الحقيقة الضائعة | لماذا لم يشكل محمد الخامس مجلسا للوصاية

بقلم: مصطفى العلوي

  يحكي راو عن شاهد، وها قد أصبح الرواة في الدرجة الثانية بعد أن كانوا منذ أيام الرسول، هم الصادقون المصدقون، أن ولي الله(…) عبد الإله بن كيران، حكى يوما، وهو بين الهزل والجد، قصة رجل سقط من إحدى العمارات العالية، وبينما هو نازل في طريق الموت الأكيد اعترضه واقف في أحد البالكونات، ربما كان مرفوعا(…) وقال له: لا باس؟ فأجابه الشخص الهابط: لحد الآن لا باس.

  وهي قصة يظهر فعلا أن بن كيران حكاها، لأنها تمثل واقعا متطابقا مع الحال المغربية، فما دام الرجل لم يمت بعد، فإنه بخير، وإن كان سيموت، بطريقة أو بأخرى(…)، بصرف النظر عن هذه الشريحة من المغاربة، الذين أصبحوا يفضلون الموت، على الخطر(…) مثل ما حصل لبائعة بغرير القنيطرية، مي فاتحة التي فضلت إحراق جسدها بالنار على الانتظار، متصورة أنها أسلم طريقة للموت، وربما كما يتفق الكتاب الصحفيون على ظهور شريحة من المواطنين الذين يتصورون خطرا مقبلا، هو أخطر من خطر الموت، فيفضلون الموت السريع، على انتظار الخطر القادم، لذلك اتفقوا جميعا على تحويل مي فاتحة إلى أيقونة سياسية دخلت التاريخ السياسي المغربي، ولعلها صدقت، الصحفية الفرنكفونية، عائشة أقلعي، التي تحدثت عن خطر آخر، يتهدد المغاربة وكتبت: ((إن المغربي العادي أصبح يتصور الخطر، عندما تظهر بوادر الضعف على الملكية(…) فالمغربي العادي لم يبق يثق في أي شيء، حتى المسار الديمقراطي لم يبق يقنع بمصداقيته أحد.

   المغرب لا يتحرك إلا ببطء، عندما يغيب الملك، أو عندما يظهر متعبا، فإن البلاد كلها ترتعش، أما عندما يتحدث الديوان الملكي في بلاغ رسمي، عن السفر الملكي لأغراض صحية، فإن الشعب يشعر بانسدال العرق البارد)) (عائشة أقلعي. طيل كيل. عدد 10 مارس 2016).

  وإن كنت لا أدري، ومن قال لا أدري، علمه الله ما لا يدري، هل هؤلاء الذين يحكمون المغرب بالتلفون(…)، ويملون قراراتهم الانفرادية، على المصادر الصحفية تارة، وفي صيغة بيانات تنشرها وكالتهم(…) للأنباء، بلغة الخشب المنقوش(…) تارة أخرى، دون أن يعرفوا ثقل وقعها على هذا الشعب المرتاب(…) ليثيروا، وأثناء إحدى الغيابات الطويلة للملك محمد السادس، أن الوزير الكاتب العام للحكومة إدريس الضحاك – الذي قال الصحفي مصطفى السحيمي بأنه مقرب من الديوان الملكي – عرض على المجلس الحكومي المنعقد في مدينة العيون، يوم 6 فبراير 2016، حتمية(…) الإسراع(…) بتفعيل الفصل 44 من دستور 2011، وتشكيل مجلس الوصاية على العرش، بسرعة جعلت مجلس الحكومة يصادق عليها، والجريدة المقربة، تعلن أن رئيس البرلمان الطالبي العلمي ((يستعجل المصادقة على مشروع قانون الوصاية))، فتتم الاستجابة لطلب الطالبي وتتم مناقشة المشروع في 20 دقيقة يوم 8 أبريل وتصوت عليه الأغلبية والمعارضة، حتى ليخيل للمتعمق أن الأمر يتعلق بتدارك غلط أو تجاوز نسيان دام أكثر من خمس سنوات بعد صدور الدستور.

