلب العربة، ويموت الملك، لولا تلك الغلطة، لكان بالإمكان أن تبقى الملكية بفرنسا)) (مذكرات ملك).

   فالأخطاء، حتى ولو ارتكبتها الفرسان التي تجر العربة(…) يمكن أن تسقط العروش.

   تذكرت هذه الحكمة.. وأنا أتصفح في مذكراتي، تصريحا قديما(…) للمستشار فؤاد الهمة، أدلى به في تجمع سياسي بمدينة كلميم، عندما كان زعيما لحزب الأصالة الجديد(…) وهو يرسم الخطوط العريضة لحزبه، بدءا من إخباره للمجتمعين معه بأن في المغرب ((لوبيات الفساد، وعليكم أن تقفوا في وجه لوبيات الفساد التي تقوم بتسيير أموركم)) وهذا كلام، مجرد كلام، لا يهم من قريب ولا من بعيد، حديث الرئيس ميتران، للحسن الثاني، عن أخطاء الفرسان(…) والفرسان عبر القرون والأجيال، كان تعبيرا يطلق على المحيط السلطاني.

   وإنما قدم المستشار فؤاد، في زمن تلك البدايات(…) وعدا، بصيغة الرجل الذي كان وهو يلعب ورقة حزب جديد، يرى بعيدا في سنة 2009 ماذا سيقع سنة 2016، وكأنه كان يخطط(…) أو يتصور أنه في هذه السنة سيكون مستشارا، فوعد، وتوعد في ذلك الزمن قائلا: ((لن نسكت عن مؤامرة الصمت)) (جريدة الصباحية. 21/4/2009).

   وها هو فؤاد الهمة، وقد بدأ رأسه يشتعل شيبا(…) وهو يقتعد صدارة المستشارين في الديوان الملكي، إذن هو كل شيء فيما يهم العرش، والدولة، والسياسة، والأمن، والجيش، وطبعا الدبلوماسية، وما خفي كان أعظم(…)، مما يجعله مسؤولا، مسؤولية تاريخية، لا يمكنه أن يتخلص منها، وها هو يقرأ في الصحافة، عنوانا ضخما في الصفحة الأولى ليومية المساء، تصريحا لوارث حزبه(…) إلياس العمري، يقول فيه: ((إلياس العمري: الملك.. لم يعد مقدسا)) (المساء. 7 مايو 2016).

   ثلاثة أيام من بعد، يقرأ السي فؤاد عنوانا في قناة إلكترونية جادة(…) كتبت فيه: ((محمد بن زايد. ملك المغرب الجديد)) (موقع الناير. 10 مايو 2016).

   وربما كان فؤاد الهمة، بعد “الشوك” الأمريكي، الذي صدم في مجلس الأمن، ومرمد المسؤولين الحكوميين المغاربة والمسيرين المتفردين بتوجيه السياسة الخارجية بعقلية ماشي شغلكم، وإلا فهل سمعتم رئيس الحكومة يتحدث عن قضية الصحراء، أو يستشار في قضية الصحراء.

   وها هو الموقف الأمريكي، وحتى الروسي يصفعهم على خدودهم، وكأنه يقول لهم، لا تثقوا في تحركاتنا البروطوكولية عند استقبالكم، ها هو المستشار فؤاد الهمة، يتلقى شوكا آخر، لا من طرف الرئيس أوباما، الذي سبق له في سنة 2009 هو أيضا، في السنة التي قال فيها فؤاد الهمة، لن نسكت عن مؤامرة الصمت، بينما قال الرئيس أوباما في نفس السنة وهو يتحدث عن الأنظمة الإفريقية(…): ((إن إفريقيا غير محتاجة لرجال أقوياء، ولكن لمؤسسات قوية))، مضيفا: ((الذي يحكم وحده نفوذه ليس مقبولا لا من طرف الذين يتحملونه(…) ولا من طرف الذين يتولونه)) وكأن أوباما يترجم المثل المغربي: “اللي كيحسب بوحدو، كايشيطلو”.

