بن كيران آخر رئيس حكومة إسلامي في المغرب.. وأخطر الخلاصات حول نهاية حزب العدالة والتنمية

 إعداد: عبد الحميد العوني

   يقول ديوان رئيس وزراء تركيا، إن تأثير “قرار داوود أوغلو الإقليمي”، “تخليه عن قيادة حزب العدالة والتنمية”، سيكون “مؤكدا ومحسوبا أيضا”، وهو ما جعل تجربة بن كيران في المغرب محصورة ومعزولة إلى حد بعيد، وأن (التوجه الأردوغاني) أكثر سطوة، كما تقول التقارير الغربية.

   يقول تقرير “الزمان” التركية “لا خشية على قدرة تركيا على إدارة الإقليم إلى جانب السعودية”، ويذهب أردوغان إلى تكريس التوجهات غير الديمقراطية بالضرورة للوهابية السياسية التي يتحالف معها، إنه “انحراف استراتيجي” ولا شك.

   وإفراغ التجربة الإسلامية من مضمونها الديمقراطي نحو قيادة “الفرد”، تجمع بن كيران وأردوغان، وتحالفهما الأخير مع “الوهابية السياسية” في ظل ما يدعوه الخطاب الرسمي للرباط “خريفا عربيا”.

 قيادة “الفرد” تكسر نهائيا “الديمقراطية الفتية” للإسلاميين، وتجعل بن كيران آخر رئيس حكومة إسلامي في المغرب، حسب قراءة ثلاث مراكز أمريكية

    يكاد المراقبون الأمريكيون يجمعون على خسارة الديمقراطية الداخلية لحزب العدالة والتنمية المغربي، واعتبار بن كيران آخر رئيس حكومة إسلامي في  المملكة، لأن تجربة الحكم ارتبطت بشخصه، ولا يستطيع الحزب إلى الآن، التفكير في رئيس حكومة من نفس الحزب دون أن يكون الأمر متعلقا ببن كيران.

   وقد لا يستطيع العثماني، وزير الخارجية السابق، أن يدافع عن ديمقراطية الحزب في ظل تراجعه عن القيم المؤسسة للتجربة، فالمسألة تتعلق بالتواطؤ، وليس بحرب تدافع عن مصير الحزب.

   يقول تقرير “زمان”: إن تحالف أردوغان والعرش السعودي، يؤثر في الديمقراطية الداخلية لحزب العدالة والتنمية، وهو ما أزعج الرئيس التركي شخصيا، وطالب بتصحيح الأمور، وأجمعت الصحف المصرية على نهاية النموذج الديمقراطي في تركيا، وأن نقل رئاسة الحكومة من أوغلو إلى صهر أردوغان، خسارة لكل التجربة ونهاية لها، ويمكن أن يتوقع الجميع أن قوس الاستبداد أطبق على المنطقة.

   ولا تختلف تأثيرات تحالف المغرب والسعودية، عن نفس التأثيرات التي خلفها تحالف الأتراك والسعوديين في هذه الفترة، وقد فككت النموذج التركي “من الداخل”.

   وما يجري في حقيقة الأمر، ليس سوى عودة قوية داخل الإطار العلماني والأطر الأخرى في المنطقة إلى الديكتاتورية، وهذه الانتكاسة شملت أخيرا “النموذج التركي والمغربي على حد سواء”، فهل الأمر متعلق بفشل الأحزاب الإسلامية في تبني الديمقراطية؟

 فشل استراتيجي في تبني الأحزاب الإسلامية للديمقراطية

   يكاد مؤتمر العدالة والتنمية في كل من المغرب وتركيا، أن يكون علامة فارقة لأزمة تبني الأحزاب الإسلامية للديمقراطية، وفي خلاصة الخارجية الأمريكية، أن “قدرات الإسلاميين تتطور لانحصار النزعة الليبيرالية داخلها”، فيما تسعى هذه التجارب إلى وضع نفسها تحت تحالفات محددة مع الوهابية السياسية التي تجتاح وتصدر نموذجها واستراتيجيتها حاليا إلى كل الإقليم.

