أسرار السياسة والمخدرات: كيف يمول الحشيش المغربي “داعش”؟

إعداد: عبد الحميد العوني

   بالصدفة انكشفت تفاصيل خطيرة عن تقديم البلغار، بتوصية من (السي. أي. إيه) (المخابرات الأمريكية)، الحشيش المغربي والسلاح لثوار ليبيا لمواجهة معمر القذافي، وقامت بالمهمة شركة (سي. إي. سي) لصاحبها “بويكو بوريسوف” الذي أصبح وزيرا أولا لبلاده، قبل أن تعمل داعش على تمويل وتسليح أعضائها عبر نفس شبكات السوق السوداء، وهذه أسرار السياسة والمخدرات في منطقة متداخلة، انتهت بكشف جديد في مدينة نابولي الإيطالية، وعلى ساحة محاكمها، ونشر الصحافيون تحقيقا مع العراقي “عزيز إحسان”، 46 سنة، فتأكدت علاقات “داعش” والمافيا الصقلية ومافيا “ندراغيتا”.

   إنها جيوسياسية الحشيش المغربي (الذهب الأخضر) في البحر المتوسط والعالم، ويعد، إلى الآن، العامل الأسود لتعزيز سلطات أو إسقاطها، وفي هذا الهامش، تعيش المنطقة لعبة نصف سوداء، ويركز السياسيون على أنها حصيلة “نصف بيضاء” و”شرعية”. وهذا عمدة مكناس، وبرلماني حزب العدالة والتنمية، يقول بأنه، “أدار حملته شخصيا من داخل الحانات”، وينتقد حزبا يثير مسألة الحشيش قبل أي انتخابات، وجدل الحشيش لا يزال في قلب اللعبة من أقصى اليسار إلى الإمارة الإسلامية لـ “داعش”.

 الحشيش المغربي عبر المافيا الإيطالية يصنع “دولة داعش” في سرت الليبية، وقاد قبلها انشقاق بلمختار وإنشاء دولة شمال مالي (الأزوادية)، وإن كان الفوسفاط لنظام المغرب والنفط لنظام الجزائر، فإن “الحشيش” للمتطرفين  الإسلاميين

   الأنظمة لا تحارب الحشيش، بل تحارب الإرهابي أو المتطرف الديني، كي لا يدخل الإرهاب دورة التهريب، إلا بمقدار الحسابات السرية للدول، وتعمل الأجهزة على ضبط بنية التصدير (الأسود)، والجريمة المنظمة العاملة في القطاعات غير المهيكلة، وهي الكلمة الرقيقة للمخدرات، وانتقل الحشاشون من فرقة شيعية في التاريخ الطويل للمسلمين أيام طغيان الأمويين إلى الخوارج من السنة، وفي القرن الثالث عشر، كان الانتحاريون والقتلة حشاشون، وتحولت الكلمة إلى “أساسانو”، وفي القرن الخامس عشر، عاد الحشاشون مجرد قتلة.

   وفي الشرق، لا يحارب الناس دون حشيش، وناول نابليون الحشيش لجنوده في دخول مصر، ومن أجل مقاطعة السجائر الفرنسية، أصدر الملك محمد الخامس، ظهيرا لزراعة الحشيش قبل أن تنقل حركة “الهيبي” في سبعينيات القرن الماضي تقنيات المزارعين من أفغانستان الحافظين لهذه العادة في جلود الماعز لعشر سنوات، مرورا بلبنان وإلى التقنية المائية لحشاشي المغرب، وانتقلت إلى الدول الاسكندنافية باسم “سكاف”(1).

   ومنذ جهاد الأفغان، دخل الكون “جهاد الحشيش” لإتمام العمليات الانتحارية، فالجهاديون حسب الصحافي التونسي “وليد شين”، مجرد  قصة صغيرة للمخدرات في المغرب العربي(2) من الوضعية الحالية في تلمسان، و”عين قاسمي”  في الجزائر، و “عبد الله أحرام” في المغرب، نقلا عن وكالة أ. ف. ب (29 يونيو 2009)، إلى “أسعد ساسي” في تونس، ومن “بيير روبير” أو “يعقوب” (الأمير بالعيون الزرقاء) في الرباط، إلى “مختار بلمختار” بين شمال مالي وجنوب ليبيا. وفي جهاد الحشيش مفعولان، أصناف للمقاتلين وتركيبات خاصة بالانتحاريين، ومنذ إطلاق “تصنيفة” جديدة(3) في الحشيش عام 2006، لم يعد الجزائريون انتحاريين، ولم تسجل منذ هاته السنة “عملية انتحارية” واحدة، لأن هذه “التصنيفة”  هدأت الأعصاب ولا تسمح بقتل النفس.

