في الأكشاك هذا الأسبوع

الصفقة: إدريس لشكر لن يعرض المؤتمر الاستثنائي لحزب الإسلاميين على القضاء الدستوري وحزب العدالة والتنمية يخسر 20  مقعدا برلمانيا لأجل ولاية ثانية لبن كيران

إعداد: عبد الحميد العوني

   حسب مصادر خاصة، قبل إلياس العماري بولاية ثانية لبن كيران في إطار الترتيبات التي تديرها الداخلية، حيث رأى حزب الأصالة والمعاصرة، الأهمية الشديدة لفتح اللعبة وتمثيل الحداثيين في البرلمان، وعدم قتل أحزاب كالاتحاد الاشتراكي، لأنه قتل للمغرب واللعبة وتوريث للمحافظين في المؤسسات.

    ومن جانب ثان، قبل بن كيران بخسارة حزبه لـ 20 مقعدا في البرلمان القادم سعيا منه “لضرب التحكم الذي لا نقبله في الآخر، وعندنا أيضا “كما نقل عنه برلماني للأسبوع”، لكن الثمن هو مواصلة بن كيران لولاية ثانية في مقابل تراجع حزبه، وتجمد التنافس جزئيا على رئاسة الحكومة من طرف حزب الأصالة والمعاصرة بعد وصول إلياس العماري إلى أمانته العامة. وتساعد كل الأحزاب في تمرير قرارات الداخلية بخصوص تعديل القانون التنظيمي لمجلس النواب بهدف تخفيض نسبة العتبة من 6 إلى 3 في المائة.

   وواصل حزب الاستقلال حربه منفردا على وزير الداخلية “محمد حصاد”، واعتبر قرارات وزارته “ردة دستورية”، فيما تريد الداخلية تنويع التمثيلية البرلمانية، وتجري مشاورات مع تحالف اليسار والتقدم والاشتراكية للمشاركة في الحكومة القادمة من الآن، ويبدو توزير “منيب” موضوعا مدروسا في جلسات عدة.

   وجرت اتصالات بين الأحزاب وشباط، لخفض التوتر بين حزب الاستقلال ووزارة الداخلية، وفي إطار صفقة تدعو إلى عدم عرض إدريس لشكر قضية المؤتمر الاستثنائي لحزب العدالة والتنمية على القضاء الدستوري (المحكمة الدستورية)، وقرر حزب العدالة والتنمية في المقابل خسارة 20 مقعدا برلمانيا من أجل ولاية حكومية ثانية لبن كيران.

 أعلن حصاد توافقا بين الأحزاب في رده على النائب الاشتراكي محمد الفلاحي حول خفض العتبة والمناصفة في لائحة الشباب، ليكون تمثيل الشباب بالتساوي مع الشابات، ويصل عدد البرلمانيات إلى 75 برلمانية على الأقل، وتكون النساء الكتلة الثانية في الانتخابات البرلمانية القادمة

   في إطار مناقشة “مشروع 20” لعام 2016، والمتعلق باللوائح الانتخابية العامة، جدد الاتحاد الاشتراكي المطالبة بتطبيق كل ما ورد في مذكرته، في إطار ما سماه إصلاحات جذرية تؤمن بروح الدستور الجديد الذي لا يقبل الممارسة “المشروطة للحقوق”.

   وأيد إلياس العماري هذه الإصلاحات الجذرية، لتنزيل ديمقراطي أكثر للدستور في لقاءه مع إدريس لشكر رافضا دكتاتورية الأحزاب الكبرى، وأقر الحزبان برفض (القطبية المصطنعة)، ورفض الاتحاديون في مذكرتهم توالي اسمين من نفس الجنس في إطار المناصفة، وتكليف المجلس الأعلى للحسابات للقيام بتتبع دقيق لموارد ومصاريف الحملات الانتخابية، وهو ما رفضه حصاد، لأنه يمس بمكتسب قوي لوزارته منذ عهد الستينات.

   ووصفت المذكرة ما تقوم به الإدارة والقضاء بالتقاعس في محاربة ظاهرة شراء أصوات الناخبين، وسكت إدريس لشكر عن شراء الزمن السياسي لصالح ولاية حكومية ثانية، وهو ما تمارسه أحزاب العدالة والتنمية والتجمع الوطني للأحرار.

