الفنان المطرب الكبير محمد ثروت يلقي القبض على سارق تيلفونه النقال في طنجة

 بقلم: رمزي صوفيا

   نشرت جريدة “الأسبوع الصحفي” في العدد الماضي، وضمن إطار “الخبر السري”، بأن الفنان المصري المعروف، محمد ثروت، تعرض لسرقة هاتفه النقال خلال زيارته الأخيرة للمغرب، وبالذات بمدينة طنجة، حيث كان يمسك بهاتفه النقال عندما باغته لص ونشل منه الهاتف بسرعة تفوق البرق، ولكن نجم الأغنية الدينية والطربية، كان أخف منه، حيث تمكن من الإمساك بيده، ثم سلمه للشرطة تاركا لها إتمام الإجراءات القانونية اللازمة لوضع النشال عند حده. وقد علق المعجبون بمحمد ثروت على الحادث قائلا: “لقد كنت محظوظا جدا عندما توقف الأمر عند هذا الحد، ولم تتعرض لضربة صعبة الاحتمال من طرف اللص، فهم عادة ما يواجهون صفعة أو لكمة قوية إلى الضحية، ليتمكنوا من نشل الهاتف النقال بكل سهولة ويسر، بل كان من الممكن، أن يطعنك بسكين أو سيف”.

   تعود بي الذاكرة لسنوات طويلة مرت، يوم تعرفت على محمد ثروت في القاهرة، وذلك بواسطة صديقه الحميم الصحفي المصري الكبير الراحل، محمد مصطفى، وكان ارتياحي لهذا المطرب المهذب كبيرا، حيث لمست فيه دماثة أخلاق وتعاملا يعبق بالاحترام للآخرين، فتوطدت علاقة الصداقة بيننا وخاصة عندما أقمت وليمة رائعة ببيتي على شرفه، ودعوت إليها عشاق صوته ومحبي الطرب الأصيل، فغنى لنا محمد ثروت حتى مطلع اليوم الموالي، وكانت ليلة لا تنسى، تنسم فيها كل الحاضرين عبير الفن الجميل على أصوله.

   وفي جلسة خاصة، جمعت بيني وبينه، سألته بفضول صحفي: “أنت مهندس سيارات، وضحكت قائلا، يعني ميكانيكي وخلاص. فما الذي دفعك بين أحضان الفن، وعملك يتطلب الخشونة، في حين أنك مطرب رقيق بصوت هادئ؟”، أجابني: “معاك حق في صعوبة  التقاء عالم الميكانيك بكل خشونته وعالم الفن بكل عذوبته، ولكن عشقي اللا محدود للغناء غير مسار حياتي بدرجة هائلة، فأنا ميكانيكي، وفي نفس الوقت مزارع، ولدي مزرعة توجد في شرق صحراء سيناء وتبلغ مساحتها ستة فدانات، ولكني لم أفكر أبدا في استغلالها لنفسي أو لعائلتي، بل خصصتها لمساعدة الأيتام الفقراء ليعملوا فيها ويكسبوا رزقا حلالا يعيشون منه، وينفقون به على أنفسهم ويكونون به مستقبلهم، أما عشقي الهائل للغناء، فيعود لمرحلة طفولتي، فقد عاصرت عمالقة الطرب ورواد الغناء الخالد، وكانوا في أواخر حياتهم، ولكني استوعبت منهم دروسا كبيرة في العطاء الفني، وأخذت منهم قدوة رافقتني طيلة حياتي الفنية، وكان عبد الحليم بالنسبة لي قدوة القدوات ومدرسة المدارس سواء في الفن أو في الأخلاق، فكنت أجمع الجنيه تلو الآخر لأتمكن من دخول حفلاته، وذات يوم تسللت إلى الكواليس فنجحت في مقابلته، وقد حاول حراس الكواليس منعي من الوصول إليه، فاستقبلني بحرارة وتواضع كبير وكأنه كان يعرفني منذ مدة طويلة.