   ومنذ 500 سنة، والحشيش أداة في اللعبة السياسية وفي الحروب، وبين الحشاشين الشيعة والحشاشين الجدد (الخوارج)، يربط المكتشف الفرنسي “ميلراس” بين هذه النبتة والعرب، وحسب هذه القراءة، أدخلت قبيلة بني خالد الحشيش إلى المغرب، وأعطى مولاي الحسن (المتوفي عام 1892م) لخمسة دواوير من صنهاجة أمر زراعتها كي يبعد المعارضة من بني جنسه، وتحولت بعدها إلى ربح اقتصادي، ففي اتفاقية الجزيرة الخضراء، تقررت زراعة الحشيش وتصنيعه عن طريق شركة متعددة الجنسية برأسمال فرنسي، وفي شمال المملكة، هزم الحشيش دولة عبد الكريم الخطابي، حين حرمها الأمير من 1921م إلى 1926م واعتبرها ضد الإسلام، وسمح “ليوطي” بزراعتها حول فاس لمحاصرة ثورة الخطابي ودامت رخصته 3 سنوات حتى انتهى التمرد. وقهر الحشيش الفرنسيين، فبعد إجراءاتهم الصارمة ضد هذه النبتة عام 1954، ساند المزارعون استقلال المملكة كي يكونوا أحرارا، وقاد الحسن الثاني، وهو ولي للعهد حربا ضد معاقل الحشيش، وربح المزارعون، وانتقلت الأراضي المزروعة قبل وفاته إلى 150 ألف هكتار(4).

   وتلك قصة المغرب مع السياسة والحشيش، والتي لا تنتهي عند حدود المملكة، بل تصنع الفاعلين في الساحة، فكل الانتحاريين في باريس وبروكسيل مدمنون سابقون للحشيش، وانتماؤهم إلى الريف موطن زراعة النبتة، له قصة فصلها المؤرخ الفرنسي “بيير فيرميران”. وفي المغرب الذي ينتج 38 ألف طن، هناك 800 ألف مستهلك للحشيش(5)، ويوزع هذا الإنتاج شرقا وغربا، وتتصارع إسبانيا وإيطاليا في اتهام بعضهما البعض، لكن المصادرة، لا تصل في التجارة الإيبيرية سوى 10 في المائة، وعلى أراضيها يبادل التجار الحشيش بالهرويين(منذ الأول من يوليوز 1993 على الأقل)(6)، وتختلط في صفقات المافيا الإيطالية وباقي مافيات شرق أوروبا بضائع الحشيش والسلاح.

   يقول “تييري مايسان”، الكاتب والمحقق، إن “سي. أي. إيه” قدمت للبلغار توصية بتقديم المخدرات والسلاح لمجاهدي ليبيا للقتال ضد القذافي، وجاء هذا الكشف عن طريق الصدفة في تحقيقات الشرطة السويسرية، وتقارير المتابعة لدول جارة، وطلبت واشنطن من شركة “سيكوريتي أنسورانس كومباني”، تسليم الليبيين  شحنة من الأسلحة بـ 500 مليون دولار، من أصناف روسية لمحاربة أسلحة من ذات الصنع لدى كتائب سيف الإسلام القذافي، وشحنات من الحشيش المغربي لمساعدة المجاهدين على القتال(7) بجسارة لحسم المعركة سريعا، واعتبر بعض المراقبين هذه المساعدة من الناتو على الأرض، تتمة لقصفه دولة ليبيا إلى حين إسقاط نظامها البائد.

   وفي تحقيقات روسية، فإن هناك “داعش” الحشيش في ليبيا، و”داعش” الهروين في أفغانستان، وقالت “ريا نوفوسيتي”، إن 500 في المائة من الهروين الذي يستهلكه الأوروبيون، يأتي من “الدولة الإسلامية داعش”(8). ومنذ “قلب الدين حكمتيار”، وحكم المجاهدين في أفغانستان المدعومين من “سي. أي. إي” ضد الاتحاد السوفياتي، أحلوا تجارة المخدرات، وأضعفتها طالبان، ثم أحياها بعث “داعش”(9)، وأدارت واشنطن المخدرات والعنف من الفلبين وإلى أفغانستان والعراق(10). وحسب “رايلو غوليز”، فإن مسلمي مانيلا أباحوا المخدرات(11) في حربهم بفتوى سعودية (وهابية) تعممت في التنظيمات الإسلامية المسحلة.