   وتفيد المصادر، عن تدخل إلياس العماري للقاء إدريس لشكر، من أجل دعم الطعن في المؤتمر الاستثنائي لحزب العدالة والتنمية لحماية التجمع الوطني للأحرار، وكان زعيم الاتحاديين قد قرر الطعن القضائي في المحكمة الدستورية لوقف (ظاهرة المؤتمرات الاستثنائية) التي تمدد في ولاية قائمة ما هو مقضي بنهايته قانونا.

   وقصرت المذكرة، بشكل كبير، استعمال الأموال في الإحسان وغيره تحت طائلة القانون، وهو ما يوقف عجلة إلياس العماري وحزبه أيضا، إلى جانب الإحسان المفترض لشراء ناخبين عبر جمعيات دينية.

   وذهب إلياس العماري في وقف (البلدوزر) إدريس لشكر، لأنه سيضرب بحجرة واحدة: تمويل الأصالة والمعاصرة، والعدالة والتنمية، وتجديد قيادة مزوار وبن كيران، وهذا المربع الحارق في ترتيبات الساحة السياسية، لا يفيد بأي حال (حسابات الأحزاب الكبرى والداخلية) على حد سواء، واستجابت كل الأطراف  للاتحاديين في مسألة خفض العتبة والمناصفة في كل ما  هو محقق في اللوائح المعمول بها.

   وصعد إدريس لشكر قبل أسابيع من خلال دعوته  للملكية البرلمانية، والسكوت عن شبيبة حزبه في تواصلها مع شبيبة البوليساريو، قبل أن يقرر في مذكرة كتبها لجميع الأحزاب بأن غايته هي (عدم سقوط الاتحاد الاشتراكي عن المقاعد البرلمانية المحصل عليها في 2011).

   وعرفت الداخلية والأحزاب ما يريده إدريس لشكر، ومنحت أغلب ما يطلبه لوقف هجوماته، فيما قرر محمد حصاد السكوت عن مطالب (حزب الاستقلال) التي تريد رأسه كما يريد رأس شباط تماما.

 هدد إدريس لشكر وزارة الداخلية بمقاطعة الانتخابات إن لم تستجب لمطالبه في “خفض العتبة”

   قالت مصادر أن إدريس لشكر، كان واضحا عندما هدد محمد حصاد بمقاطعة الانتخابات، إن لم تستجب الداخلية لمطالبه بخفض (العتبة الانتخابية) ووزير الداخلية قال له: اكتب لي، وقرر رأس حزب الاتحاد الاشتراكي أن يراسل الأمناء العامين للأحزاب بذات المذكرة.

   ولما وقع له لأحد أعضاء مكتبه السياسي في الانتخابات الجهوية الأخيرة، دعا إلى عدم حرق جميع أوراق التصويت الصحيحة والملغاة والمتنازع عليها.

   وأبدت المذكرة رغبتها في اعتبار المندوبين الحزبيين في مكتب التصويت أعضاء في المكتب المذكور لتكون لهم الأهلية، وغيرها من المطالب.

   وتحرك إدريس لشكر مرات قبل استجابة وزير الداخلية حصاد، لكل ما جرى في لقاء مع رئيس الحكومة وأعضاء من حزبه، حين قبل شخصيا بقاء الاتحاد الاشتراكي قويا ولا يريد أن يمسه بسوء كما قال.

   ودافع نبيل بنعبد الله بشراسة على التمثيل المتكافئ والعادل، لأن حزبا مثل التقدم والاشتراكية، أعطى “ثباتا لحكومة بن كيران أكثر من أي حزب آخر في الأغلبية”، وبقي الأمر مختلفا فيه، وإن وافق عليه بن كيران.

   وتحفظ وزير التجهيز إلى جانب آخرين من داخل المجلس الحكومي، على هذه التعديلات، وطالب بتأجيل المصادقة على مشروع القانون التنظيمي المعدل لقانون مجلس النواب، والآخر المتعلق بالأحزاب بمبرر أن قادة الأحزاب لم يتوصلوا بالتعديلات قبل المجلس الحكومي.