   الشوك الثالث في هذه السنة المغربية الساخنة(…) أتى من شريك السي فؤاد في تسيير الأمور، رئيس الحكومة عبد الإله بن كيران الذي حكى عنه حليفه بوانو، بأنه عندما سمع أن السياسي الجديد(…) إلياس العمري في ندوة أمام جمعية عبد الرحيم بوعبيد (12 أبريل 2016) قال بأن تقديم المغرب لمشروع الحكم الذاتي كان خطئا، ليعلق بن كيران تعليقا مشحونا بالمعاني: ((إنه اتهام مباشر ضد الملك)).

   وطبعا، إن بن كيران، لم يقبل من شخص كان مفروضا فيه أن يسند الملك، يمسح الأرض بالمطالب المغربية، بإقامة حكم ذاتي في الصحراء، وها هو رفض العمري لهذا المطلب المغربي، سيدخل في سياق الدفوعات الهجومية للبوليساريو، الذي سيقدم لصديقه بان كيمون، حجة أخرى على أن المسؤولين المغاربة(…) هم أنفسهم غير متفقين فيما بينهم(…) على مشروع الحكم الذاتي.

   فهل تحمل السي فؤاد، كل هذه الشوكات(…) جمع “شوك” حسب التعبير الإنجليزي، يعني: الصدمة، أم أن المعروف عن المستشار الملكي أنه رغم طيبوبته المشهورة، يتمتع بإرادة قوية لتحمل الصدمات(…) وربما هو متعود عليها(…) فلا بأس إذن، من أن أذكره بالشوك الآخر، وهو أيضا صادر في الأيام الأخيرة، المشحونة بالمفاجآت، صادر عن السياسي عبد الإله بن كيران، وقد كان يترأس يوم 3 مايو 2016 جلسة لمحاولة محاربة الرشوة، فقال هو أيضا حكمته البالغة: ((إن الزمن الذي كانت فيه النخبة تستفيد من العطاءات(…) للدفاع عن الملكية، قد انتهى)).

   لا يمكن الادعاء أن السي فؤاد لم يطلع على هذه الضربات الموجعة.. أو لم يقرأها.. لم يقرأها ممكن، وقد سكتت عنها الصحافة المغربية، الثرثارة، فلا تكذيب ولا تعليق، ولكن ربما وجد فيها بعضهم(…) ما وجده موسى في عصاه، فقال: ((عصاي، أتوكأ عليها، وأهش بها على غنمي، ولي فيها مآرب أخرى)) (سورة طه).

   وهي كلها ضربات صادرة عن جانب واحد، هو جانب الدولة(…) لم تصدر هذه التصريحات، عن حزب معارض، ربما لأنه لم يبق في المغرب حزب معارض، ولا عن صحفي متنطع، ولا عن أي واحد من محيط الأمين الأممي المعارض للمغرب، بان كيمون، الذي لو قال ((إن الملك لم يبق مقدسا)) لذهب المغاربة في مسيرات عبر المحيط الأطلسي، محتجين أمام عمارة الأمم المتحدة في نيويورك.

   ليبقى التساؤل الفارض نفسه علينا وعلى الآخرين(…) لماذا سكت المستشار الملكي، وتمترس خلف الصمت، وهو الذي قال في بدايات تسلمه للمسؤوليات الثقيلة: ((لن نسكت عن مؤامرة الصمت)).