   وكانت مجموعة “أبو سياف” المطالبة باستقلال “مينديناو”، أول مجموعة إسلامية تاجرت في المخدرات(12)، وسادت في أهل الشرق، وبعض مفتيي القاعدة وداعش تحديدا، فأجازوا تجارة المخدرات نكاية في العدو لتدمير جنوده، وتبنى “بلمختار” قائد “جماعة الموقعون بالدم” هذه الفتوى، وأخذ بها “أنصار الدولة” من أفغانستان إلى سرت في ليبيا، وكان ما جرى هامشا حقيقيا للعبة دولية. وتفاعلت المافيا الكردية والصينية والروسية ويهود روسيا في مدينة ليغا بليتوانيا تحديدا في نقل هيروين أفغانستان إلى أوروبا، فيما سعت نفس الشبكات في نقل الحشيش المغربي إلى غرب المتوسط، ومنه نحو شرق أوروبا.

   وحاليا، يسود نفس الاجتهاد في تنظيم الدولة في كل من أفغانستان وسيناء وليبيا، حيث يجوز تدمير أمة الكفر والمنافقين بما كسبت أيديهم، وما اختارته أيدي الناس في “قتلهم لأنفسهم”، وذلك بلاء لا يستقيم معه سوى النكاية في الكافر والمنافق وهما سواء. وتعاونت هذه الشبكات في تأمين خطوط البحر في سرت بعد خطوط البر عوضا عن القادم من كونستازا، وتغير طريق الحشيش في 1993 انطلاقا من المغرب، ووصل حشيش المملكة عن طريق رومانيا، في خط تشرف عليه “داعش” بـ 35 في المائة. وسادت نظرة “تنظيم الدولة” في موضوع الحشيش من الأفغان الجزائريين والتوانسة والمغاربة، والفتاوى متصلة بما سار عليه العهد في هذه البلاد، وبما عانته من حروب أهلية (العشرية السوداء في الجزائر وحرب الميليشيات بعد القذافي في ليبيا). وخالف هذا الرأي رأي جبهة الإنقاذ المنحلة في الجزائر، وحاربت “فاف” (منظمة  الأخوة الجزائرية ـ الفرنسية) وتمايزت جبهة الإنقاذ عن انحراف منظمات جهادية تدعو (للدعوة والقتال).

 حزب العدالة والتنمية و”حركة محفوظ نحناح” (الإخوان) قبلوا بالمال المختلط، ومال المخدرات لإدارة أمور عامة المسلمين، وهو نفس اجتهاد مناصري الدولة وتأسيس الخلافة

   ولا يختلف المعتدلون الإسلاميون في تونس والمغرب عن “تنظيم الدولة” في قبول المال المختلط ومال المخدرات لإدارة أمور العموم والدولة، وعزز الإسلاميون من تجارة الحشيش وتورطوا في تهريب السلاح والحشيش نحو البوسنة، وهي ذات الشبكات التي ألقت السلاح لـ “داعش” من البحر في سرت. وصدم الغربيون في تحقيقات “دي. إس. تي” الفرنسية لإقليم رون آلب(13)، عندما أدركوا أن هناك من يحلل في صفوف الإسلاميين تجارة المخدرات.

   وساهم تقارب النظرة بين الإسلامين المعتدلين والمتطرفين في مرور الحشيش دون عوائق نفسية أو دينية، وبقي لأجهزة الدولة الوطنية تقدير ما يجب فعله، ولا يختلف أحد في أمرين: قلة شفافية محاربة هذه الآفة، والتسهيلات التكنولوجية واللوجستيكية التي وفرتها شبكات شرق أوروبا لتهريب السلاح والحشيش، ولا يختلف هؤلاء في أن (الخط الأحمر) المعهود لسلطات المغرب هو السلاح. وكانت طفرة (تصدير الحشيش)، واضحة بعد تفكيك أنظمة شرق أوروبا تحت رئاسة الاتحاد السوفياتي، وعملت أجهزتها خارج القانون، وقادت المرتزقة في الحرب الليبية إلى جانب القذافي، وباعت الأسلحة للثوار، لأن الحظر الأممي على السلاح شمل الطرفين. وانهزمت كتائب القذافي بعد قطع الرصاص عنه، ولم يجد ما يملأ به أسلحته للرد، لأن هذه المافيات قطعت بتوصية من “سي. أي. إ” كل شحنة عنه، وهذه قصة خفية في حرب ليبيا.

