لأول مرة قضية الصحراء في قلب العلاقات المصرية ـ المغربية

 إعداد: عبد الحميد العوني

   إثر القمة المغربية ـ الخليجية، وعقب ربط العرش العلوي بمصير الصحراء بعد المصادقة على قانون مجلس “الوصاية” الخاص بعدم بلوغ الملك سن الرشد بمدينة العيون عاصمة هذه الحاضرة، ربطت الرباط مصير كل العروش العربية بهذه القضية، وامتنعت القاهرة عن تبني الموقف الخليجي مما جعله من دون تأثير.

   ومن الصادم أن نجد أهل الشرق الأوسط لا ينشغلون بما يمهد لاندلاع حرب، بل ينتظرون وقوعها كما يقول غسان شربل في افتتاحية جريدة الحياة، وفعلا يتقدم القلق ما عداه، قلق الخرائط من مخترقيها أو الذين يستعدون للقفز منها، وقلق الجيوش من حروب لا تشبه تلك التي تدربت على خوضها، وقلق الحكومات من الفشل الاقتصادي المتمادي، وتقصير الإمكانات عن تلبية الحاجات، والشرق الأوسط يدفع أثمان مرحلة انتقالية(1).

   ويريد المغرب أن يربح قضية الصحراء وانتقاله الديمقراطي مرة واحدة، لكن الحسابات معقدة، فالحكم الذاتي تأخر ولم يكن منصوصا عليه في دستور 2011، والتحق بمخارج الربيع العربي الذي سماه محمد السادس “خريفا” في آخر خطاب ملكي.

   وينظر الغرب إلى صعوبات التحاق المغرب بموجة إقليمية عارضت (الدمقرطة) بشدة، ورفضت النموذج الغربي بالجملة، وتدافع  الرباط عن “نموذجها” في تحالف مع مجلس التعاون الخليجي، وهو ما دفع واشنطن إلى قانون في الكونغرس يكشف عن 28 صفحة سرية جدا عن أحداث 11 شتنبر يحمل الرياض مسؤولية ما حدث، في صراع كواليس يفرض على السعودية عدم إلحاق اليمن بها، ووقف تأثير مصر على شرق ليبيا، وعدم الاعتراف بضم المغرب للصحراء، ودعمت تل أبيب هذه الحسابات، فأعلنت ضم الجولان نهائيا، واعتبرته خطا أحمر، كسائر الخطوط التي رسمتها الرياض والرباط والقاهرة.

   وما يطرح الاختلاف بين حلفاء المغرب في الخليج، أن الرباط تقترح الفيدرالية لحل قضية الصحراء وترفضها العواصم الخليجية والقاهرة، بما يحيل إلى الضم النهائي للصحراء أو الفصل للحفاظ على حسابات العمل الإقليمي المشترك.

   إذن، الفيدرالية مرفوضة من سوريا إلى المغرب، أي في دائرة التأثير الخليجي ـ المصري، ومن جهة أخرى، تخاف القاهرة المس بقرارات مجلس الأمن، لأنها لعبة خطيرة في مواجهة تل أبيب، إذ ستصفي القضية الفلسطينية، وتساعد في ضم تل أبيب للجولان، ولذلك، أجاب وزير خارجية مصر عن سؤال “الأسبوع” بخصوص التحاق مصر بالموقف الخليجي من الوحدة الترابية للمغرب قائلا، إن بلده تدعم الحل المناسب لحل هذه القضية في إطار قرارات مجلس الأمن السابقة لأنه “المسار الذي ارتضته المملكة”.

 الكل يبحث عن رسائل طمأنة

   احتفت الصحافة المصرية بزيارة ملك البحرين(2) لشرم الشيخ التي أسقط فيها تنظيم “داعش” طائرة ركاب روسية، وحاولت المدينة السياحية أن تستعيد عافيتها بعد إغلاق 98 فندقا من أصل 165 فندقا مصنفا دفعة واحدة، ودعا المصريون، مسؤولين ومواطنين إلى زيارة الملك محمد السادس للقاهرة على نفس ما قام به شقيقه ملك البحرين، وكافحت مصر إلى جانب المغرب في مجلس الأمن من أجل قرار مرن للمجلس رافضة المسودة الأمريكية، وردت واشنطن بعدم دعم القاهرة لعضوية مجلس الأمن لـ 2016 و2017.

   لكن من يصنع المبادرة من العاصمتين، يؤثر على سير أوضاع تذهب نحو الاستقرار كما يقول وفد للكونغرس تزامنت زيارته مع وفد إعلامي مغربي إلى القاهرة.