  ولنتصور وقع الخبر، على المتواجدين في الأسواق والمتحلقين في المقاهي، والمحيطين بالمجالس من سماسرة التفسير، والخبراء في التضخيم، لأن الأمر يتعلق حرفيا بحتمية تشكيل مجلس للوصاية، عندما يصبح الملك ((غير بالغ سن الرشد قبل نهاية السنة الثامنة عشر من عمره، وإلى أن يبلغ سن الرشد يمارس مجلس الوصاية، اختصاصات العرش)).

  فما هي دوافع هذا التحريك المستعجل يا ترى، وما هي الخبايا؟

  وكان أول المستعجلين، لمعرفة ماذا جرى وماذا سيجري، هو سفير أعظم دولة، السفير النشيط بوش في الرباط، ليستفسر أقطاب الأحزاب المغربية، بعد أن انتظر شهرا من بعد، على صدور خبر تكوين مجلس الوصاية، وليكون واحد من مجيبيه، حسب مصادر صحفية، أكدت أن السفير بوش اجتمع برئيس حزب الأصالة، الحزب الذي كان يسمى خلال سنوات طويلة حزب القصر(…) والذي بدأ حديثه التفسيري(…) مع السفير بقوله: ((إن مناضلي حزبنا كلهم من اليسار الراديكالي الذي لم يكن يؤمن بالملكية(…) ولا بالديمقراطية، وكان يسارا مؤيدا للجمهورية(…) كما أن الحزب المنافس، العدالة والتنمية، المتأصل من الحركة الإسلامية، لم يكن يؤمن بإمارة المؤمنين(…) وإنما هي حركة مفتونة بدولة الخلافة(…))) (عدة مصادر صحفية).

  مباشرة بعد هذا التحرك الدبلوماسي، يطل قطب العدل والإحسان، الشيخ محمد عبادي، يوم 9 أبريل، ليعلن بجرأة نادرة: ((إنه لا يحل للمسلمين البقاء ثلاثة أيام بدون خلافة(…) وأن الخلافة هي روح، جوهرها، عدم استبدادية الحكم، هي نظام سياسي يحترم العدل وحريات الإنسان ويفصل بين السلطة، والثروة(…) ويسند الحكم لصناديق الاقتراع)) (عدة مصادر صحفية).

  لتكون نتيجة هذه التحركات، وخاصة كرد فعل جاء من العدل والإحسان، وعلما بالمكانة المتميزة لمنظمة الشيخ عبد السلام يس المحظورة، لدى الأجهزة الأمريكية، فقد كان طبيعيا أن تصدر وزارة الخارجية الأمريكية يوم 13 أبريل، بلاغا رسميا عن المغرب وكأنه موحى من موقف العدل والإحسان، متحدثا عن: ((إن أكبر المشاكل في المغرب، هو عدم قدرة الناس على تغيير الفصول الدستورية(…) المتعلقة بطبيعة النظام الحاكم)) والتعبير الأمريكي، الذي أغضب المسؤولين المغاربة فعلا، يرتبط صراحة، بالتحرك الدستوري المغربي الأخير، والذي – لسوء حظ المتصرفين دون استشارة(…) – ينطلق من هذه الإثارة السيئة التوقيت، عن تشكيل مجلس الوصاية، والذي لو لم يثر، في غير وقته(…) لتفادى المغرب هذا التنبيه الأمريكي.

  فقضية ولاية العهد، ومجلس الوصاية، كانت مرتبطة في التاريخ المغربي، بظروف كانت دائما غير سارة، وبأزمات سياسية، تفجرها إثارة الحديث عن مجلس الوصاية، مادام للمغرب ملك، سمعه الأمريكيون يجبد آذانهم من العاصمة السعودية الرياض، خطاب كتب عنه الباحث المغربي رضى الموسوي ((إنه خطاب جاء من زمن آخر، ليس من زمن الذين ورثوا الحكم(…) قرنا بعد قرن، حتى أصبح حكمهم قضاء وقدرا)).