   ويشمل هذا التحدي سلفيي مصر، وإخوان ليبيا وتونس والسودان واليمن، في إطار تحالفات وثيقة مع توجهات السعوديين الجديدة في المنطقة، وما لم تصنعه مصر في خصومتها مع تركيا، نجحت فيه الرياض، وهي تفكك حاليا “تجربة” أردوغان من الداخل.

   والخلافات بين أوغلو وأردوغان عميقة، بنفس العمق بين بن كيران والعثماني في المغرب، وقد انتهى المشهد إلى خلاصتين:

   أ ـ أن رؤية الإخوان المسلمين في مصر، والذين لم ينجحوا في رهان الشراكة مع الليبراليين واليسار، سايرت إلى حد بعيد عدم شراكتهم الحالية مع أطياف أخرى من داخل أحزاب “إسلامية” تقود التجربة في تركيا والمغرب.

   ب ـ أن الوهابية تصنع “استراتيجية إقليمية” خدمت في أطرها الأحزاب الإسلامية، إخوانية كانت أو شبه إخوانية، ونجحت الرياض في جمع كل الطيف السوري في اجتماع الرياض، ودمجت الإخوان في حربها ضد الحوثيين، ولم تعرقل تجربة بن كيران في المغرب، وفي إطار صياغة الرهانات الاستراتيجية، اكتشفنا كيف تقود الرياض باقي تفاصيل المنطقة.

 بن كيران يجد بوصلته في “الوهابية الجديدة” لابن سلمان، الملك السعودي. إن كان لابن الملك السعودي فضل، فهو المتمثل في إطلاق “وهابية جديدة” صنعت موقع السعودية غير التقليدي والمؤثر، وتقدم النموذج السعودي على النموذج التركي بفعل الشراكة بينهما، فتأخر منظور “الديمقراطية” في نظرة الإسلاميين إلى رهانات المنطقة، وتقدمت البرغماتية والقيادة عن غيرها

    في هذا المنعطف، وجدنا القيادة الإسلامية في المغرب لا تخرج عن بن كيران، بنفس ما لا تخرج فيه داخل تركيا عن أردوغان، ويدوران في استراتيجية لابن الملك سلمان، وهي تدور حول شخص، ورغم وجود كل المفاتيح في يده، فأفكاره تدور في أوساط “جيل وهابي شاب”.

   ومن المهم التنويه إلى كون الجيل الجديد للوهابية متقدم الآن على تجربة الديمقراطيين الإسلاميين، فالمسألة في السعودية، لا تتعلق بالتغيير من داخل الأحزاب، بل من خلال “الأجيال”.

   ولا تطرح تجربة الرياض أي مضمون ديمقراطي، وتقدم نفسها حلا مناسبا للمنطقة في إطار “خريف عربي”، كما أجمعت الملكيات العربية على وصف الربيع العربي.

   وتحدد هذه التجربة رؤيتها من داخل مذهب محدد، وقدرة جيل على تحمل المسؤولية، وإعادة تعريف العلاقات السعودية مع جوارها وخصومها بطريقة جذرية دفعت الأتراك إلى إعادة النظر في تجربتهم، فالسعوديون، لم يتأثروا بتجارب المنطقة، وأخذوا على عاتقهم الدخول في تحالفات مفتوحة لقيادة إقليمية لا محيد عنها، وهذه الاستراتيجية مكلفة، لكنها حاسمة في توفير إطار وجيل آخر من الوهابيين في كل العالم العربي، وتذهب قدرة السعوديين إلى اختزال تجربة المغرب وتركيا في شخصين وليس حزبين.