   ويبدو الانتصار في المنطقة قائما على تجاوز دول مجلس التعاون الخليجي لأي تحفظات على انضمام المغرب والأردن إلى عضويته، وأن المغرب عضو في مجلس التعاون الخليجي في الأيام القليلة القادمة، وقبل اجتماع مجلس الأمن حول الصحراء في مراجعته التي حددها قراره الأخير حول قضية الصحراء.

   وأزالت الرياض تخوفات قوى سياسية في الرباط وعمان، وتوجسات من تأثير ذلك على مسار إصلاحات داخلية في بناهما الدستورية والاقتصادية، يقول جورج سمعان، في مقال مطول تحت عنوان: “السعودية تشكل توسيع مجلس التعاون”.

 موت الفيدرالية في الشرق الأوسط يبدأ من تجميد أو تحييد الحكم الذاتي في الصحراء

   في لعبة الدومينو، يساهم مجلس التعاون الخليجي في (تجميد أو تحييد) الحكم الذاتي في الصحراء، وانعكس ذلك على الموقف من الفيدرالية في سوريا من الرياض إلى موسكو، التي بدا موقفها واضحا من قرار مجلس الأمن الخاص بقضية الصحراء.

   اليوم، الرافضون للفيدرالية “جبهة واحدة” في روسيا ومجلس التعاون الخليجي، فيما قال بوتين، إن المقدرة الديمقراطية لبناء فيدرالية، لن تكون في هذه المنطقة سوى بتوافق مع واشنطن، واختار المغرب التحالف مع خصوم الفيدرالية بما جمد المبادرة التي أعلنتها الرباط في 2007 لحل قضية الصحراء، وتواجه الرباط خيارها المستقل في مواصلة الحكم الذاتي أو عدمه، وحالة التخلي عن هذه المبادرة “ترسم علاقات جديدة في الصحراء على صعيد التحالفات”، لأن انتقاد المغرب “في عدم قدرته الديمقراطية على تبني حكم ذاتي في الصحراء، بدأت في موسكو قبل غيرها”.

   ويأتي ضم مجلس التعاون الخليجي للمغرب “خطوة متقدمة في رفض الحل الفيدرالي على أي مستوى لحل قضية الصحراء”، ويمهد الوضع لإعلان “تراجعات عن الأفق الديمقراطي وبقائه في الحدود الحالية”، فاللعبة الإقليمية تلحق الرباط بمحور له مواقفه المناهضة للاتركز واللامركزية.

   وما تحفظ عليه المغرب في ربيع 2011، يقبله في 2016 بعد تغيير واضح في الخارطة فيما يخص مصر التي انتقلت من محور “الثورة” إلى محور “الاستقرار” الذي تتزعمه الرياض، ويتفق هذا المحور الخليجي ـ المغربي مرورا بالقاهرة على رفض الفيدرالية، مع تحفظات بشأنها في سوريا، والمغرب في قضية الصحراء، حماية للمنظومة الإقليمية من التطورات العاصفة، فمصر التي سوت مشكلها الحدودي في البحر الأحمر مع السعودية، تعرف إلى أي حد، لا يمكن الدفاع عن الحدود المثيرة للجدل.

   من جهة عزل الأردن ما بين إسرائيل ومجلس التعاون، وفتحه مجال العمل باتفاقية “كامب ديفيد” في شأن الجزيرتين السعوديتين “صنافر وتيران”، والعلاقات المغربية ـ اليهودية في كندا وأوروبا، فالمسألة تتعلق بتحول في البعد الجيوسياسي للمنطقة، برفض إسرائيلي لحل الحكم الذاتي في الصحراء.

 إسرائيل ترفض الحكم الذاتي في الصحراء

   عندما ننظر إلى التقرير المطول لخارجية إسرائيل في اليوم الثاني من الشهر الجاري، والذي لم يلتفت إليه الكثيرون، نجد أن إسرائيل تريد الخارطة الحالية في كل الدول سوى سوريا.

   وبشكل واضح، يرفض الليكود، مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء، لأن المهلة التي يمنحها للوصول إلى الأهداف الموضوعة “ضعيفة إلى حد بعيد”.

   وهذه الجملة الملغومة، تكشف من ناحية، أن تل أبيب، تريد “تقسيما ساخنا للمنطقة يساعد وحدتها الجغرافية الحالية في الاستمرار”، ويمنع الدفاع عن الخارطة الحالية “انزلاق المنطقة”.

   من جهة، يشير التقرير إلى التركيبة الاجتماعية المختلفة للمغرب عن باقي الدول، بما يؤكد صعوبة الحفاظ على وضعه الحالي في الصحراء، وفي نفس الوقت، يكشف “تقسيما قابلا للنفاذ” في المملكة.