  الخطاب الملكي في الرياض تحدث عن هذا الخرق السافر لحدود السيادة المغربية، ونحن نرى هذه الأيام، كيف انعدمت هذه الحدود، وأصبح كل من كان معرضا للمحاسبة، كما كان الأمر أيام زمان.

  ثم إن قراءة سريعة للنص الجديد عن مجلس الوصاية، في دستور 2011، تحتم مراجعة النص السابق، فيما يتعلق بتشكيل هذا المجلس، الذي يبقى التساؤل جاثما عن مبررات إثارته في هذه الأيام(…).

  الفصل 21 من دساتير الحسن الثاني يحل إشكالية التخوفات(…) التي تلازم النص الجديد – رغم أن لا حق لأحد في انتقاد دستور صوتت عليه الأغلبية – سد به الحسن الثاني إشكالية التخوف الشعبي(…) من الهيمنة المجهولة(…) على مجلس الوصاية في دستور 2011، فقرر دستور الحسن الثاني: ((يرأس مجلس الوصاية أقرب الأقرباء إلى الملك من جهة الذكور، وأكبرهم سنا)) ولا يناقش باقي النص في تواجد باقي الأعضاء المتواجدين في الدستور الجديد، والذي يكتفي بعبارة ((وعشر شخصيات يعينهم الملك بمحض اختياره)) فمن تكون هذه الشخصيات؟ وهل سيكون فيها معينون من طرف الملك، يتحكمون في الأشخاص والنصوص؟

  وكان علماء الدساتير الفرنسيون، الذين سبقونا إلى التجربة الديمقراطية، وساسوا أمورنا بحكمة(…) وبقوا سنوات بعد الاستقلال هم الذين يكتبون دساتيرنا، كأن لم يقنعوا بالطريقة التي اختارها الحسن الثاني لتشكيل مجلس الوصاية ((واعتبروا قرار الحسن الثاني بترئيس أقرب أقربائه على مجلس الوصاية، نوعا من الرفض للتقاليد الإسلامية التي تكيل الأمر إلى مجلس العلماء والفقهاء))، ملمحين إلى أن الملك محمد الخامس، سبق الحسن الثاني في هذا المجال ((بإصداره لظهير ملكي، عين بمقتضاه ولده مولاي الحسن وليا للعهد بصفة رسمية)) (كتاب الملكية المغربية. جاك روبير).

  ذلك أن الملك محمد الخامس كان يعرف حق المعرفة، خطورة موضوع الوصاية، ومجلس الوصاية، وما يترتب عنه من مفاجآت(…) إضافة إلى تعمقه في خبايا النوايا(..) وكيف يترك ملك ولده ولو كان قاصرا، لعبة في أيدي سماسرة السياسة والمصالح، وهو الذي جرب تلك المرحلة التي مهدت لرجوعه من المنفى، حين ربط الفرنسيون عودته للمغرب، بتعيين مجلس للوصاية، لو لم يكن الوطني الكبير مبارك البكاي عضوا فيه لكان بالإمكان بالنسبة للأعضاء الباقين المقربين لفرنسا(…) أن يحولوا دون تسلم الملك العائد، لمسؤولياته كملك حر في تصرفاته.

  فهل هناك تناقض في دستور 2011، بين فصليه الثالث والأربعين، والرابع والأربعين، مادام الفصل 43 ينص على: ((إن عرش المغرب ينتقل بالوراثة إلى الولد الأكبر من ذرية الملك محمد السادس)).

  لذلك تجاوز الملك محمد الخامس، نصوص مجلس الوصاية وما قد يشمله من مفاجآت، فأصدر ظهيرا بتعيين ولده الحسن الثاني، وليا للعهد، وكفى الله المومنين القتال.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!