في الأكشاك هذا الأسبوع
منزل "أبو العباس" وبجانبه المسجد الذي كان يتخذه لإمامة الناس وتدريس الطلبة كما هو في الصورة

إسبانيا تهدم الأضرحة المغربية لعزل سبتة عن المغرب

ربورتاج: زهير البوحاطي

   زارت “الأسبوع” أهم الأماكن التي تروي تاريخ المجد الذي كان يعيشه سكان مدينة سبتة المحتلة في عهد العلامة والمؤرخ الشيخ “القاضي عياض” حين نزل أسلافه بمدينة “بسطة” الأندلسية قرب غرناطة، وغادرها فيما بعد، فاستقر بهم المطاف بمدينة فاس، لكن جد “القاضي عياض” الذي يدعى “عمرون” هاجر إلى سبتة التي كانت آنذاك منطقة جبلية بحرية يقصدها التجار لتجارتهم والعلماء لعلمهم، وكانت هجرته سنة 373هـ – 893م، بعدها تمكنت أسرته من أخذ مكانتها بين الأسر المتواجدة بمدينة سبتة التي كانت توصف آنذاك بالتجارية قبل أن يطلق عليه اسم العالمة، من قبل رئيس المجلس العلمي لعمالة المضيق ـ الفنيدق “إسماعيل الخطيب”، وظهر نجم في سماء هذه المدينة بمولد هذا العالم الرباني، في 28 ديسمبر سنة 1083م، فأخذ العلم على يد العديد من الفقهاء حتى صار قاضيا يحكم ويفصل في أمور الناس، وتنفرد “الأسبوع” بنشر صورة لمنزله المتواجد بشارع “حصن سان أمارو”، هذا الحصن يوجد به كذلك العديد من المطمورات التي كان الجيش في عهد “فرانكو” يستعملها لتخزين الأسلحة والعتاد، وكان منزل “عياض” محجا ومزارا يقصده المتخاصمون للفصل بينهم، وكذلك طلاب العلم وغيرهم.   

   لكن الآن، فالسلطات الاستعمارية بمدينة سبتة المحتلة، تعمل جاهدة على محو هذه المعلمة الأثرية، والتي تثبت تاريخيا مغربية سبتة، حيث سمحت لبعض الإسبان بهدم جزء من المنزل وتحويله إلى منازل، كما حولت الباب الرئيسي للمنزل إلى ممر عمومي، وأغلقت النوافذ والغرف المتبقية، لتكون بهذا قد محت هذه المعلمة التي شهدت أحداثا لازال التاريخ يذكرها، ولتفادي هدم الجزء المتبقي من منزل “القاضي عياض”، فإن “جمعية البخاري” بالمدينة تناشد المسؤولين المغاربة من أجل التدخل لحماية هذه الآثار من الدمار والتشويه لمحيطه وجماليته، وهذا ما آثار الاستغراب حول صمت المؤسسات التي تهتم بالتراث والمواقع التاريخية.

   كما قامت السلطات الإسبانية بوضع الشعار المتعلق بالعرش الإسباني وبعض الفقرات من الإنجيل فوق البوابة الرئيسية للمنزل.

مسجد أبو العباس يتحول إلى قاعدة للجماعات المتطرفة

   وليس بعيدا عن منزل الشيخ “القاضي عياض”، يوجد مسجد ومنزل وخلوة بحي “الشرشار” قرب حي “الريسنتو”، على شاطئ البحر للشيخ أبو العباس السبتي.

   وحسب ما صرح به رئيس “جمعية البخاري” للأعمال الاجتماعية والثقافية والإسلامية بمدينة سبتة، أنه سنة 524 هـ، كان مولد أبو العباس السبتي بمدينة سبتة أقصى المغرب، حيث أخذ العلم على بعض علماء المدينة كما اتخذ لنفسه خلوة يتعبد بها وهي محاذية للبحر قرب منزله السالف الذكر (تنفرد الأسبوع بنشر صورة لها)، كما كان يعقد جلسات لتدريس الطلبة منهم الفقيه “القاضي عياض” الذي تتلمذ على يديه، وعرف عنه أنه كان يخصص الأطعمة وغيرها لمن قصده، خصوصا القوافل التي كانت تعبر من المغرب إلى الأندلس، حيث كانت تتخذ من مسجده مكانا للاستراحة وتناول الطعام الذي كان الشيخ يخصصه لهم لوجه الله.

   وكان “السبتي” من أشهر علماء المالكية الذين عرفتهم مدينة سبتة، قبل خروجه سنة 540 هـ إلى مدينة مراكش عاملا بالمقولة المشهورة بين أهالي سبتة آنذاك، “العلماء يعرفون ويشتهرون بعد هجرتهم إلى بلدان أخرى”.

   ويضيف رئيس الجمعية المذكورة خلال حديثه مع “الأسبوع”، “أن هذا المسجد تعرض للخراب في وقت سابق، حيث عمل برفقة بعض المحسنين بالمدينة على إصلاحه، لكن عمدة المدينة “خوان فيفاس” سحبه منهم، ومنحه لجماعة “الدعوة والتبليغ” التي يرأسها “العربي متعيش”، حيث حوله من مكان تاريخي يزوره العديد من الناس من جميع الأقطاب لاسترجاع التاريخ المتعلق بهذا العالم الجليل، وحوله إلى مسجد عادي لا يزوره أي أحد، بل منعت قراءة القرآن بشكل جماعي بداخله كما هي معروفة عند المغاربة، وبهذا تكون هذه الجماعة، قد فكت ارتباط هذه المعلمة الدينية والتاريخية بالمغرب”، انتهى كلام رئيس جمعية البخاري.

   كما أن خلوته التي كان يتخذها للعبادة والقراءة تحولت إلى مكان مهجور يلتجئ إليه بعض المنحرفين لتعاطي المخدرات وغيرها من الأعمال غير الأخلاقية بمباركة بعض الجهات، بعدما كان بعض سكان سبتة يقدمون القرابين والذبائح وزيارة الخلوة من أجل التبرك بها، وكما يحكى أن المرضى من سكان سبتة المسلمين كانوا يزورونها فيخفف عنهم، حيث اعتبروها بدعة لا أساس لها من الصحة.       

   لكن الآن، لم يعد كذلك، حيث تؤكد “جمعية البخاري”، أن هناك جهات مدعومة من طرف المجلس الذي يرأس بلدية سبتة المحتلة من أجل هدم وطمس المعالم الإسلامية التي كانت شاهدة على مغربية سبتة منذ العهود القديمة، وأكبر من ذلك، هو منع سكان المدينة من زيارة هذه الأماكن بحجة كون زيارتها بدعة ومحرمة شرعا، لكن الحقيقة وهي هدمها وإزالتها من جذورها.

   وناشدت “جمعية البخاري” السلطات المغربية، وإلى جانبها الجمعيات والهيئات التي تعنى بمجال التراث الإسلامي بالتدخل العاجل وقبل فوات الأوان، من أجل ترميم وإصلاح ما يمكن إصلاحه، ورد الاعتبار لمدينة سبتة التي كانت كجسر تراثي يربط بين المغرب والمدن الأندلسية.   

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!