 ابن سلمان: يمكن استيعاب أي قدرة سنية في المنطقة، ولا يمكن المرور إلى نظام الخلافة دون نظام رئاسي في تركيا، حسب أنصار أردوغان، وفي المغرب يؤمن بن كيران بالبعد الرئاسي لإمارة المؤمنين

    بدأ تطور المسار التحكمي في المنطقة، من استيعاب الوهابية لأي قدرة سنية في المنطقة، وانطلق حكمها من خلال إطار إقليمي واستراتيجي يؤسس، ليس لزعامة الرياض، بل حماية نموذجها من تأثير “دمقرطة” التجربة الإسلامية، وقد انطوت تحت رهان واحد: الوهابية السياسية بكل أبعادها، وأولها تذويب الديمقراطيات الناشئة للإسلام السياسي، وخدمة أجندتها بطرق مختلفة ومترابطة.

   ويحقق انفتاح النموذج السعودي في مختلف المراحل عبئا ورسما للمشهد العام، لأن رغبة الجميع في موافقة الرياض على مشاريع إقليمية، يحمل شرعية ونفوذا معتبرا، حيث السلفيون في تركيا يدعمون أردوغان، ويقولون بمرور بلادهم إلى نظام رئاسي تمهيدا لعودة الخلافة، كما يؤمن بن كيران بمحورية الملك وسلطاته، وهو ما يعطي لإمارة المؤمنين بعدها الرئاسي والكامل.

   وما يجري من إعادة تعريف للديمقراطية عند الإسلاميين بعد تجربتهم في الحكم، وموالاتهم للسعودية لاستمرارهم في دواليبه، يذهب بعيدا في مصر نحو إعادة تعريف الجهاد، وباقي المفاهيم، منذ دعا السيسي إلى تجديد الفقه الإسلامي، ويأتي الجهاد في أول هذه المفاهيم، لوجود العنف في سيناء، ولأسباب مرتبطة بقتال المصريين في صفوف القاعدة، فـ “داعش” “عراقية” على العموم، و”القاعدة” “مصرية” في هياكلها، وصراع الزعامات داخل هذه التنظيمات “بلغت تقديرات غير مسبوقة” من ثلاث زوايا، أولها، أن السيف، كما قال سعد بن أبي وقاص، ليس له عينان ولا لسان، فإن كان له، وجب القول بشرعية الأمر الواقع، وهو ما يسود حاليا في كل الأوساط، وتحالفت الديمقراطية الإسلامية في تركيا والوهابية السياسية في السعودية، وهو تحالف استراتيجيات، وقد أعلن الحرب المقدسة في سوريا، ويحمي مصر، ويفكك النموذج العراقي من داخل البيت الشيعي نفسه، وفي اليمن، بزغ قول “حسن البنا” على الأرض حين قال: “إن الإخوان المسلمين سيستخدمون القوة العملية حيث لا يجدي غيرها، وحيث يثقون أنهم قد استكملوا عدة الإيمان والوحدة، فاعملوا للموتة الكريمة تظفروا بالسعادة الكاملة رزقنا الله وإياكم كرامة الاستشهاد في سبيله”.

   و”الجنرال الأحمر”، القريب من الإخوان، يدير إلى جانب الرئيس اليمني هادي، حربا دينية ضد “تسييس” “الزيدية”، وإن بتسييس “الوهابية”، التي انتهت حاليا إلى “سترجة” المنطقة، أي تحويل حساباتها إلى استراتيجيات، ومن المؤكد، ترجمة الكفر إلى استحلال، منذ قتل “تنظيم الجهاد” عام 1981، المسيحيين في “نجع حمادي”، وانتهى بقتل المستكبرين والمنافقين ثم باقي المذاهب.

   وشمل هذا التقدير المستنصر بالقوة والقائل باستشارة الشعب، وضاع صراع نموذج أبي بكر البغدادي ونموذج “مرسي”، وبقي الأخير داخل السجون، فيما الأول دخل في تحد واسع ضد تحالف دولي.