   ويتحقق اليوم، ما دعت إليه “النخبة الخليجية” في التسعينات، عقب حرب صدام حسين على الكويت، حيث رفضت بقاء دول مجلس التعاون الخليجي في جامعة الدول العربية، وحاليا تحولت الجامعة إلى مجلس “التعاون” كإحدى فروعه استمرارا لقيام مجلس التعاون العربي مع مصر.

   ويوجد تنافس بارز حول دول الخليج، بين المملكتين الهاشمية والعلوية، وبين مصر والمملكتين المذكورتين، وتؤكد الرياض أنها قادرة على صناعة قوسها السني في مقابل الهلال الشيعي، وتحالفها الذي يفتح لتركيا تعويضا استراتيجيا كبيرا، فبعد تدمير جبال التركمان في سوريا، عمقت الرياض علاقتها بأنقرة وبمحورها، وآخرها اتفاقيات مع تركمنستان(3)، وهو خير دليل على وضع إيران في غلاف، أو داخل صندوق، هدفه يتجاوز كل غاياتها في الغرب الإسلامي “أو دول المغرب العربي”، ومحاصرة إيران من جوارها الجغرافي، قادر على فرض الاهتمام المتبادل بين الرياض و7 دول على الأقل.

   واعتبرت الرياض أن مرونة قرار مجلس الأمن حول الصحراء “قضية حياة لها”، دون المساس بصدقية قراراته لحل المشكل، لأن السعودية تطالب ببيان جنيف، وقرار مجلس الأمن رقم “2254” في سوريا، وتتمسك بالقرار “2216” لحل مشكل اليمن.

   ولا يمكن ربح قضية الصحراء، بخسارة ثلاث ملفات دفعة واحدة، أو التوجه إلى حروب “جديدة” في المنطقة.

 السعودية لن تمول حربا جديدة في الصحراء

   لن تمول الرياض حربا هجومية في الصحراء، وهذه الخلاصة تنفي تقديرات سابقة، تعلن أن التحالف الإسلامي، يمكن أن يقود “المواجهة” ضد البوليساريو في إطار مكافحته للإرهاب، فالمسألة غير واردة في ظل التقديرات الأخيرة لمراكز الدراسات الإسرائيلية والأمريكية على حد سواء.

   وتخطو العلاقات الأمنية بين المغرب والخليج خطواتها المتقدمة خصوصا مع حرب اليمن وحرب أخرى مفتوحة ضد “داعش”، لكن مناورات “رعد الشمال” لم تقدر خطط (إعلان) حرب في الصحراء، وواجهت الإرهاب “الإسلاموي”، وتدعم القاهرة التعاون الإقليمي في هذه الترتيبات، مما دعا المسؤولين المصريين إلى القول بضرورة “الحوار الإقليمي” لحل قضية الصحراء.

في جواب السيد الشريف، وكيل مجلس النواب عن سؤال “الأسبوع”، دعا إلى (الحوار الإقليمي) لحل نزاع الصحراء، وألا يقف هذا “الخلاف” في تقدم حوار مصر والمغرب، أو زيارة أمير المؤمنين، كما سماه مرتين إلى بلده مصر.

   في دعوة سعد جمال، رئيس لجنة الشؤون العربية في البرلمان المصري، إلى حوار إقليمي لحل نزاع الصحراء في احترام كامل للشرعية الدولية، ما يؤكد أن تبني مصر للموقف الخليجي غير ممكن في هذه اللحظة، لأن مشكل الصحراء قائم في إطار لجنة الشؤون الإفريقية في البرلمان المصري، وقد عادت القاهرة من قمة “جوهانسبورغ” إلى البرلمان الإفريقي، فيما تجري العلاقات مع القاهرة في إطار لجنة “الشؤون العربية”.

   ويسهر عليها اللواء السابق، والنائب البرلماني سعد جمال، ووعد السيد الشريف الإدريسي – ذي الأصول المغربية ـ بإطلاق لجنة الصداقة البرلمانية المغربية ـ المصرية.

   كل شيء متعلق بتكثيف الحوار المصري المغربي في هذه الفترة المليئة بالتحديات، لأن القاهرة، لا تريد أن تخسر الاتحاد الإفريقي، أو تقع في سوء فهم، أو خلاف مع المملكة، فكل التقديرات تسير باتجاه، عودة الوضع إلى ما قبل طرد “المينورسو” والأزمة مع بان كيمون، وطي هذه السابقة.

   ويبدو أن الحوار الإقليمي حول الصحراء، يدعو القاهرة إلى أخذ دور متوقع لها في الحل، لعلاقتها مع الجزائر، وتنسيقها العسكري معها فيما يخص الشأن الليبي، ويحاول المصريون الخروج من ظرفهم الطارئ، لممارسة أدوارهم لأن التحولات جذرية، ولا يمكن التنبؤ بالمستقبل، لأن الشارع لا يزال يغلي، رغم حالة الاستقرار البادية.