   فأخبرته بعشقي للغناء بأنني منشد ديني في الحفلات المحلية للحي الذي تقطن به عائلتي، “وبعد أن أسمعته مقاطع دينية قصيرة جدا نظرا لضيق وقته، قال لي: “الإنشاد الديني سيمنحك قوة في الصوت وحكمة في التصرفات، وسيجعلك فنانا مهذبا جدا، وصوتك الذي أسمعتني إياه الآن سيجعلك مطربا لامعا وناجحا”. وهكذا كان، حيث عملت بنصائح عبد الحليم القيمة فتحققت أحلامي بعون الله، وكان رحيله صدمة هائلة صعقتني وصعقت عددا كبيرا من عشاق صوته ومحبي أخلاقه الطيبة، حيث انتحرت فتاة بمجرد سماعها لخبر وفاته، وحاول الكثيرون الانتحار للالتحاق به، ولولا العناية الإلهية لمات عدد كبير منهم، وقد أخفت وسائل الإعلام العدد الحقيقي للذين حاولوا الانتحار، فسألته: “وماذا عن الموسيقار محمد عبد الوهاب؟ كيف كانت علاقتك به؟” فأجابني بسرعة ولسان حاله يشكرني على هذا السؤال: “إني أحمد الله على أنني لحقت هذا العبقري قبل أن يختطفه الموت من الفن العربي، وأقسم بالله أنني ولحد الآن، لا زلت أتلذذ باللحظة التي وعدني فيها وأوفى لي بوعده بأن يقدم لي لحنا وطنيا، وهو الموسيقار العظيم والمعروف بصعوبة اقتناعه بالأصوات التي كانت تخطب وده، وهكذا وهبني أغنية “وطنيتنا”، ثم قدم لي لحنا آخر هو أغنية “يا حياتي”، التي حققت نجاحا منقطع النظير، حيث لا زالت مثار إعجاب الكثيرين ممن لا زالوا يؤدونها لحد اليوم”. فسألته دائما في نفس السياق، وهو سياق عمالقة الطرب وقلت له: “وماذا عن أم كلثوم؟ “وقبل أن أكمل سؤالي أجابني: “أرجوك، بل أتوسل إليك بأن لا تذكرني بست الكل، فالملايين من العرب ومن غير العرب اعتبروا صوتها مصدر السعادة وحماس، وكانت سهراتنا موعدا كبيرا مع الفن الراقي الذي كان يلهم المشاعر بأحلى ما في هذه الحياة، ألا وهو الحب والسلام”، فسألته: “وما هي الأغنية الأقرب إلى قلبك من بين روائعها الخالدة؟” فأجابني:”صدقت عندما وصفت روائعها بالخالدة، لأن صوت أم كلثوم يصعب أن يتكرر، وها نحن نرى جميعا كم من سنة مضت على رحيلها دون أن تنجح مطربة واحدة في احتلال مكانتها والوصول إلى ما وصلت إليه، فصوتها كان يتوفر على ما يفوق اثني عشر ذبذبة، وهو شيء نادر الظهور في العالم أجمع، وليس في العالم العربي فقط، أما أحلى أغنية أعشقها لدى هذه النجمة التي لن يخفت سطوعها، فهي رائعة “الحب كله حبيته فيك، وزماني كله أنا عشته ليك” للصديق الراحل والعبقري المبدع في عالم التلحين، بليغ حمدي”، وعدت لأسأله: “لقد زرت المغرب وتعرفت على الكثير من المطربين والمطربات المغاربة، فمن أعجبك من بينهم أكثر من الآخرين”، سكت قليلا ثم قال لي: “لماذا تريد إحراجي بهذا السؤال؟ كلهم كويسين وكلهم حبايبي، وكثيرا ما أستمع إلى أغاني المطربين الكبيرين عبد الهادي بلخياط وعبد الوهاب الدكالي، أما سميرة سعيد فجمهورها موجود في كل الدول العربية، بعد أن شقت طريقها من القاهرة، عاصمة الفن بكل أنواعه، وقد تعرضت سميرة للكثير من المصاعب ولم يكن نجاحها سهل المنال، لأنها وصلت إلى مصر في عز تألق نجمات ونجمات في عالم الغناء، ومنهن وردة ونجاة الصغيرة وغيرهما، ولكن سميرة استطاعت أن تفرض صوتها وتبصم الساحة الغنائية بشخصيتها الفنية المتميزة، وكانت محظوظة جدا لأن أعظم الملحنين استقبلوها واقتنعوا بموهبتها وعلى رأسهم بليغ حمدي ومحمد سلطان، وبذكاء كبير تمكنت من النجاح حتى بلغت المستوى الذي هي عليه اليوم، وعدت به إلى مساره الشخصي فسألته: “نحن نعلم جميعا بأنك عشقت الغناء للأطفال، وعشقت الأغاني الدينية، فلماذا غيرت الوجهة نحو الأغاني العاطفية؟”، أجابني: “الغناء للأطفال هو متعة ما بعدها متعة، وكذلك أداء الأغاني الدينية، ولكن المطرب يجب أن يبرهن عن طاقته الصوتية في كل أجناس الأغنية وعلى رأسها النوع العاطفي”، ثم ضحك قائلا: “نحن العرب شعوب تعيش بالعاطفة بشكل كبير، لهذا نتفاعل بسهولة مع الأغاني التي تلامس متاهات القلوب والأحاسيس، وأقول لك بأن هناك أغاني عاطفية نحس بها راقية وتحرك فينا أجمل المشاعر إذا كانت كلماتها منتقاة بطريقة جيدة”.