   ويكشف ما جرى، أن قدرة “سي. أي. إيه” كبيرة في وصول السلاح عبر السوق السوداء إلى داعش سوريا أو ليبيا، لأنها تريد توازنا بين النظام والمعارضة، كما لا تريد للخليجيين ومصر السيطرة على شرق ليبيا. ومنذ 2014، تغيرت خارطة المواقع في شمال إفريقيا بين الإرهاب والحشيش والسياسة، وخدمت الشبكات “الحروب السرية والمخابراتية”، وعندما نعرف أن الجنرال “حسان”، المعتقل بعقوبة حبسية بـ 5 سنوات نافذة في الجزائر، زود فرقته لمكافة الإرهاب من الشبكات السرية أي التي تزود الإرهابيين بالسلاح. ولنا أن نعرف إلى أي حد يمكن أن تخترق هذه الشبكات والسوق السوداء المخابرات، وإن تعلل الجنرال، بأن يكون قريبا ومخترقا للتنظيمات الإرهابية، ولا يمكن الوصول إلى المعلومات دون العمل مع مافيات هذه السوق، ولم يأخذ القاضي العسكري بهذه الحجة المبررة، خوفا من اختراق المافيا للدولة عوض العكس. وتحول ضباط مدسوسون في التنظيمات الإرهابية وأصبحوا قادتها، وحاربوا من جندهم، وتلك قصة ستين ضابطا على الأقل.

   وتعيش الجزائر ما عاشه المغرب في نهاية عهد الملك الحسن الثاني، وكي يسهل انتقال السلطة إلى ولي عهده، اضطر الملك الراحل إلى إطلاق حملة تطهير، أخربها دخول بلده في أتون الإرهاب، واستطاع أن يفصل بين الحشيش وتهريب السلاح، فكانت معالم (الحرب المفتوحة) على الإرهاب وليبرالية الحشيش التي وصلت إلى 450 ألف هكتار إضافية. وبعد وفاته، كلفت المصالحة مع الريف ليبرالية زرع الحشيش في مقابل فصل جريمته عن الجريمة المنظمة، وأسقط الحشيش ـ كما هو معلوم ـ الجنرال لعنيكري لتورط أحد رجالاته في إحدى الشبكات. وتزيد المساحة المزروعة من الحشيش نسبة 10 في المائة كل سنة، فيما نلاحظ:

   أ ـ توقف الطريق البحري منذ محاكمة اليخلوفي، ووصلت علاقاته إلى كوبا، ولا ينظر الثوريون مثل فيدل كاسترو بالحرج إلى الموضوع كسائر الثوريين الراغبين في استثمار “كل الموارد” للوصول إلى تغيير الوضع، ولا يختلف (الداعشيون) عن باقي الثوريين الفوضويين في العالم، وانطلقت داعش في إحياء هذا الطريق نحو الغرب إلى سيناء، ونحو الأمريكتين، لكن نجاحها لا يزال محدودا.

   ب ـ تجددت الطريق مع مافيا صقلية منذ اعتقال محمد مهجور (الملقب بعلوش) بفضل ما قام به قادة داعش.

   ج ـ قام تنظيم الدولة بما قام به محمد درقاوي سلاما، وأرادت اختراق الدولة.

   وتواجه العاصمة الرباط ،”كارتيل” طنجة و”كارتيل” الدار البيضاء الذي عاد قويا بعد حملة التطهير، وانتقل المهربون إلى بناء “كارتيل” الصحراء، ونجحوا في استمالة “القاعدة” إليهم في تأمين سلعهم عن طريق دفع الأتاوات. ويرى المراقبون، وخصوصا في موقع “فولتير” المتخصص، أن هذا التداخل من شرق أوروبا إلى جبل طارق يشكل (عاملا ماليا) لدعم نشاط الإرهاب والتهريب، حيث لا يتمايزان في إطار الجريمة المنظمة، ومن الصادم أن نعرف، أن اختراق “الحشيش” للنخبة الحزبية والسياسية مؤثر، وأن “كارتيل” الدار البيضاء قوي إلى حدود بعيدة يرتبط فيها بأمستردام وموسكو ومن كابل إلى طنجة. ويصعب قبول ما يتداوله البعض عن حساب لزعيم داعش في جبل طارق، ومنه مول 20 ألف بذلة لتنظيمه في إسبانيا، وأن “أبا هاجر السبتي” لم تكشف عنه الأجهزة. وفي كل الأحوال، فإن حملة التطهير التي أنقذت الملك الحسن الثاني بسلاسة في انتقال العرش إلى نجله، بدأت قبل ذلك بإعدام “تابت” ومتابعة بعض الضباط تحت عنوان الرشوة، أو تعاطفهم مع الإسلاميين(14).