   ولم يعد الوضع حسب هذه التقديرات، سانحا مرة أخرى لدعوة مجلس التعاون الخليجي لضم كل من المغرب والأردن، لاعتبارين واضحين، أن الأمن الخليجي المكشوف في المحيط الهندي منذ تمرد الحوثيين في اليمن، يبدأ حاليا من اليمن، وتوسيع المجلس، ينطلق من صنعاء أو عدن في حال وقف إطلاق النار واستمرار الوضع القائم، وتوسعت السعودية إلى جزر سيناء المصرية في البحر الأحمر، بما يؤكد أن الثقل الجديد الذي فرضه “باب المندب” إلى جزر “تيران وصنافير”، يفرض حسابات أخرى لا تنتقل بالضرورة إلى المملكة.

   وهاذان الانكشافان، أفقدا السعودية ركيزتين من ركائز الحد الأدنى لثبات الأمن القومي العربي بتعبير جريدة الحياة(4)، وفي فك الطوق عنها، دفعت القاهرة كل المتأخرات في شأن الحدود الثنائية مع السعودية، ليكون الأمن والتنمية في سيناء مسألة عربية تماما، كما أراد المغرب بعد تحويلها إلى “قضية خليجية”، التقدم بها على مستوى المحاور لضمان ثقل ما في إدارة الصراع.

 السعودية مهتمة بأمنها المائي بين الممرات الثلاثة، مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس بعد استعادتها لجزيرتي صنافير وتيران، وإدارة الأمن القومي للسعودية، تجاوز معركة التنمية في السويس المصرية والصحراء بالنسبة للمغرب، وأخذت الرياض على عاتقها تدبير الأمن القومي المصري

   هناك إعادة تقدير واسعة لأمن كل دولة على حدة في منطقة الشمال الإفريقي، ويتقدم السعوديون، بأمنهم المائي بين الممرات الثلاثة، مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس، للوصول إلى ترسيم جديد للحدود يتقدم الوضع الإقليمي الصعب.

   ويعتقد الكثيرون، أن الفرصة مواتية للقيام بخطوات جريئة في هذا الباب، فيما ترى القاهرة، أن رفضها لأي صدام مع الشرعية الدولية والشرعيات الإقليمية، “بداية البدايات”، كي يساعد العالم منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على الخروج من وضعها المعقد.

   وضمنت القاهرة ثلاثة تقديرات: منع أسباب التدخل في الشؤون الداخلية للدول، أو تغيير قواعد اللعبة في المشاكل العالقة بالمنطقة، ودعم التعاون العربي ـ المصري على قاعدة عدم وجود محاور، لأن التقدم، لن يكون محققا في ظل صدام “الإرادات العربية”، أو تعميق الخلافات الجزئية حول قضايا محددة بعينها.

   من جهة، لأن الهدف يدور حاليا حول عدم التطرق إلى “القضايا الحساسة” في ظل الضعف، وعدم التفهم أو التفاهم، فالقاهرة تدعم رغم الأجواء الدامية في سوريا، الوصول إلى حد أدنى من العمل على “إعلان دمشق”، وعدم ذوبان الدولة السورية، ومن الجانب الاقتصادي، تود أن تقدر من جديد “بيان أكادير” مع المغرب والبناء عليه لإطلاق تعاون عربي ـ عربي بين جناحي شمال إفريقيا.

   وفي زعامة السعودية، لم تتوقف الرياض أمام شعارات الوحدة العربية التي زادت من تفكيك المنطقة وإنهاكها.

   وحسب مصادر دبلوماسية لـ “الأسبوع”، فإن توسيع مجلس التعاون لضم المغرب قرار نهائي، في تجاوز كامل لبعض التحفظات التي أدلت بها الإمارات وقطر، في أوقات مختلفة، وإعادة بناء شبكة العلاقات والتحالفات، لتعويض ما فقده النظام الأمني والعربي، مما يجعل مشكل “الصحراء” يدخل في إطار رغبة المغرب في دعم جزء أو محور من العالم العربي لما قرره لوقف “الجهود الاستثنائية الأخيرة التي قررتها الأمم المتحدة لحل المشكل”.

   وانزلاق الصراع العربي ـ العربي حول قضية الصحراء، يعود بنا إلى الحرب الباردة، وإلى محور يدعم المغرب في ضمه للصحراء وآخر يرفض هذا الضم، وقد تحول المشكل في البلدين المغرب والجزائر إلى قضية وطنية وشعبية، فالرباط ترى أن الصحراء ليست قضية شعب، وليست “قضية قصر” كما قال الملك شخصيا، وقررت الجزائر في عيد العمال “الأول من شهر مايو الجاري” إلى الاحتفاء بقضية الصحراء قضية الشعب الجزائري.