   فالصمت في هذه الحالات، أصبح يشكل خطرا على معنويات الشعب، وعلى ارتباطاته(…) التي أصبحت مضعضعة، ثم إن الشعب المغربي، حسب الإحصائيات الرسمية، ليس كله شعب واعي، مثقف، يفهم مدلول إلغاء الدستور الجديد، لكلمة مقدس، بينما الفصل 42 الجديد، في الدستور الجديد، يقول حرفيا: ((الملك، رئيس الدولة، وممثلها الأسمى(…) ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى(…) بين مؤسساتها)) ومقارنته مع هذا الفصل، الذي كان يحمل رقم 19 في الدستور السابق، هو نفسه، وإنما ألغيت منه كلمة القدسية، مراعاة لظروف يعرفها، الواعون المطلعون من المتحملين للمسؤوليات الحكومية والسياسية في هذه البلاد، أما بائع النعناع، والحمال، والدباغ، والنجار، والعاطل، والمرابط بحثا عن الحق في أبواب المحاكم، ستكاد أدمغتهم أن تتوقف، وهم يقرؤون كعنوان كبير، في الصفحة الأولى لجريدة يومية: ((إن الملك لم يعد مقدسا)) حتى التلاميذ الصغار في المدرسة يتعلمون كيفية احترام معلمهم، ونسند هذا الاحترام بقول الشاعر: كاد المعلم أن يكون رسولا، نوع من الإجلال والتقدير لمن يحكم.. لأنه إذا اختفى الاحترام بين الحاكم والمحكوم، وواجهنا بالصمت الخبر الصادم: ((أن الملك لم يعد مقدسا)) هكذا بصيغة الخبر، فسلام على المرسلين.

   إن التقارير الدولية، والمسيرات الداخلية، والاحتجاجات المتوالية، للطلبة وللعاطلين والقضاة المطرودين والبدائل(…) والمطالبين بإقامة الخلافة، كلها تنبض خطرا وتهتز تحت وقع الأزمة الاقتصادية والاجتماعية نتيجة أخطاء مرتكبة من طرف المسؤولين المتفردين بتسيير الأمور(…) تحت وقع التعليمات والتلفونات، ولا شك أنه الحكم المطلق عندنا تجاه انعدام وسائل الرد والنقاش، بينما تستفحل مصاعب هذا النظام نفسه، وقد أصبحت القضية الوطنية الكبرى قضية الصحراء، مهددة بما وصفه الملك نفسه في الرياض، بالمؤامرة الدولية الكبرى، فكيف يغيب الرد عن تلميحات مكتوبة(…) بضعف النظام، حتى ليخيل إلينا، أن الدولة صماء، كذلك الجبار الأصمك، وهو يحمل سوطه لضرب كل من يتحرك يمنعه صممه من سماع الشفاه المتحركة فلا تهمه إلا التحركات التي يجب وقفها.

   طبعا.. وحسب المشروع التعديلي الذي فرض العقاب بالسجن على الصحفيين الذين يمسون قدسية العرش، فإن الجبار الأصمك، لا يحتاط فقط من المتحركين، وإنما أيضا من الممسكين بالأقلام، وربما الأقلام أخطر من الأسلحة، في نظرهم.

   إلى متى إذن، يبقى أقرب المقربين للمؤسسة الملكية، ساكتا.. هو أيضا عن مؤامرة الصمت.

تعليق واحد

  1. ابن بطوطة

    أليس هناك مصطلحات أخرى بدل التقديس ولما أصبحنا في زمن ضرب المقدسات بعرض الحائط مند زمن احلال الرباء والعراء وبيع المخديرات وانتشار الكازينوهات كالفطرمند ايام وجود المرشال اليوطي الى الأن والحال استفحل وأصبح الفساد مورد عائلات الشأن فالطوفان قادم وأموال الامارات وأل زايد هي من المظاهر الاولية وهي دليل بيع ماتبقى من المغرب وماتركه الفرنسيس ومن هنا نفهم أن التقديس تركنا لاننا تركنا اوامر الله في العباد حين دخلوا الفرنسيين ولم يعد التقديس مفروض للله من طرف من بيده الزرواطة ومستحيل لغير الله طبعا ومالعزة الا للله ولرسوله والمؤمنون ومانحن بمؤمنين كما شاهد التاريخ على دالك بمقارنة باسلافنا فكيف ستكون مقدساتنا ادن؟
    من أطلق أو ساعد وشجع على الفساد تحت مسميات الانفتاح والتسامح لن ستطيع الصمود وهدا ماوقع للامبراطوريات وأمم ابتدأت بالمبادئ وانتهت وكيف ان كانت دول ولدت ونشأت في أحضان المستعمرو هو المسؤول عن هدم المقدسات ومن سكت عن الحق نطق بالضلم وهدا ماجعل صاحبنا الهمة يسكت والسكوت حكمة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!