   وجاء الدور على المتعاطفين الأمازيغ مع المزارعين الصغار للحشيش، ويتحدث الحزب الأول في المملكة (الأصالة والمعاصرة) بشكل مفتوح عن تقنين الحشيش، بما يكشف عن تحول يفرض على مرحلة ما بعد الإسلاميين (شرعنة زراعة الحشيش)، ولا يزال منع تجارته محط إجماع إلى الآن. ويسود اعتقاد واسع، أن قول الإسلاميين المعتدلين بـ (حلال)، المال المختلط من تجارة الحشيش، ودفع نفس الحجة من داعش وحركات المتطرفين، يساهم في تقنين هذه النبتة من الأطراف التي تدعي (العلمانية)، كي لا ينظر الآخرون إلى أي نقص للريف المغربي. ويصب لقاء المافيا الإيطالية ـ حسب تقارير فرانكو روبيرتي ـ مع تنظيم الدولة وتحميل المؤرخ الفرنسي “بيير فيرميران” المسؤولية على ما عاشته مناطق زراعة الحشيش في دعوى التقنين. كما يساهم في دفع العجلة، نحو نفس المصير، صعوبة إطلاق حملة تطهير أخرى لأن الودائع المالية تأثرت بـ 30 في المائة في 1997(15)، واختنق قطاع البناء والعقار على حد سواء.

مع صعوبة محاربة الإرهاب، تكون محاربة المخدرات حربا واحدة، لكن العالم يريد المحافظة على الحشيش أو يقننه ليفصل الرهانين معا، وتحتمي داعش بشكل واسع بالشبكات الإقليمية لتجارة المخدرات

   وتزداد اليوم الحرب الجيوسياسية سخونة بين المغرب والجزائر تأسيسا على أن، الحرب على الحشيش ليست حاجة إقليمية متوافق عليها، وردت الجزائر بتصدير (حبوب الهلوسة) لوقف (الحشيش) من المغرب، وفرض الأمر الواقع انطلاقا من الميدان على أجهزة البلدين للوصول إلى تفاهمات. وطور تجار المغرب أصنافا جديدة من الحشيش كما تقول وسائل الإعلام الجزائري في مارس الماضي(16)، ومن 126.687 ألف كلغ، صودر حوالي 58 في المائة في الغرب، وحوالي31 في المائة في الجنوب. وتحاول الشركات رفع “التبادل” بين الكوكايين القادم من شواطئ موريتانيا، ومن دول جنوب الصحراء إلى حدود غير مسبوقة، فنحن أمام زيادة بـ 7 إلى 10 في المائة. ويعرف الهيروين (المصنوع في المغرب) من جهته ارتفاعا، ومن أصل 60 ألف مستجوب في شمال إفريقيا نلاحظ ما يلي:

   ـ أن “داعش” للحماية، ورفع الأتاوات على مرور المادة المخدرة.

   ـ أن بعض تجار المخدرات رهائن التنظيمات المسلحة.

   ـ تجديد قدرتها على استتابة 60 ألف متورط في عالم المخدرات لتوجيهه إلى عمليات انتحارية، ويبلغ الاستقطاب بين 1 و3 في المائة، ولا يزال الرقم ضعيفا في إفريقيا، ونجح في الأجيال الجديدة بأوروبا.

   ومن الغريب، أن نجد أن عدد المهربين يساوي عدد المستعملين، لكن دخول “أموال المخدرات” إلى لعبة السياسة والأمن حول داعش إلى كيان، وتحولت الجزائر وتونس وليبيا إلى دول مستهلكة عوض أن تكون دول (ترانزيت). وعلى الصعيد المغربي، تقاتل أجهزة الرباط في فصل الإنتاج والتجارة عن الإرهاب داخل المملكة، إلى الحد الأدنى الذي تعتقل فيه (بارونات) إيطاليا قبل تأكيدات الولايات المتحدة على وجود علاقات بين الإرهاب والتهريب. وما اعتقال “ماركو روليرو” الإيطالي، سوى إشارة إلى بقاء الوضع تحت درجة من درجات السيطرة، وحسب اعترافات “روليرو”، فقد خطط لإرسال (ألف كيلوغرام) من المواد الصلبة من المغرب نحو إيطاليا. وتنخرط الرباط في كل المجهودات التي لا تصنع من المملكة “قاعدة للمخدرات الصلبة”، لأن تصنيعها الجديد في المملكة يصل إلى مدينة سرت، وتنقله إلى داخل مصر.