   ولا تزال التطورات تفي بأن الانزلاق إلى حرب جزائرية ـ مغربية، قد يبدد قوة البلدين إلى حدود قصوى، وقد يعرض “الأمن الحدودي” الموروث إلى خطر شديد، ويقترح المصريون (حوارا) إقليميا يشارك فيه الجزائريون والمغاربة.

 مصر مستعدة لدعم الحوار الجزائري ـ المغربي في هذه الفترة الدقيقة من تاريخ المنطقة

   إن الحوار الإقليمي حول الصحراء بدعم مصري، هو القادر على إعادة الوضع السابق على الأقل، أو عدم انزلاق الوضع الحالي، لأن تفجير الجناح الغربي من الوطن العربي، سيكون كارثة استراتيجية ولا شك، ويبدو أن الحوار الإقليمي، لن يكون دون تنسيق بين القيادتين المصرية والمغربية على أعلى مستوى.

   ودفن المبادرات، ليس في صالح أحد على الإطلاق، لأن من المهم بناء “قنوات خلفية” تضمن عدم انزلاق التوتر الأخير بين المغرب والجزائر، والمغرب والأمم المتحدة إلى “مواجهة مفتوحة”، خصوصا وأن مجلس الأمن، جدد ولاية “المينورسو” دون تعديل في مهمتها، ويطالب المغرب بالتراجع عن قراره الأخير بطرد المكون المدني لهذه البعثة، كي لا يكون في طور المعرقل لعملها، ويعتمد إلى الآن، الدبلوماسية التي ارتضاها أصدقاء المغرب لوقف “تداعيات القرار المغربي على البعثة الأممية”.

   ولا يمكن بأي حال فتح قنوات مع المغرب من دون أصدقائه، وأولهم مصر، التي تقترح “حوارا إقليميا” يتقدمه الحوار مع الجزائر لإيجاد الحل المناسب للأزمة الطارئة، ولحل مشكل الصحراء على ضوء قرارات مجلس الأمن.

   وعدم انضمام مصر إلى موقف مجلس التعاون، يهدف إلى بقاء قناة خلفية مع الجزائر تبقي الأمور تحت السيطرة، ولن يكون العمل المصري، وأمن مصر غير المنفصل عن أمن الخليج، أمرا مستقلا فيما يدعى “الأمن القومي العربي” بصورته الجديدة التي يقودها جيل آخر، ليس جيل حروب مع إسرائيل والعرب.

   ويقود الجيل الجديد “حروبا محدودة” داخل الدول لبناء خارطة تأخرت لعقدين انطلاقا من حرب “الحزم” في اليمن، وأخرى ضد الإرهاب في سيناء، لتنظيف “المجال الحيوي” لدولتي السعودية ومصر، وسعى المغرب إلى الدفاع عن نفس مجاله الحيوي “في الصحراء”، والالتحاق بهذه الدينامية، وشرطت القاهرة، أن يكون رسم المجال الجديد لهذه الدول الشقيقة عبر حوار إقليمي، بعيدا عن نتائج القمة الخليجية – المغربية، التي يجب تصريفها على الأرض، لا إبقاءها في إطار “البيانات السياسية”، وطرحت الدوائر المصرية زيارة العاهل المغربي إلى مصر على غرار زيارة ملك البحرين، فيما تقترح الرباط، زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لتمرير “التقديرات المختلفة” بطريقة أكثر ذكاء، ولا تمس بأي حال نتائج القمة الخليجية ـ المغربية.

   وكانت زيارة الملك البحريني لمصر، والتي بلغت تغطيتها 859 مادة، بين الخبر والمقال والتحليل في وسائل الإعلام العربية والأجنبية، نموذجا لزيارة دعا البرلمان المصري إليها الملك المغربي، وتحتاج القاهرة إلى بعض هذه الدلالات من واقع أن كل هذه الزيارات، لم تعد ظرفية، أو وقتية بتعبير الأهرام(5)، لأن آثارها عميقة على منظومة الأمن الإقليمي، وتدعم القاهرة إتاحة الفرصة لدول الجوار بالتمدد الإقليمي مجددا، وترغب في إطلاق رؤية مصرية ـ خليجية مشتركة لتأسيس نظام إقليمي جديد، وهذا التمدد معروض على الخليجيين، وعلى المغاربة المرور إليه عبر ما يسمى “الحوار الإقليمي”، كما أنه يفترض بدايته من خلال زيارة الملك المغربي إلى القاهرة.

   والمغرب ومصر، مختلفان حول دخول الصحراء من عدمه في النظام الإقليمي الجديد، خصوصا وأن الخليجيين انتهوا إلى الإقرار بوحدة المغرب ودوره في الحفاظ على توازن القوى الإقليمية والوحدات المكونة له.

