كواليس ترويج فرنسي لحكم ذاتي جديد وتشجيع الأمازيغ على حمل رايتهم

مقرب من أحرضان يخلق الجدل حول “كورسيكا” في المغرب

 إعداد: سعيد الريحاني

   كانت الساعة تشير إلى الساعة الثامنة مساءا، عندما بدأ بعض الزوار الغير معتادين، يصلون إلى الفندق المعروف على الشاطئ في بلدية الهرهورة القريبة من مدينة تمارة، بعضهم، لم يكن يعرف سبب اللقاء، ولكن جلهم استغلوا المناسبة لإلقاء نظرات متطفلة على بعض أركان الفندق، لاكتشافه(..)، قبل أن يظهر بعض الفرنسيين الذين تحولت إليهم جل الأنظار، حتى قبل انطلاق الندوة، التي كانت مخصصة في البداية، للترويج لسباق السيارات العتيقة، التي تشكل حسب المنظمين ثروات حقيقية، لكنهم لم يتحدثوا عن عدد السيارات المشاركة، كما لم يشرحوا للحاضرين نوعية العربات، ولا عدد المشاركين فيها، ولكن اللقاء تحول إلى لقاء سياسي، شكلت فيه القضية الوطنية قطب الرحى.

   هذا من حيث الشكل، أما من حيث المضمون، فإن الندوة التي نظمت على شكل مائدة مستديرة، عرفت حضور كل من، “جورج ميلا” (حوالي 55 سنة) Georges Mela، عمدة بلدية “بورتو فيتشيو” التي توجد جنوب كورسيكا (président de Porto Vecchio)، وهي منطقة معروفة بجمالها السياحي وباحتضانها لتظاهرات رياضية كبرى في سباق السيارات، وكان مرفوقا بعدد الضيوف الفرنسيين الذين تم تقديمهم على أنهم من كورسيكا، ومن بينهم منظمو “الرالي المذكور”، الذين تحدث باسمهم الفرنسي “إيف لوبي”، هذا الأخير، قال عنه المنظمون أنه يستحق البطاقة الوطنية المغربية، وقد أثبت من خلال تدخله، أنه يعرف المغرب أكثر من بعض المغاربة، لا سيما، عندما انطلق في سرد أسماء عدة مدن وقرى على التوالي، مثل مراكش، الدار البيضاء، بنجرير، أزيلال، أيت بوغماز، زاوية أحنصال، تافراوت، أيت منصور..

   وقد كانت الأنظار مشدودة، إلى العمدة “جورج ميلا”، خاصة فيما يتعلق بموقفه من قضية الصحراء، لكنه فضل في البداية إعطاء درس للمستشارين الجماعيين الذين كانوا حاضرين في اللقاء، بعد أن لاحظ المبالغة في الحديث عن صراع المعارضة والأغلبية، ليقول إن صناعة المستقبل، تهم المعارضة والأغلبية على حد سواء، قبل أن يؤكد على أن، “المغرب دولة صديقة وله تاريخ مثله مثل كورسيكا وفرنسا”.

   كان “جورج ميلا”، حريصا على الحديث بصفته كمواطن كورسيكي فرنسي،  “لأننا كورسيكيون قبل أن نكون فرنسيين”، ولكنه مع ذلك أبرز أنه متشبت بـ “الجمهورية الفرنسية”، وبعلمها، كما أبدى ملاحظة صفق عليها الجميع، وهي تشبت المغاربة بعلمهم الوطني، لكنه قال، إن الكورسيكيين لهم “رايتان”، راية كورسيكا، وراية فرنسا، وتقول مصادر “الأسبوع”، إن بعض النشطاء الأمازيغ الذين كانوا حاضرين في اللقاء، عبروا عن ارتياحهم لهذه التجربة الفرنسية، بل إن بعضهم أكد للعمدة الفرنسي، أن وضعية “الأمازيغ المغاربة” شبيهة بوضعية “مواطني كورسيكا”.