   ومنذ تحقيق “كنال بلوس” الذي أحدث ضجة، رأى المتابعون، أن الاتجار في المخدرات أصبح شبكات إجرامية تؤثر في معيشة الفرد، فالهكتار الواحد من الحشيش، يطعم 7 أفراد في السنة، وتؤثر على مستقبله السياسي في إعطاء صوته لنفس الشبكة التي تفضل مرشحا أو تنتقذ آخر. ودفعت هذه الوضعية إلى تنافس الأحزاب لإرضاء “المزارعين الوسطاء” من أجل تقنين الحشيش، وفصل دورة الإرهاب عن دورة الحشيش بشكل نهائي. وفي هذه المقاربة النفعية والتبسيطية، يخدم الرافضون لتقنين الحشيش دولة “داعش” والإرهاب، وهذه الخطوة سترفع الإنتاج، وسيهبط الثمن الذي يصل الآن إلى 300 يورو للكيلوغرام الواحد، وألف يورو بالتقسيط، وهي الحدود التي تصبح فيها المواد المخدرة “مواد تجارية” مع هامشها الأسود. وسيزداد تأثير الحشيش على دورة الرفض والمعارضة، وهو ما يهدد ببلعيرج ثان، وبخلايا مماثلة.

 لا تنكر الأمم المتحدة علاقة الإرهاب بالحشيش لأن مستواهما الجرمي وحد مكافحتهما

   في تقارير الأمم المتحدة، وعبر مكتبها لمكافحة المخدرات، هناك خلاصات منها:

   1ـ أن الإحصائيات شبه معدومة “الفقرة 2″(17).

   2ـ على الأقل، 2 في المائة من المغاربة يحتاجون إلى مكافحة الإدمان.

   وعلى مستوى مكافحة الجريمة، ومباشرة بعد تفجيرات 11 شتنبر، اجتمع سبعة وزراء خارجية من الاتحاد الأوروبي وشمال إفريقيا في أكادير لمحاربة الجريمة والإرهاب، وهو أول ربط في مكافحة التهديدين، وأصبحا معا تهديدا واحدا، دفع إلى تعاون الخصمين بطريقة استثنائية بعد التغيير في العراق وسقوط القذافي. وهيأت هذه التوافقات الدولية في إطلاق حكومة وحدة وطنية في الصخيرات تعمل معها الأطراف على محاربة تأسيس دولة لـ “داعش” في شرق ليبيا. ولا تختلف الأطراف في الوصول إلى قناعات واحدة تتفق حولها المخابرات الأوروبية وفي دول جنوب المتوسط، ومن الواجب التنبيه إلى:

   أ ـ أن مجتمع زراعة إنتاج الحشيش مجتمع محافظ، ويدافع عن محافظته وإسلامه الأسري في مقابل خوفه الشديد من الفقر، وأيضا عدم استجابته للمعايير الدينية المتعارف عليها، ويتمثل رد فعل الجيل الثالث في “الجذرية الإسلامية” عبر “داعش” وغيرها .

   ب ـ أن المجتمع المغربي مجتمع “تصدير” للحشيش من خلال مهاجرين من نفس المنطقة المنتجة، وهو ما يحرر المزارع عن المصدر والمروج، وهذه الأقطاب، خلقت اتجاهات مجتمعية مختلفة بين التاجر (الحداثي) والمزارع (المحافظ)، وهو التناقض الذي يذهب إلى حد محاولة بناء كيان ذاتي للمنطقة.

   وتستفيد “داعش” من الانقسام الحادث بين المجتمعات المرتبطة بالحشيش، وأيضا في استثمار (التوبه)، والبقاء على نفس المنوال بحفظ الثروة وتحويلها لصالح الدولة الإسلامية “داعش”. وتوسعت دائرة زراعة الحشيش إلى تاونات(18)، وفي حوض سايس الجنوبي بما يوحي، أن اتصال فاس العاصمة الروحية بهذه الدائرة دون رد ديني أو محافظ، طفرة أخرى في مصالحة المجتمع مع الحشيش.