   ومن جهة ثانية، عكست زيارة ملك البحرين لمصر، حوارا دبلوماسيا حول هذه النقطة تحديدا، وهو ما كشفه مصدر دبلوماسي كبير لـ “الأسبوع”، وتأكد من اللقاء، أن التمايز بين موقف القاهرة ومجلس التعاون “واضح”، فيما وسعت القاهرة من رؤيتها لأمن الخليج العربي لعدم ارتباطه بالمعنى الجغرافي، بل يتجاوز ذلك إلى الواقع الاستراتيجي الذي ينهض على وحدة الهدف والمصير، وهو ما أكده الرئيس المصري غير ذي مرة، بالقول أن: “أمن مصر الإقليمي يمر عبر دول الخليج”، فهل يمر عبر حلفاء الخليج (المغرب والأردن)؟

   الواقع أن الدعم الخليجي لمصر، يهدف تجاوز ما دعاه الغربيون “انحسار دور مصر الإقليمي”، ولا يريد الخليجيون تحت أي ظرف، ظهور “فراغ إقليمي”.

   وتعمل القاهرة على ملء كل الفراغات، وليس بناء سياسات جديدة يلتحق بها المغرب، ولا يختلف المراقبون عن وجود قراءة متباينة جزئيا بين الخليجيين والقاهرة تجاه شؤون المغرب العربي من ليبيا إلى قضية الصحراء، التي عادت بقوة إلى مجلس الأمن، والسبب رهين بشيء واحد هو عدم التوافق المصري ـ الخليجي على مصادر التهديد، رغم الموقف الواضح لمجلس التعاون الخليجي بخصوص الدور المصري، منذ قول عبد اللطيف بن راشد الزياني، الأمين العام لمجلس التعاون بالقول: “إن مصر هي قلب الأمة العربية، وهي ركيزة أساسية للأمن والاستقرار الإقليمي”.

   وقد أعلن ملك البحرين صراحة في مصر، أن “القوات العربية المشتركة” ضرورة تتكامل مع المقترح السعودي لإنشاء تحالف عسكري إسلامي، ويعتبر المغرب جزءا منه، والتمييز الحادث بين الآليتين، يكشف إلى أي حد تسود فيه أجزاء الخلاف، وتمتد إلى مقاربة مشكل الصحراء.

 البحرين من داخل مجلس التعاون الخليجي تدعم مقاربة مصر في قضية الصحراء واستراتيجية القاهرة في كل المنطقة

   جاءت زيارة ملك البحرين، في أجواء تداولت فيها أوساط دبلوماسية وإعلامية زيارة الملك المغربي التي تأجلت، وتطابق موقف المنامة والقاهرة في كل القضايا بما فيها قضية الصحراء، واقترح الطرفان لدعم هذه الشراكة في تطابق كامل للمواقف، إلى ما يدعوه “مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية”، أولا، بحث تأسيس حوار استراتيجي مصري ـ خليجي بشكل سنوي على الأقل، على غرار “مؤتمر المنامة الأمني” و”مؤتمر الأمن الآسيوي”، وغيرها من المؤتمرات ذات الطابع الإقليمي، وهذه الآلية الثابتة تخدم (أسس الأمن القومي)، ثانيا، تفعيل دور جمعيات الصداقة بين مصر ودول الخليج، وكان المصدر صادما لقوله في مسألة ثالثة، بإعادة تعريف العلاقات المصرية ـ الخليجية.

   وكانت “قضية الصحراء”، العنوان البارز في إعادة تعريف العلاقات المغربية ـ المصرية كجزء من الحل، لأن من المهم التفكير خارج الصندوق، كما تقول “الأهرام” في عددها لـ 5 مايو الجاري في زاوية “بالمصري”، فالشعب المصري ـ كما يقول عنهم مكرم محمد أحمدـ قد تغير منذ ثورة يناير على نحو جذري، ويطالب بالحوار لحل مشاكل مصر الداخلية، ويفرض النهج نفسه على علاقات مصر والخارج بطريقة تحترم قواعد اللعبة الدولية، ومن ثم الشرعية الدولية، كما قالها رئيس اللجنة العربية في البرلمان المصري، سعد الجمال للوفد الإعلامي المغربي الذي غادر القاهرة يوم 6 مايو الجاري.

   إن الدعوة إلى تعزيز المقاربة الخليجية في نزاع الصحراء من طرف مصر، يفرض من جهة، التفكير الجدي في إغلاق قوس التقديرات التي حملت السودان إلى الانشطار بين شمال وجنوب، وأن الوضع في شرق ليبيا يكشف إلى أي حد يمكن دعم أحد الخيارين: وحدة التراب الليبي، أو فرض النفوذ لتحول شرق ليبيا إلى مشكلة جديدة.