   ولا يريد بن كيران التدخل لدى حزبه لقبول التعديلات لاختبار نوايا وزارة الداخلية في المؤتمر الاستثنائي للحزب، وهو يخاف من قطع التمويل عنه بطريقة قانونية، لأن حصاد نفسه، منع رئيس الحكومة من عقد تجمعات، ويمكن أن يفخخ المشهد، ويسقط حزب العدالة والتنمية “قانونيا”، وليس سياسيا أو انتخابيا، ولا يخشى بن كيران هذا المصير، لكنه متوقع ومحسوب لاعتبارات كثيرة، فالمسألة تتعلق بتقديرات تكتيكية جديدة لم ينته إليها رئيس الحكومة إلى الآن.

 نسق انتخابي تأخذ فيه “فيدرالية اليسار” مكان الاتحاد الاشتراكي دون أن يرثه اليمين الحزبي

   كل مخطط الداخلية وحزب الأصالة والمعاصرة، عدم وراثة اليمين الحزبي الحساسية الاتحادية، ويؤسس خفض العتبة لنسق انتخابي تأخذ فيه فيدرالية اليسار مكان الاتحاد الاشتراكي دون أي مساس بالحساسية اليسارية ونصيبها من “الكعكة” في إطار التوازنات.

   وجاء من يرغب في عودة الاتحاد الاشتراكي لأن ميراثه الانتخابي لن يذهب بالضرورة إلى وسط اليسار، متمثلا في الأصالة والمعاصرة، ومن المهم لدى إلياس العماري والداخلية، وقف نزيف توجه الأصوات “اليسارية” إلى اليمين، وتأمين القاعدة التحتية للصوت اليساري الذي يجمع إلى الآن العماري وفيدرالية اليسار، وقد جرب النظام توجه الاتحاديين إلى مواقف فيدرالية اليسار بخصوص الملكية البرلمانية ومواقف الشبيبة الاتحادية في قضية الصحراء، قبل أن يفتح إدريس لشكر حواره مع إلياس العماري، ويتدخل حصاد لدى الأغلبية بقبول تنازلات مؤلمة بخصوص العتبة وغيرها، ووصلت هذه الخطوات إلى إنزال أبناء الحبيب المالكي وإدريس لشكر في اللائحة الوطنية للشباب.

   ويبدو أن تحول حزب الملكية البرلمانية إلى حزب وراثي في آخر اجتماعاته، مؤشر على عودة إدريس لشكر إلى خيمة التوافقات مع وزارة الداخلية بعد “تمرد” وصل إلى رد الملك على الحزب في خطاب مباشر في غرفة البرلمان.

   ولا ينقذ خفض العتبة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بل يقوي حليفا لحزب العدالة والتنمية (التقدم والاشتراكية) الذي أبدى نبيل بنعبد الله (زواجا كاثوليكيا) مع الإسلاميين لدفعهم إلى قبول خفض العتبة، وغيرها من الإجراءات التي تنخر قوة حزب بن كيران.

   ومن نفس الإجراء، تدافع الداخلية عن (الاتحاد الدستوري)، وعلى هذا الأساس، فهي تنقذ تشكيلتها التاريخية من حزب الوزير اليميني المعطي بوعبيد، وإلى حزب الوزير الأول اليساري عبد الرحمن اليوسفي.

   ويحافظ القانون الجديد للعبة، على حزب رئيس الحكومة (العدالة والتنمية) في حال تراجعه أيضا، وإن رأى حزب الاستقلال أن قدرته على الحفاظ على زخمه المستمر فوق العتبة من استقلال المملكة إلى اليوم، وستمس الإجراءات بقوة شباط وقيادته للاستقلاليين، فالإجراءات التقنية ذات الأبعاد السياسية الصرفة دخلت لإعادة رسم الخارطة السياسية، فهي لن تمس السباق نحو رئاسة الحكومة، وتذهب باتجاه التحكم الكمي في مقاعد الأحزاب، فتقسيم الدوائر والتقطيع الانتخابي، لم يعد قابلا للسيطرة بعد اجتياح حزب العدالة والتنمية لبعض المدن.

   وتعيد الداخلية رسم لعبتها مجددا، فاستقرت على ضرورة خفض العتبة كي تتجاوز ما حدث في شتنبر الماضي، ولأول مرة تمس الانتخابات إدارة الداخلية، وانفجرت أحزاب المعارضة من أجل إعادتها، ورفض القصر هذا الخيار قبل أن يؤطر حصاد إدارة وزارته مجددا.