 “داعش تتصل بالبيئة الأصلية المنتجة للحشيش

   كشفت المعالجة الدينية للحشيش أن “داعش” تزيد من اتصالها بالبيئة الأصيلة لزارعي هذه النبتة، بعيدا عن دائرة مستهلكيها البالغين بين 15 و 4 في المائة(19) مما تنتجه المملكة، وانطلاقا من هذه التقديرات الأممية، نجد أن تصدير الحشيش “جائز” للخصوم في الشرق أو الكفار في (أوروبا) التي يصلها حوالي 2000 طن سنويا(20). وفي أرض أوروبا، نجد “داعش” في أوساط الجيل الثالث والرابع الموصوف بالعنف، يحافظ على استقرار الأسواق وعدد المستهلكين، والتطور الذي حدث هو نقل ثروة  “التائبين” إلى “داعش” وتمويل دولة دينية في المنطقة. وتشمل هذه الخاصية دورة العنف (والإجرام) ورؤية مستقبل يقطع بالتوبة الجماعية، ولن تكون دون “دولة الخلافة”.

 “داعش” بين اللاجئين الأفارقة بعد اختراق تنظيم الدولة للهجرة السورية

   في تعاون “بوكو حرام” و”داعش” في ليبيا، يتوجه الجميع إلى تجنيد أفارقة مسلمين لتنفيذ عمليات، ونجحت هذه الخطوة في لجوء السوريين إلى أوروبا، فيما استغلت أطراف (المهاجرين) لتسهيل عمليات متعلقة بالحشيش أو نقل أمواله، ويركز الاتحاد الأوروبي في علاقته مع الدول المغاربية على تنظيم الدولة فـ “داعش” مصرية في سيناء ومغاربية في ليبيا، ويربط التحدي (الريف) بقيادة (سرت) قبل ربط أموال الحشيش بـ “داعش” عبر أوروبا ومن خلال الهجرة الجوية عبر الجزائر نحو ليبيا. إنها هجرات جديدة أو دينامية في مسلسل الهجرة(21)، وهي واجب ديني عند أنصار “داعش”.

 المغرب يوقع على اتفاق دول في مقدمتها فرنسا حين جزمت أن شمال المملكة (الريف) أي 20 في المائة من الساكنة أول مصدر للهجرة

   جاءت هذه الخلاصة التي ربطت الهجرة بالحشيش، أي أن الريف أو شمال المملكة أكبر مصدر عالمي للحشيش وأكبر مصدر للمهاجرين(22).

   وتربط الأمم المتحدة بين مستوى الهجرة والجريمة، إرهابا أو تهريبا، في الريف بما يطرح سؤالا مباشرا، هل ستنجح المملكة في فصل الإرهاب عن التهريب والهجرة رغم ارتباط أضلاع هذا الثالوث، وقد تتحول إلى مربع بإضافة الرشوة والفساد إلى هذه التحديات، والتي نجد في مقدمتها تبييض الأموال، و”الداعشيون” الذين يحللون أموال المنافقين والمرتدين على حد سواء، يعززون ارتباط تنظيم الدولة بدورة غسيل الأموال، ومنها يستثمر مباشرة في أقاليم مختلفة.

 أموال الحشيش جزء من الدورة المالية لدولة الخلافة

   ليس هناك عمليات “داعشية” فوق أراضي المملكة، لأن المغاربة وأموال الحشيش في صلب “دولة  الخلافة” المعلنة في سرت وفي المركز (الموصل) رغم الضربات العنيفة لقوى التحالف التي تتزعمه أمريكا والطيران الروسي والطيران المغربي إلى جانب التحالف السني (الإسلامي). وتمتعت “داعش” بأموال التائبين عن هذه التجارة أو الزراعة المتصلة بالحشيش، ومررت السوق السوداء جزء منها إلى التنظيم. يقول المسؤولون المغاربة (الفقرة 56 من تقرير المكتب الأممي لمحاربة المخدرات)، إن تبييض الأموال يتم عبر شراء (مواد التهريب) وتهريب العملة(23).

   ومنذ 2002، اعترفت السلطات بمحاولة إرهابيين تفجير بواخر بريطانية وأمريكية في جبل طارق، واتهمت الرباط ثلاث مواطنين سعوديين من القاعدة قبل التعاون الوثيق بين مجلس التعاون الخليجي والمغرب. وانتهت “داعش” إلى عمل بديل عن “القاعدة” يتصل بالقادرين على القيام بالمهمات، قبل أن تطلب عونهم في أرض الخلافة في سرت، وقد وجدوا تمويلا جيدا من الانطلاقة إلى النهاية، وإلى الآن، لم توجه “داعش” ضرباتها إلى المملكة، رغم كل الدعايات لأنها قدرة لوجستيكية كبيرة، ومصدر عال للتمويل والعدة البشرية.