   ومؤخرا اتصل بي عبر الهاتف فأخذتنا الدردشة نحو عالم الفن وعالم الأحداث التي يعيشها وطننا العربي، فكان الحوار شيقا بيننا حيث سألته: “بعد نجاحاتك الباهرة تغيبت عن الساحة الفنية وأنت المطرب الأصيل، فما هو السبب أو الأسباب؟ “قال لي متأسفا: “الفن يعيش أزمة كلمات وأزمة ألحان، وكما ترى، فاليوتوب عامل عمايل في الناس وكل واحد يطلق اليوم أغنية حول موضوع مثير للغرائز ليقوم الآخر في الغد بإطلاق أغنية لا تقل عنها تفاهة ثم تنطلق عمليات حسابات نسبة المشاهدة والاستماع على موقع يوتوب، وهذه ليست طريقتي ولا طريقة جيلي للتواصل مع جمهورنا”، سألته: “نفهم من هذا، بأنك تعاني من بعض المشاكل مع القنوات الإذاعية والتلفزيونية”، قال لي: “نعم، فرغم وجود جمهور عريض يعشق نوع الطرب الذي أقدمه، فإن هناك عدد كبير من الأغاني التي سجلتها، ولكن التلفزيون لم يقم لحد اليوم ببثها، وبطبيعة الحال، لا يمكنني أبدا الاستمرار على هذا المنوال، فأنت تعلم بأن المطرب يزداد حماسه ورغبته في العطاء كلما رأى أعماله تنتشر بين الناس وتنجح عبر القنوات الإذاعية والتلفزيونية، وللأسف فهذا العنصر صار مفقودا بالنسبة لي، لهذا أكتفي اليوم باجترار لذة النجاحات الماضية، كما أشارك من وقت لآخر في حفلات خارج مصر”.

   وفي ختام حديثنا، ودعته وطلبت منه زيارة المغرب لأقوم معه بالواجب، وبعد ذلك، علمت بزفاف ابنته الشابة داليا، فاتصلت به وهنأته، وكان قد تعرض ابنه أحمد لاعتداء شنيع من مجموعة من المنحرفين، فاتصلت به للسؤال عن ابنه. فأجابني وهو يبكي بحرارة: “لقد كادوا أن يقتلوا ابني أحمد، وكنت سأموت حزنا وحسرة لو حدث هذا، وهو شاب طيب ومتدين، ولكن الشرطة المصرية المعروفة بنزاهتها ستتمكن من الوصول إلى الفاعلين”، فدعوت له ولابنه بالشفاء.

   وعلمت فيما بعد، بأنه انطلق في حملة لتخليق الأغنية العربية تحت شعار: “أخلاقنا” مناشدا زملاءه الفنانين بالمشاركة بالأعمال التي ترفع من قيمة الأخلاق والابتعاد عن الأغاني التي تسيء لخزانة الطرب العربي، وذلك يوم 8 فبراير الماضي، كما شارك في إحياء ذكرى وفاة عبد الحليم بدار الأوبرا، بقطع فنية على رأسها أغنية “توبة” التي أداها بطريقة جعلت الكثير من الحاضرات ينخرطن في البكاء.

   وبين هذه الفترة وتلك، يبقى محمد ثروت من أفضل المطربين الذين تغنوا أيام الزمن الجميل بالأغنية العربية وتمسكوا بها إلى أن أصابها داء العصرنة والتفاهة فتركوها في انتظار شفائها من أزمتها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!