   وأنقذ إلياس العماري تحول اليسار إلى مزيد من الراديكالية، فوسط اليسار (الأصالة والمعاصرة) أنقذ اليسار الاتحادي من توجهات فيدرالية اليسار عموما، وخاض إدريس لشكر حرب خفض العتبة لتمكين فيدرالية اليسار من التواجد والضغط بها في وجه يسار “النظام” والداخلية، وهذا الوسط بين يسار النظام متمثلا في (الأصالة والمعاصرة)، ويسار المجتمع (فيدرالية اليسار) يخدم في جزء كبير التوازن المرغوب.

   ومن الغريب في صنع التوازنات، أن تراقب الدولة الهشاشة السياسية، وتخفض “قوة” أحزاب المرحلة من جهة، وأثبت حزب الأصالة والمعاصرة والاتحاد الاشتراكي عدم التحكم الذي أيده إلياس العماري في موضوع “العتبة” في رد عملي على بن كيران، الذي حصر نفسه في الزاوية، لأنه إن دافع عن العتبة في حدود 6 في المائة، فهو يثبت تحكم الأحزاب الكبرى قبل أي شيء آخر.

   واختار إلياس العماري خدمة حسابات الداخلية، وحصار بن كيران، والرد على اتهام حزبه بالتحكم مرة واحدة، دون أي خسارة، فهو يؤهل خارطة تحالفاته في حالة فوزه، ولا يريد أن يكون ضعيفا، أو يكون رهين “اليمين”، في حال وصوله لقيادة الحكومة.

   وكما قال بن كيران في بوزنيقة أمام شبيبة حزبه: أنا ما زلت أنتظر (ويقصد إلياس العماري في محاربته للإسلاميين)، وقال (ولم يأت منه أي مبادرة، بل مزوار هو الذي تقدم في خرجة غير منتظرة، ولا أعرف علاقتها بالموضوع).

   وهذه الجبهة التي تحيط، الحزب الإسلامي من الأحرار إلى الاتحاد الاشتراكي  يؤكد (تكتيكات) حصار حزب العدالة والتنمية.

   ومن الملاحظ فصل الراديكاليين عن المعتدلين، بعد تراجع الاتحاد الاشتراكي الذي ذهب يسارا جدا، ثم تحول إلى وسط اليسار مع إلياس العماري، حيث ظهرت جماعة العدل والإحسان، وعبد الله الحريف عن حزب النهج، أكثر جذرية من أي وقت مضى، فانطوى المعتدلون مجددا في صف النظام (أو المخزن).

   ومس هذا الفرز الحكومة نفسها حين رفض (الأحرار) ما دعوه (تحكم) حزب رئيس الحكومة، كي تكون التنازلات من إلياس العماري في المعارضة، ومن العدالة والتنمية في نفس السياق.

   وعلى الرغم من أن بن كيران حاول أن يجمع بعض القادة السياسيين في بيته ليظهر أن (الانسجام) الحكومي لا يزال قائما، فإن ظرف (الصحراء) المعقد في مجلس الأمن، والذي أصبح همّ الملكيات العربية، هو ما يحافظ على الأغلبية.

 الاتحاد الاشتراكي يأخذ ما يريد من داخلية حصاد بفضل موقف شبيبته التي أرسلت علامة حمراء لمن يريد (إقصاء) الاتحاديين أو عدم نيلهم ما يريدون

   تهيء الداخلية كل الأجواء لإعادة الاتحاد الاشتراكي إلى نفس مقاعده البرلمانية بعد استحقاق أكتوبر القادم، لكن أي نجاح قوي للنظام في ملف الصحراء، سيعدل جزئيا من النتيجة، لأن خطوة الرباط الأخيرة ضد اليسار الراديكالي في النهج والجمعية المغربية لحقوق الإنسان، تفيد أن أي نجاح في الملف يوقف ما دعاه وزير الخلفي نفسه (الابتزاز).

   وستكون ارتكاسة شديدة للديمقراطية الداخلية، أو تفجيرها متعلقا بملف الصحراء لا غير، لأن كل حسابات الدولة تدور حوله، رغم محاولة البعض إعطاء وجه مستقل للعبة وللتوازنات.