   وفعلا، فإن شبكات المخدرات منظمة جيدا، ويمكن أن تحمي من تريد وولاءها للتجارة والأموال إلى الآن، ولا يمكن تحويلها إلى خصم كامل أو نهائي، لأن معارضتها السياسية (الفقرة 66) ستكون قوية وتهدد سلطة الدولة، و(في الفقرة 67 من التقرير الأممي) يتأكد وجود أسلحة خفيفة في صفوف المهربين على الحدود الجزائرية ـ المغربية بنفس قدرات البوليساريو، وهو تحد شديد في حال ولاء هؤلاء المسلحين لتنظيم الدولة.

 “داعش الممولة من الحشيش المغربي محليا وإقليميا هو التهديد الأمني الرئيسي في المنطقة

   تكاد التقارير الأممية والرسمية، والسرية تحديدا، أن تجمع على وضع أصبعها على تهديد مركزي ورئيسي في المنطقة، وبالنسبة للمملكة تحديدا، ويتمثل في وجود “داعش” الممولة من الحشيش المغربي محليا، ولوجود “داعشيين” يفكك الأمن بمختلف تشكيلاته، خلاياهم، ويوقف العائدين منهم، لكن دعم وتمويل “داعش” بالسلاح والمال والرجال خطوة “كبيرة” يشكل فيها الحشيش أهم ركيزة. ويصدر شمال المملكة انتحاريين إلى العراق وسوريا، والمال إلى داعش ليبيا، وليست المسألة لغزا، بل قدرة دولة تواجه فصلا بين الحشيش والسياسة، دون المساس بهشاشة الاقتصاد غير المهيكل، لأن هذه المسؤولية مسؤولية دولية، وليست مسألة مغربية بحتة كما تقول الجارة الجزائرية.

   وتقحم الحرب الجيوسياسية عنصر “داعش” في المعادلة بطريقة سلبية، فيما قد تكون أساسا لعلاقات مغاربية ناضجة واستراتيجية.

هوامش الملف

1_ Kif kif, documentaire de Jacque Henri Bidermann, Philippe la chambre et Olivier Pousset, France, 26 minutes,1994.
2_ Des assassins aux Jihadistes: petite histoire de la drogue au maghreb, oulid chine, iemed.org(consulté 26/4/2016).
3_ Algeria wach, Benchenouf djamaledine, le shit nouveau est arrivé, un kif amiliore est produit au Maroc 27/5/2006.
4_ comment le Maroc est devenu le royaume de cannabis, Ali Amar, slate Afrique (96437).
5_ 800000 consommateurs de drogues au Maroc, «tel quel».ma(143325).
6_ Dépêche internationale des drogues n°21.
7_ Comment la Bulgarie a fourni des drogues et des armes a al Qaida et daesh, thierry meyssan voltairenet (189789).
8_ Et fournit 50% de l’heroine consommé en Europe (FSKLN) Ria Novosti, 26 Novembre 2014.
9_ la machine de la guerre Américaine, Peter Dale Scott, éditions demi_ lunes, 2012.
10_ American police training and political violence: from the Philippines conquest to the killing fields of Afghanistan and Iraq (article in voltairenet).
11_ Drogues et fondamentalisme par la dépêche internationale des drogues (1 février 1996).
12_ la dépêche internationale des drogues (n°52).
13_ la dépêche international des drogues (n° 26).
14_ (une vague d’réputation plus discrète frappait une dizaine. d’officiers ou poursuivis devant des tribunaux spéciaux aussi bien pour corruption que pour sympathie envers les (islamistes) observoitoire géopolitique de drogue, 1997.
15_ observatoire géopolitique de drogue 1997.
16_ Algérie 1.com(9/3/2016).
17_ www.unodc.org(bbcnews,1627000).
18_ le rapport du moyen orient 218, priting 201, réseaux de mécontentement du Maroc , James Ketteler (merip.org/mer/218 /218 ketterer).
19_ us departrement of state. bureau for international nactics and law enforcement affairs, INCS rapport 2000.
20_ medintelligence free.fr/bd crimes.
21_ appleyard r (edition, 1999) la dynamique de l’émigration dans les pays enveloppement, volume 4, la région arabe, Londres
22_ Maroc: aperçu des politiques de contrôle des drogues et la criminalité en collaboration avec OCDPF.
23_ U .S, département of state report: le blanchiment d’argent et les crimes financiers, 2000 (state.org/g/inl/rls/brcrpt 2000).
24_ nisat.org.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!