   وفي كسر النموذجين وحصارهما، جددت قيادة الأمر الواقع في السعودية شرعية “ما هو موجود”، واندمج أردوغان في هذه المنظومة، وجسد تحالفهما انحرافا للرئيس التركي الذي يعصف بالحزب من أجل نفسه، وهو الانحراف الذي يتوقع فيه الأمريكيون، أن يكون أردوغان آخر رئيس إسلامي في تركيا، تماما كما سيكون بن كيران آخر رئيس حكومة إسلامي في المغرب، كما يقول تقرير “هرتسيليا” الأخير، وفشل أوغلو والعثماني المعتدلين في قيادة العالم الإسلامي على أساس القوة.

 خطة إقليمية لمحاصرة أردوغان ـ بن كيران و”مساعدتهما الشخصية” كبيرة لتدمير نموذج الحزب الإسلامي

   يقول تقرير “هرتسليا”، إن الزعامة الطاغية ستقتل الحزب الإسلامي في السنوات الخمس القادمة، وستكون بداية نهاية الحزب الإسلامي في كل المنطقة، ومن المهم أن حزب العدالة والتنمية في تركيا ينتهي بدون أحزاب شقيقة، تماما كما أصبحت الجماعة الإسلامية بدون ” أخوات”، كما سجلت الكاتبة الأمريكية “ماري آن ويف” في كتابها “صورة لمصر”.

   وتنتهي حاليا “أخوات القاعدة”، لأن آخرها “داعش” تماما، كما انتهت تجربة “الأحزاب”، وهذه الضغوط متواصلة وذكية إلى حد بعيد، ومصيدة هؤلاء في الزعامة القائمة والمستبدة لقادة هذه الأحزاب.

   وتؤدي الحرب الأخيرة بين التقديرات الغربية والمحلية في جزء منها إلى نهاية بعض الأنظمة “الإسلاموية” أيضا، فالسعودية وإيران تخسران بشدة في حروب الوكالة، ويمكن أن تحرق المواجهة بعض الأنظمة القائمة أو باقي الشرعيات الدينية في كل المنطقة، ولن ينتهي مسلسل الدم دون الوصول إلى هذه الأهداف، لأن الحرب في مصر وسوريا، وباقي الدول “وجودية”، ولا يمكن تكرار سيناريو “السادات” مع السيسي، أو سيناريو “الملك فيصل” في السعودية، بعد تمايز الثاني عن الغرب، وفي تحالف الحزبين في المغرب وتركيا ضد الديمقراطية الداخلية للأحزاب، يتطور الوضع نحو “الأسوإ”، فمن المهم أن يدمر الزعيم ما نسجته يداه، والهدف أن تدعم الأجهزة “الزعيم”، والقائد القوي الذي له قواعده في القبول بأن يكون “أوحدا” لتدمير تجربته (الحزب الإسلامي)، ويساهم الخليجيون في تعميم هذه الرؤية السلبية إلى حد بعيد يؤسس له السلفيون، وتخوفت أوساط كثيرة من قرار “15 يونيو 2013” الذي قاده الإخوان في كل الدول الصديقة للشعب السوري، وقال بالجهاد في سوريا عقب قرار أوباما تزويد معارضي بشار الأسد بأسلحة ثقيلة مضادة للطائرات.

   وظهر بن كيران وأردوغان  في نفس السياسة التي أثارت روسيا وإسرائيل، خوفا من إعلان جهاد الدول ضدها، وتذوب في حرب مرتقبة، فدعمت تل أبيب وموسكو ما سمي الثورات المضادة، وساد رأي في البانتاغون ينصح بالحياد وتحريك الجيوش للوصول إلى وضع يبعد الجهاد عن الدول، ورأى أمريكيون، أن بن كيران امتداد لهذا التوجه في تعامل الرباط مع مشكل الصحراء، ويعتقدون أن سبب التعقيد والتصعيد الأخير في هذا الملف، هو “أسلمة الدولة” من خلال إمارة المؤمنين ودعمها برئيس حكومة إسلامي.