   وأن يعيش النظام بدون ضغوط، هو ما سيكشف “الحقيقة الديمقراطية للدولة المغربية”، كما يقول المعلقون الفرنسيون، وإنعاش الأحزاب الصغيرة ليس أكثر من دفع النظام لثمن موقفها بخصوص الإجماع الوطني حول الصحراء واصطفافها خلف القصر، وكما قال الملك أمام الخليجيين، ليست قضية الصحراء قضية القصر الملكي، بل قضية شعب.

   وتعزيز المقاربة الجارية دون مقاربات أخرى في إدارة الصراع، هو الهم المؤكد للنظام وإدارته، وعرف الاتحاد الاشتراكي كيف يستفيد من هذا الوضع، حين دفع بشبيبته لإيصال الرسالة بغرض التفاوض حول “كعكة” تضمن له البقاء ضمن الأحزاب المتوسطة على المدى المتوسط.

   وتطالب منيب باسم فيدرالية اليسار والأمينة العامة للحزب الاشتراكي الموحد، والتي لعبت ورقة دعم مقاربة النظام في قضية الصحراء لانفتاح ديمقراطي أكبر، وذلك بفتح الدعم المخصص للأحزاب على الأحزاب الصغيرة، وزيادة حصصها في الإعلام، لأنها لا تختلف في شيء عن الموقف الرسمي في القضية المركزية.

   ويمكن لفيدرالية اليسار التي لم تجد ما تمول به ألفا من مرشحيها في الانتخابات البلدية والجهوية الأخيرة أن تتنفس الصعداء.

   والصراع جار على قدم وساق من أجل (البقاء)، ويبدأ من بقاء الدعم المالي للاتحاد الاشتراكي وتوسيعه لفدرالية اليسار، وضغط الأحرار، من داخل الحكومة والمعارضة، كي يقبل الإسلاميون بتخليهم عن 20 إلى 25 مقعدا برلمانيا قبل إجراء الانتخابات.

   وفي هذه التاكتيكات، وجد حزب بن كيران نفسه محاصرا إلى حدود بعيدة كلفته تمرير إجراءات رفضها وزراء الحزب في المجلس الحكومي.

 إدريس لشكر خاطب بن كيران قبل غيره في موضوع الانتخابات، قبل أن يذهب بعيدا في قيادة وضع خاطب فيه الداخلية، وعرف كيف تستقبل الوزارة ضغوطه، وأدار مع إلياس العماري، معركة بقائه حزبا يريد أن يعطي أدواته ومقاعده لمن يختار

   دعم اليازغي خرجة شبيبة حزب الاتحاد الاشتراكي في علاقتها بشبيبة (جبهة) البوليساريو وليس (دولة) البوليساريو، لأنها مؤهلة لتكون حزبا، إن قبلت مبادرة الحكم الذاتي، وهذه الخرجة (الاتحادية)، من لشكر وإلى اليازغي، فهمتها الدولة (ترتيبا) لإعادة الاتحاديين إلى مكاسبهم التي لن يفرطوا فيها، وتحقق لهم ما يريدون في حدود الاعتبارات المرسومة لاستحقاق أكتوبر القادم.

   وجاءت النتيجة في صالح الشبيبة التي ورثها أبناء القادة الحاليين للاتحاد الاشتراكي، لأن، من الصعوبة إدارة تنظيم شبابي يلعب على الخط الأحمر، دون أن يكون تحت الضغط، واستفاد أبناء القادة لأنهم تحت وصاية الآباء.

   وربح إدريس لشكر تيار اليازغي والقاعدة الشبيبية، واستمرار حركة الأحزاب على هامش الدولة، كما تقوم على ذلك “الدبلوماسية الموازية” لإلياس العماري.

   إن الفكرة التكتيكية واحدة في اليساري، كان على يمين النظام أو على شماله، وهو ما يجمع إدريس لشكر وإلياس العماري ومنيب وغيرهم، فيما يلعب بن كيران وشباط نفس الفكرة.

   وفي الحقيقة، لم يربح إدريس لشكر بقدر ما ربح إلياس العماري، وربحا إلى جانب “قاعدي” سابق يلعب على يمين النظام، وهو مزوار، ولا تختلف هذه الدوائر في فهم توازنات اللعبة، وإشارات الدولة عبر مستشار الملك، علي الهمة.