   ولا شك أن التناتقضات، لم تقف عند حدود الحديث عن الصحراء، بينما يستحضر المشاركون، “القضية الأمازيغية”، التي تختلف بشكل عميق عن ملف الصحراء، بل إن قمة التناقض، ظهرت فيما بعد، في كلام “جورج ميلا” نفسه، هذا الأخير، تحدث في الهرهورة عن الصحراء المغربية، بينما كتب في صفحته الفيسبوكية “الصحراء الغربية”، ومع ذلك، فقد استطاع نيل تصفيقات الحاضرين، الذين لا يعرف بعضهم عن كورسيكا، سوى أنها، هي ذاك المكان الذي نفي فيه السلطان محمد الخامس، لذلك صفقوا لمبادرة صيانة المساجد، كما صفقوا للتاريخ المشترك، لا سيما تاريخ 8 ماي 1945، وهو التاريخ الذي يوثق لمشاركة المغاربة في الانتصار الفرنسي على النازية، وانتهاء الحرب العالمية الثانية..

   طبعا لا أحد من الحاضرين، انتبه إلى كون الفرنسيين، الذين يصرون على الاحتفال بانتهاء النازية يوم 8 ماي 1945، ارتكبوا في نفس اليوم أبشع المجازر في الجزائر، لذلك، لا غرابة أن نقرأ في الصحافة الجزائرية ما يلي:”انتظر الشعب الجزائري بلهفة انتصار قوات الحلفاء على النازية إيمانا منه، بأن الاستعمار الفرنسي سيفي بوعده بمنح الحكم الذاتي لمستعمراته فور تحقيق النصر، وفي الثامن ماي من عام 1945، خرج الجزائريون على غرار باقي سكان المعمور، للاحتفال من جهة، ولتذكير فرنسا بالتزاماتها من جهة ثانية، لكن في ذلك اليوم، ظهر الوجه الحقيقي للاستعمار الذي كان لا يعرف لغة، غير لغة السلاح والقتل، أمام رغبة وإلحاح الشعب الجزائري في الانفصال عن فرنسا، وظهرت النوايا الحقيقية للمحتل الغاصب، إذ توج الوعد الزائف بخيبة أمل ومجازر رهيبة تفنن فيها المستعمر في التنكيل بالجزائريين، وشن حملة إبادة راح ضحيتها ما يناهز 45 ألف شهيد” (المصدر: الإذاعة الجزائرية، 7 ماي 2015).

   اللقاء الذي احتضنته قاعة القطب الحركي المحجوبي أحرضان، والذي تزعمه الشاب هشام رحيل، المقرب جدا من أحرضان، تحول من لقاء رياضي إلى لقاء سياسي، بل إن الفرنسيين المدعويين، روجوا له على أنه كذلك، وقال “جورج ميلا” في صفحته الفيسبوكية، أنه انتقل يوم الأحد الماضي إلى المغرب رفقة “جمعية الرياضة والثقافة بالمتوسط”، وحضي باستقبال من طرف عمدة الرباط، والوزير المنتدب في التكوين المهني خالد برجاوي، ورئيس بلدية الهرهورة، فوزي بنعلال.. وفعلا كانت هذه فقط عينة من الحاضرين الذين التزموا بالتعاون مع “كورسيكا”، وقد قال برجاوي صراحة: “أجبت دعوة رحيل لهذا اللقاء، لأنني مقتنع بأهمية اللقاء وأهمية العلاقات المغربية الفرنسية خصوصا في الفترة الأخيرة، حيث لعبت فرنسا دورا مهما في تمكن المغرب من استصدار قرار ليس بالسلبي كثيرا، ولكنه ليس القرار الذي كان منتظرا في البداية، من طرف الأمم المتحدة”، وكان برجاوي قد أشار أيضا، إلى كونه قد تحدث مع “جورج ميلا” عن تأتير اليسار عن العلاقات المغربية الفرنسية، ومعلوم أن “جورج ميلا” محسوب على أنصار الرئيس السابق نيكولا ساركوزي، الذي يستعد للعودة إلى رئاسة فرنسا، وهو واضح في دعمه لمغربية الصحراء.