 هناك مقاربة تقول بضرورة سقوط أردوغان وبن كيران لإعادة الأوضاع في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى حالها، فيما يكاد يكون النموذج المغربي القادر على تغيير الإسلاميين عبر صناديق الاقتراع، إحدى المخارج التي تحفظ الأمن القومي العربي

   الملوك الذين يتجاوزون “التسييس”، ولا يفتعلون البراغماتية، قادرون على الصمود، حيث نهايتهم في تبني “الملكية البرلمانية”، وإدارة عدم الوصول إليها لعبة تكتيكية واسعة، يستطيع معها كل فرد الوصول إلى تقاسم المعلومة والعمل، وحمل الجميع على طابع منسجم يناهض العنف السياسي بكل أنواعه، ” فالشهداء  الجدد”، ليسوا إعادة إنتاج البنيات التقليدية في المجتمعات الإسلامية، بل هم أشكال جديدة من التحرر من التقليد، وبشكل مبالغ فيه، ويشارك المحافظون إلى جانب الدولة والأنظمة في مواجهة هذا التمادي، فالتدين الجديد يدخل في تركيا والمغرب ضمن “الليبرالية”، وتدخله دول أخرى في الإرهاب كما في الحالة المصرية، ومحاولة تدمير “تحديث” الدين وحداثة الإسلام خطوة في تكريس الإرهاب، وإن بعنوان محاربته.

   ويترك الجميع حسابات الأنظمة نحو حسابات الدول في هذه المرحلة الدقيقة، فالاستعمال المزدوج للدين، قائم من خلال من يوصفون بالعنف والإرهاب والقائمين على محاربته.

   ومن داخل الحسابات الإقليمية، يشغل محور “البعد الانتحاري” للسياسة جزءا من سياسة إيران وباقي الإسلاميين السنة في بلدانهم للدفاع عن مصالح دولهم المباشرة.

 مكافحة الإرهاب تبدأ من دفع التنظيمات، بما فيها الدول إلى أخذ اعتباراتها لأننا أمام “أشباه الدول” فرض الحرب عليها تطور الميلشيات

   في القراءة المصرية، وللرئيس السيسي الذي اعتبر بلده “شبه دولة”، في خطاب الفرافرة بداية ماي الجاري، تكريس لاعتبار يؤدي في البداية إلى بناء الدولة أولا، ويسود اعتقاد واسع أن “الأحزاب الإسلامية” لا تمتلك مشاريع دول في المنطقة كحال الأنظمة نفسها، وبالتالي يدور الصراع حول بناء الدولة الجديدة في المنطقة.

   ويقترح المغرب دولة فيدرالية، وإلى الآن، لم يتضمن دستوره مبادرته لحكم الصحراء عن طريق حكومة ذاتية للإقليم، ويرفض الأتراك الذين يريدون نظاما رئاسيا المعنى الفيدرالي للدولة، لأن الفيدرالية في تركيا أو المغرب وعن طريق الإسلاميين، هي الأساس لحل نهائي للمشاكل التي نعيشها.

   ويقاتل أكراد روسيا وصحراويو المغرب، من أجل نظام فيدرالي في المنطقة يساهم في تعزيز حقوقهم وقدرات الشعوب في الشرق وشمال إفريقيا.

   ويتحالف الإسلاميون مع العسكر والأنظمة القائمة، لعرقلة هذه التقديرات الجديدة.

   ولم يعد العنف في اتجاه واحد، فالجيوش مارست العنف ومارسته جماعات تريد تحقيق مصيرها، وينازع الإسلاميون الجيوش في بناء الدول “الجديدة” في المنطقة، وصراعهما قوي وعنيف أوقفه الاحتكام إلى صناديق “الاستشارة الشعبية الحرة”.

   وفي هذه التحديات، تحاول القوى الغربية وأمريكا استنزاف الطرفين للسماح لقوة ثالثة “مدنية” بإدارة الوضع، فالمشكلة في المنطقة ليست جيوشها أو الميليشيات الإسلامية، أو الاصطدام بين الجانبين، بقدر ما هو فشل الدول في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي لم تتمكن بعد من النضج منذ الاستقلال.