   إن كل المقاربات، متخوفة من المستقبل الغامض لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فالذين يتخوفون من المزيد من التشظي، يخافون من مطالبة “أولاد علي” في مصر وليبيا من كيان، وهم الرافضون منذ البدء ما حدث في السودان.

   وقدر المدافعون عن الشرعية الدولية المنتهية بتقرير مصير الصحراء، أن الأفق معقد إلى حد بعيد، ويجب الإيمان بالقانون الدولي، وعدم الانسياق إلى مقاربات جديدة، جيوسياسية أو جيواستراتيجية في دفاع المغرب عن وضعه الحالي في الصحراء.

   يقول سفير المغرب في مصر لـ “الأسبوع”، “لا بد من خطة عمل في العالم العربي لمسايرة المقاربة الجيوستراتيجية أو الجديدة لحل قضية الصحراء”، فمنذ 2007، طرح المغرب مبادرة الحكم الذاتي وقبلها كانت المقاربة القانونية كافية للدفاع عن نفسها.

   نحن إذن أمام تحديات جمة لمقاربة تعود إلى سنوات قليلة، وكما طبخ المغرب على نار هادئة قرار الخليج العربي، لإرساء التحول إلى المقاربة الجيوسياسية للحل، تكون مسألة اعتراف مصر بالموقف المماثل للخليج في قضية الصحراء مسألة وقت لا أقل ولا أكثر.

   يقول سعد الجمال بـ “الحوار الإقليمي” المؤدي إلى حل يطابق الشرعية الدولية، وهي صيغة يجدها المغرب مدعاة للاستثمار، فيما تكون عبارة سامح شكري “ما ترتضيه المملكة”، مدعاة لدعم قرارات مجلس الأمن، والمقصود منها ما صدر في 2007، وهي القرارات الداعمة لحل متوافق عليه، دون تعديل لإطار التفاوض أو تغيير ثوابت الحل.

   وبين ثبات الاستراتيجيا وثبات القانون، يسود اختلاف من داخل الرؤية الداعمة لما اعترف به المغرب “حلا” قبل 2007، أي “الاستفتاء”، وبعده “الحكم الذاتي”.

   وتمثل هذه الإشكالية، معضلة معقدة في إطار التساؤلات الفرعية التي تفترض الإجابة على مستوى قانوني واستراتيجي مقبولين لحل هذا النزاع، أي نزاع الصحراء، لأن تطويره قد يفتح نزاعات جديدة.

   وفي هذا الإطار، يعتبر خروج العالم العربي من “اللا موقف”، إلى الموقف، والانتقال من المقاربة القانونية إلى المقاربة الجيوسياسية في الحل، تحديا مزدوجا يأخذ وقتا للإنضاج، والتباين الخفيف، بتعبير أحد الباحثين في “مركز الأهرام للدراسات”، ويشكل سمة من سمات المرحلة، فمحور مصر والخليج ليس متطابقا، ولن تكون المقاربة في القاهرة والرباط “كربونية”، لكن الخلافات الصغيرة هامش للبلدين للمناورة والتمسك بالمصالح الحيوية والأمن الداخلي للدولتين.

   والحل في “حوار إقليمي”، وفي تعزيز التعاون الجزائري ـ المصري، والمصري ـ المغربي نحو نظرة  مغاربية، من داخل الأمن القومي العربي، تخدم بالأساس القدرة على المزيد من المرونة والمزيد من الاستقرار في نفس الوقت، كي يساهم الجميع في الاختراق الذي يحتاجه المغرب لتحقيق ما يرتضيه.

   ومن المهم في هذا الصدد، دعم العلاقات الأمريكية ـ المغربية التي سمحت للرباط بالكثير من المرونة، وعدم التشدد من قبل واشنطن في موضوع “المينورسو”، وبقاء الأشياء على حالها، فالدفاع عن الاستقرار فرض تأجيل “نظرية الأثمان”، لأن من المهم عدم تصوير المغرب خارج القانون الدولي، واعتماد المقاربة الواقعية جزء من الفعل الدولي الداعم للحوار في موضوع “المينورسو”، وأيضا البدء في استئناف الحوار للوصول إلى “إرساء حل دائم متوافق عليه” بين طرفي النزاع ، فالمستقبل في نظر المسؤولين المصريين ليس تكرارا للماضي.

   ومن هنا، يهتم أغلبهم بقراءة المخاطر، لإخلاء الغد من المفاجآت، لأن التمييز بين الوضع القائم والاستقرار، يفرض رؤية إقليمية صافية، وهي إلى الآن في طريق النضج، وتتطلب عملا مغربيا واسعا في العالم العربي.