   من جهته، قال هشام رحيل، أنه متأكد من الدعم الملكي والحكومي للرالي، الذي سيحتضنه المغرب، غير أن مبادرته تكتسي قيمتها، من كون كورسيكا الفرنسية، تتمتع بنظام خاص للحكم الذاتي، ولها رايتها الخاصة، مما يعني أن الفرنسيين الحاضرين، كانوا يروجون بكل بساطة لنمطهم في الحكم الذاتي، طالما أنهم كانوا يتحدثون عن قضية الصحراء، لكن هل يستطيع المغاربة تجريب نظام كورسيكا، التي تتمتع ببرلمان مصغر وجهاز تنفيذي مصغر في المغرب، مع راية خاصة، هل يستطيع المغاربة استلهام تجربة كورسيكا، بينما كورسيكا نفسها تعيش تحت ضغط الانفصاليين..؟

   لمعرفة الوضع في كورسيكا، يمكن قراءة الفقرة التالية من الصحافة الدولية التي تصنفها، كواحدة من بين 20 إقليم حالم بالانفصال: “تقع جزيرة كورسيكا، جنوب شرق فرنسا، وتعد رابع أكبر جزيرة في البحر المتوسط، ومسقط رأس القائد العسكري الفرنسي نابليون بونابرت، وتتكون من منطقتين، ونالت استقلالها عام 1735، وفي عام 1768، ضمتها فرنسا بموجب “معاهدة فرساي”، ومع حلول عام 1960، بدأت تتشكل فيها حركات انفصالية، من بينها جبهة التحرير الوطنية في كورسيكا، والتي شنت العديد من الهجمات على المباني العامة، والدوائر الحكومية، قبل أن تعلن تخليها عن العمل المسلح، وعن أي عمل يخلّ بالقانون، مقابل مواصلة الكفاح من أجل استقلال كورسيكا، بالوسائل السياسية” (المصدر: وكالة الأناضول. 20 شتنبر 2014).

   وبصيغة أكثر خطورة، يمكن أن نقرأ ما يلي: “إذا كان العديد من الكورسيكيين، لا يريدون أن يبقوا في الحاضنة الفرنسية، وهم يتمزقون بين أنصار الحكم الذاتي وأنصار الاستقلال التام، فهم يرون في الأجانب، وخاصة المهاجرين الذين يمثلون 10 في المائة من سكان كورسيكا، نحو 20 ألف شخص، وأغلبهم من أصول مغربية (88 في المائة)، عملاء وأدوات للاحتلال الفرنسي لجزيرتهم” (المصدر: عنصرية يومية ضد العرب في كورسيكا/باريس- محمد المزديوي 27 شتنبر 2015 ).

   الجانب المشرق في التاريخ، من وجهة نظر فرنسية، ليس هو تاريخ استعمار المغرب، ولكن الفرنسيين يفضلون تحريك التحمس لبلاد الأنوار من خلال حديثهم عن مشاركة الجنود المغاربة في الحرب إلى جانب فرنسا، لذلك يبدو طبيعيا أن نسمع الرئيس فرانسوا هولاند، الذي لا يقول بأن الصحراء مغربية(..)، يقول، بأنه  متأثر جدا بالنداء الذي وجهه جد الملك محمد السادس، الراحل محمد الخامس في 30 شتنبر 1939 إلى شعبه من أجل مساندة فرنسا ومساعدتها دون تحفظ على استعادة حريتها.

   سواء تعلق الأمر، بكورسيكا الممزقة بين حلم الانفصال عن فرنسا، وحلم الانصهار داخلها، وسواء تعلق الأمر، بأنصار اليميني ساركوزي، أو اليساري هولاند، فإن الحاضرين في اللقاء الذي دعى إليه هشام رحيل، المقرب من أحرضان، والذي رشحته الصحافة ذات يوم لتولي منصب وزير الشبيبة والرياضة(..)، ظلوا يتهامسون خفية: “ماذا يريد هشام رحيل”، وقد اتصل بعضهم بالصحفيين خصيصا ليطرحوا عليهم هذا السؤال(..)، بينما كان هشام يشكر الفرنسيين الحاضرين على دعمهم لمقترح الحكم الذاتي المغربي (انظر صورة من كلمته بخط يده).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!