   ومن البديهي، أن نصل إلى خلاصة مفادها، أن القدرة على إدارة السلطة “التنفيذية” ليست وليدة أي نظام، بل وليدة شبكاته لا غير.

   واصطدام شبكات الإسلاميين والشبكات الاجتماعية للعسكر هي الحالة الجديدة، وتقترح أمريكا ما تدعوه استنزافا يحول القوتين إلى حل وسط، وحلول وسطى أكثر تداولا.

   ومن المهم أن نعرف، أن “الخيارات المدنية” محدودة، ولا تقبل إجهاضات أخرى.

   هذا دون أن ننسى أن الحرب على الإرهاب تقزيم لإرهاب الإسلاميين وإرهاب الجيش في صيغة مثلى لقدرة الشعب على القفز بشكل آمن إلى ما بعد مرحلة العنف التي تعيشها المنطقة أو تستدعيها مشاكل المنطقة منذ 30 مايو 1972، عندما نزل في مطار “اللد” قرب تل أبيب يوم الثلاثاء نهاية مايو من تلك السنة، ثلاث يابانيين ليفتحوا النار عشوائيا على مائة وعشرين بورتوريكيا جاءوا للحج، وقتل في تلك الحادثة 23 شخصا وجرح مائة آخرون، وانتحر “أوكداريا” و”ياسودان” ومكث “أوكومتو” فترة في السجن قبل أن يحتفي به القذافي كبطل.

   ويستدعي الصراع في المنطقة غربيين مسلمين ومن أصول عربية أو شرق أوسطية في الغالب، لأن الصراع دام، وفيه رؤية للحق والباطل، وإن كانت المعركة غير صحيحة في مبادئها وأهدافها.

   وإن شكلت حكومتا أردوغان وبن كيران صمام أمان، فإن التجربة أعطتنا قائدين، ولم تتمكن الدولتان التركية والمغربية من إنجاز نموذجين أو نموذج إسلامي واحد في أنقرة والرباط والقاهرة في عهد مرسي.

   وحاليا، هناك قادة جدد وليس شيئا آخر، ويختزل التغيير في الشرق الأوسط تغيير رأس النظام والإبقاء على النظام والدولة، وتراجعت الولايات المتحدة عن دعم “التحولات” اتجاه تغيير رأس النظام كما في حالة ليبيا، وتخاف من استمرار تحول العنف السياسي إلى عنف مجتمعي، ظهر بين الطوائف وينتهي في آخر انقسام حمله الشارع.

   وفي حقيقة الأمر، هناك فشل مزدوج: لا ثورة ولا تحديث حقيقي للنظام، لأن جلده  في هذه الحالة لا يتغير وإن سقط رأسه، وكررت الولايات المتحدة ما قام به شعب إيران في 1979 داخل العراق، لكن الثورة عبر الجنود الأجانب لم تنجح، ولم تنجح عبر الجنود المحليين لرفضهم التوريث، وحاليا يعيش العالم العربي على تجربة “أحزاب إسلامية” أبدعوا قادة، ولم يبدعوا استراتيجيات وطن، تماما حالة العسكريين الذين عينوا بالقوة قادة لدولهم.

 أردوغان وبن كيران يدعمان “توحش الدولة” على المواطن ويمنعان من تطور الحالة المدنية لمجتمعاتهما، ومحاربة الإرهاب بعد محاولة السلم الديمقراطي مع الأكراد في تركيا لا تختلف عن الوصول بصراع الصحراء إلى حافة الحرب

   لا يمكن قبول أي سلام في سوريا إلى جانب حرب مع الأكراد في جنوب تركيا، ولا يمكن قبول الحرب على “القاعدة” شمالي مالي إلى جانب حرب على “البوليساري” قد تتطور إلى مواجهة مغربية ـ جزائرية، فتجربة أردوغان وبن كيران “مغامرة” تناصر الجيش ولا تستطيع أن يكون قرارها محركا لتقدم ديمقراطي جديد في الإقليم، وتقترح السعودية ضم القائدين إلى منظومة القادة المناصرين لاستقرار تقوده الجيوش وأجهزة الأمن في بلديهما في المنطقة.