   ومن الغريب، أن يستغل المغرب “عدم اليقين” الذي تعيشه المنطقة لإعطاء “يقين” لقراءته، لأن المخاطر وحدها يقينية، وجزء من السياسة يذهب إلى تكريس هذه الأوضاع الانتقالية التي لا تنتهي.

   وفي درجات الاحتمال ما نقرأ فيه، أن الخوف من التجزيء والانقسامات كفيل بالقول:

   أ ـ أن الموقف المصري قابل لـ “تقدم مرونته”.

   ب ـ أن قدرة القاهرة على إطلاق “حوار إقليمي” حول الصحراء بين حليفيها المغرب والجزائر قدرة غير مفعلة، بفعل ترتيب مصر لأوضاعها، وتطالب القاهرة بالحوار المغربي ـ المصري على أعلى مستوى، وعلى مستوى القمة المغربية ـ الخليجية للوصول بالموقف إلى السلاسة المطلوبة، كي تكون المصالح الحيوية للبلدين مضمونة وقوية.

   ج ـ أن الصحراء، نزاع لا يجب أن يتحول إلى حرب، لأنه سيقلب المعادلة الحالية دون وجود بدائل.

   هـ ـ أن إدارة المخاطر، لا يجب أن تسبب في الانزلاق إلى حرب جزائرية ـ مغربية، والعلاقات الجزائرية ـ المصرية، جزء ثابت من السلام في دول شمال إفريقيا.

   د ـ أن عدم الوصول إلى توافقات لإطلاق الشراكة المصرية ـ المغربية، كفيل بعرقلة الترتيبات المتوقعة التي تسعى لها دولة المغرب في العالم العربي، فالمسألة لا تتعلق بما ستعطيه الرباط لصالح مصر، مقابل هذا التحول في نظرة ومقاربة المصالح الحيوية للشعبين والبلدين قبل مواجهة النظرة الواحدة إلى إفريقيا وإلى مشاكلها، وفي مقدمتها قضية الصحراء.

   إن الحوار والمنافسة، ضرورتان في علاقة كل من مصر والمغرب بإفريقيا، ويتعلق الأمر بتنسيق مطلوب في إفريقيا تكون قضية الصحراء جزءا منه، وليس جزءا مستقلا يؤسس لأجندة خاصة.

   ولابد في هذا الصدد، من توفر المعلومات التي تساعد العاصمتين على اتخاذ القرار المناسب، وهناك ضعف على صعيد التعاون الإعلامي والسياسي، يقول باحث في “مركز الأهرام للدراسات” لـ”الأسبوع”.

   وعندما يفتح مسؤول كبير لـ “الجريدة” قلبه، يقول: “إن مصر حليف استراتيجي مع وقف التفعيل، وعلينا أن نعرف كيف نرتب إطلاق هذه الدينامية لصالح الاستقرار لمنع الانزلاق إلى مواجهة جزائرية ـ مغربية”، وفي ظل “الحوار الإقليمي”، يمكن دعم الرباط في إنتاج البيئة المناسبة لتحول الحل في الصحراء من الوجه القانوني إلى الجيوستراتيجي، أي من الاستفتاء إلى حل التراضي بين طرفي النزاع.

   ويمتلك هذه القدرة، كل من الملك محمد السادس والرئيس السيسي، لأنهما يديران القرار وبشكل شبه كامل في بلديهما، والحوار بينهما ضروري لمواصلة جهود القاهرة في الأمم المتحدة لصالح الرباط.

   ومن جهة ثانية، رفعت الجزائر مذكرة إلى الرئاسة تقول بدعم الحوار مع مصر في ليبيا وكل المنطقة، وأن تقوية ما تدعوه ” قوة الحياد” الذي ميز الفترة السابقة، فالخلاف حول الوقائع بدأ منذ موقف القاهرة إلى جانب المملكة في الخلاف مع بان كيمون، ولابد من الحد من هذا التطور، وهناك حزمة موضوعة لصالح مصر، والخليجيون والمغاربة، يحملون لمصر قدرة وقوة موجبة تدافع عن الاستقرار كحد أدنى مطلوب لكل دول المنطقة.

الهوامش:

 1 ـ “جريدة الحياة السعودية” و”قطار المستقبل” (2 مايو 2016).
2 ـ “الأخبار المصرية” ( 2 مايو 2016).
3 ـ “الشرق الأوسط” (2 مايو 2016).
4 ـ جورج سمعان، “السعودية تستكمل توسيع مجلس التعاون الخليجي” (جريدة الحياة اللندنية لـ 2 مايو 2016).
5 ـ أشرف محمد كشك، “خطوة جديدة نحو توازن القوى الإقليمي” (الأهرام 5 مايو 2016).

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!