 “اليمين المخزني” من بن كيران إلى شباط لم يصل إلى صنع  تفاهم واسع واستراتيجية داخل السلطة أو خارجها، فيما نجح اليسار من يسار الدولة (الأحرار)، ويسار النظام (الأصالة والمعاصرة)، ويسار النخبة (الاتحاد الاشتراكي)، ويسار المجتمع (فيدرالية اليسار)، في إيجاد تموقع جديد منذ قيادة علي الهمة للمشهد من خارج المؤسسة وداخلها

   الخلاف الذي وقع بين اليوسفي والهمة خلاف أجيال، وتوحدت الاستراتيجية منذ 2007 من داخل المؤسسة وخارجها، وعاش الاتحاديون داخل الحكومة وخارجها متواطئين مع اللعبة الجديدة.

   ووصل التيار الحداثي إلى تفاهمات تكتيكية واسعة مع النظام، وإن حدث الربيع المغربي الذي قادته شبيبات اليسار والعدل والإحسان في الجانب الإسلامي، بما أتاح إدارة الإسلاميين للمرحلة، وقبول اليسار بالرجوع إلى المعارضة والدفع بنبيل بنعبد الله إلى الحكومة الائتلافية الحالية، للسماح بجسر اللعبة، كي لا يطالها الانقسام، ونجحت الحسابات التي دفعت يسار النظام (الأحرار) إلى دعم ليبرالية بن كيران، وقال الأمين العام للتقدم والاشتراكية: بن كيران ليبرالي أكثر مما نتصور.

 اللعبة المغربية انصهرت مجددا في الليبرالية الجذرية (أو المتوحشة) عند المعارضة، وأصبحنا أمام يسار ليبرالي ويمين ليبرالي ووسط، فانتهى مفعول الاتحاد الدستوري وأمثاله، وقررت الداخلية الحفاظ عليه وعلى التوجهات الجديدة لليسار، فيما قرر حزب العدالة والتنمية فصل نفسه عن الدين بإعلانه، أنه حزب غير ديني وانتهى إلى الليبرالية الجذرية، فيما قرر النظام “وطنية جذرية” تحافظ على طريقة حكمه

   كانت الفرصة مواتية لتجذير الديمقراطية بعد حركة 20 فبراير، وفضل المغرب التراجع، فانتهجت الأحزاب (ليبرالية جذرية) في إطار المتدينين واليسار، في صفوف المحافظين والحداثيين المدافعين عن النظام، ولم يجد الحكم مع هذه الموجة سوى وطنيته الجذرية لاستيعاب التطورات الجارية.

   ولم يشذ اليسار الذي حكم في فترة انتقال العرش عن ثوابته في إعادة التموقع، لأن إدريس لشكر لا يريد (أن يموت الاتحاد الاشتراكي في يده)، ويبدأ وقف التراجع من دفاعه عن (المكتسبات) التي حصل عليها الحزب منذ نهاية عهد الحسن الثاني وإلى الآن، واستجاب في لحظة حاسمة لقرار النظام بوقف مفاعيل نتائج انتخابات 2002.

   ويعرف إدريس لشكر إلى جانب القادة الاتحاديين من اليوسفي والراضي واليازغي أن (قتل الحزب) خط أحمر، وقد يعرض الوضع إلى تقديرات سيئة،  فمواصلة (التفاهمات الحرجة) مع النظام، ثابت من ثوابت العلاقات الاتحادية مع المخزن منذ المهدي بن بركة وإلى الآن، وأن تدخل الجيش في فترة سابقة لوقف تفاهم الاتحاد والحسن الثاني، فإن أي وضع آخر لا يقبل إجهاض التفاهمات التي أطرها اليوسفي منذ رسالة الملك في ذكرى بنبركة، وأدارها إدريس لشكر،  فالمهم عند الاتحاديين بقاء (الامتيازات) المحصل عليها قائمة، وتحت أي ظرف.

    وأبدع الاتحاد في التموقع مجددا في 7 أكتوبر القادم، ويدين الاتحاديون حاليا وجودهم في الخارطة دون أن يكونوا في الحكومة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!