   يقول تقرير “هرتسيليا”: إن أردوغان وبن كيران متحدثين جيدين عن الجيشين في بلديهما، فلم يعارضا أي قرار في هذا الصدد، ولم يطالب رئيس الحكومة المغربي بحكم ذاتي للصحراويين، وقبل أردوغان، قرر الجيش الوقوف في وجه الإدارة الذاتية لبعض المدن الكردية.

   ولتسهيل “الإدارة الديمقراطية” للمنطقة، لابد من قيادات ليبرالية لا يزال وصولها بعيدا إلى الحكم، وهذه حقائق استراتيجية قال عنها آخر تقرير للبنتاغون في بداية الشهر الحالي: إن قناعة بن كيران الشخصية تدفع إلى حرب في المنطقة ولن تمنعها.

بن كيران في ولاية ثانية، استمرار لقواعد اللعبة الإقليمية، في إطار تغييرها من طرف الملك المغربي والجيش على الأرض، وتتعلق مسألة الأمن القومي في الشرق الأوسط، بأردوغان الذي كاد أن يطلق حربا روسية ـ تركية، وفي شمال إفريقيا ببن كيران الذي دفعته سياسات بلاده إلى التهديد برفع السلاح في الصحراء، وهو التصعيد الذي قالت عنه الأمم المتحدة، أنه قابل “أن يتحول إلى حرب شاملة بين المغرب والجزائر”

   بن كيران وأردوغان شخصان داعمان لحروب كبرى لن يجدا مصيرهما خارج ما يخططه الجيشان في المغرب وتركيا، فالمسألة العلمانية لم تعد مثيرة، فحزب العدالة والتنمية المغربي تحول إلى حزب غير ديني حسب تعبير رئيسه، وأيضا تعمل الدوائر الخارجية على إنهاء الحكومتين الإسلاميتين غير الدينيتين في كلا البلدين، لإشراك باقي التيارات والوقوف ضد الانزلاقات التي حدثت وكادت أن تؤدي إلى حروب كبرى.

 نهاية تجربة العدالة والتنمية وتمديدها لن يكون قيمة مضافة على كل حال

   إن حركة القيادة مع أردوغان، واللاحركة التي يتمتع بها بن كيران في مقابل إدارة الملك للشأن العسكري والاستراتيجي، لم تمنعا من إعلان بداية نهاية حزب العدالة والتنمية في البلدين، لأنهما يغطيان قرار الجيشين في تركيا والمغرب، ومن الواجب حوار الغرب مع هذه الجيوش في مواقع المسؤولية، وهذه الفرصة مواتية لإسرائيل ليقول تقرير “هرتسليا” الشبه سري، إن حكومات الإسلام السياسي، رغم اعتدالها تعطي وجها دينيا للصراع، ولا يخدم هذا التوجه الاعتراف بالدولة اليهودية داخل أحزمة بشرية حيوية واستراتيجية في المنطقة.

   يقول البينتاغون: إن الحكومات الإسلامية تدعم من جهة أخرى العنف في المنطقة رغم مساعدتها في منع الإرهابيين من الوصول إلى أهدافهم من خلال التعاون الاستخباري معها، لكن هذه التجربة نفدت، ويجب السماح بتطوير الحالة الفيدرالية في المنطقة، ويقترح الحوار الأمريكي ـ الروسي، الفيدرالية بعد الحرب الأهلية لحل أي مشكل من المشاكل، وتسخين ملف الصحراء للوصول إلى هذه النتيجة جزء من المخطط.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!