الحقيقة الضائعة | الصحفيون وحلوى القصور والزنادقة.. بين تاريخ الإسلام وحاضر المغرب

بقلم: مصطفى العلوي

   لو كانت الديمقراطية ديمقراطية، والحق حقا، والإنصاف إنصافا، لاعترف الممتهنون لصنعة السياسة في هذه البلاد، بأن أكبر حزب في المغرب، هو حزب القراء، قراء الصحف والكتب طبعا.

  ولو أراد أعضاء هذا الحزب، عقد مؤتمرهم الوطني وانتخاب لجنتهم المركزية، ومكتبهم السياسي لما استوعبهم ملعب، ولضاق بهم كل محل رحب.

   قراء الصحف وحدهم هم الأغلبية الواعية. قراء الصحف، هم الرأي العام، هم أيضا، الطبقة المتنورة في هذا الوطن.

   ومن لا يقرأ الصحف، ولا يواكب أخبارها، الصحف الورقية طبعا، مادامت الصحف الإلكترونية كلحظة النشوة، سرعان ما تنتهي عندما ينطفئ جهاز الالتقاط.

   فمنذ حوالي خمسين عاما، وهذه الطبقة المتنورة من قراء الصحف، تُحسب على الأغلبية الصامتة، أغلبية المفعول بهم(…) ولا الضالين.. لهذا نرى الأحزاب المهيمنة على كل البرلمانات المنتخبة إعلاميا، منذ إعلان الدستور الأول والثاني والثالث والرابع، كلها أحزاب بلا صحف، والتي تحظى بوصف الأغلبية، لا صحيفة لها، وإذا كانت لها نشرة(…) فإنه ليس لها قراء بما فيهم أعضاء الحزب، وإن كانت واسعة الانتشار، فإنها لا تبيع أكثر من ألفي نسخة في اليوم.

   وتنطبق على هذا الواقع أسطورة القط والكفتة، وأنتم تذكرون التساؤل الأزلي، عن القط الذي أكل الكفتة حين أحضر الزوج كيلو كفتة، قالت له الزوجة، إن القط أكل الكفتة، وذهب الزوج بالقط إلى الميزان، فوجد أنه يزن كيلو، ليسأل الزوجة، هذا كيلو، فإذا كانت هذه الكفتة فأين القط، وإذا كان هذا هو القط فأين الكفتة، كفتة الأغلبية، وقط الأغلبية.

   وعالميا، يستغرب النظام العالمي، وهو يرى أن أضعف الأحزاب حضورا إعلاميا وصحفيا، هي المهيمنة على أغلب الانتخابات المغربية.

   حتى إن انتخابات 1961 تطلبت تأسيس الفديك، جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية التي قالوا إنها حزب الملك، وما هي في الحقيقة إلا حزب جديرة صديق الملك لتبرير هيمنتها، وانتخابات 2011، تطلبت تأسيس حزب قالوا أيضا إنه حزب الملك، الأصالة والمعاصرة، وما كان في الحقيقة إلا حزب الهمة، صديق الملك، وكما انسحب جديرة، بعد ما سمي غضبة ملكية عليه، من قيادة الجبهة، انسحب الهمة دون أن نعرف لماذا.. من قيادة حزب الأصالة، لا نعرف لماذا، لأن غضبات الملك لا يعرفها إلا الذين يتعرضون لها.

   وإذا كان الخير أمام، كما كان يقول منافقو كل زمان، فإن الانتخابات المقبلة، في نهاية هذا العام، قد تسفر هي أيضا عن البحث عن أغلبية.. منذ حوالي ستين عاما إذن، ونحن صامدون عند كلمتنا، لم نتحرك قيد أنملة، عن الموطئ التاريخي الذي تتجمد عنده أقدامنا.

   قد يبحث قارئ عن عنصر المبالغة في هذا التذكير، لكنه سيصدم، بأنه ما بين الانتخابات الأولى والأخيرة، كانت تشكل أحزاب بنفس العقيدة، الطاعة والولاء(…) وكانت عقيدة لحزب الأحرار الذي أسسه أيضا صديق للملك، أحمد عصمان، وحزب أرسلان الجديدي، الذي سمي حزب العروبية، بعد أن نصح بتشكيله من كان أيضا صديقا للملك، الجنرال الدليمي، ثم حزب الاتحاد الدستوري الذي أسسه المعطي بوعبيد، وكان صهرا للعائلة المالكة.

   الإطار العام للمقارنة طبعا، بين انتخابات 1961 و2011، هو أشبه ما يكون بالتعبير المخزني: “ما يجري به العمل”، أو بالأحرى أشبه بالساندويتش الأمريكي. والمصريون يسمون الساندويتش: “الشاطر والمشطور، وما بينهما طازج”، ما بينهما طبعا هو الواقع، طازج، بالنسبة لمن يأكلون(…).

   وطبعا يبقى قراء الصحف، محسوبين على طبقة المأكولين، أما الصحفيون أنفسهم، فكما كانوا قديما، هم اليوم مجرد متفرجين، رغم أن بعضهم أصبح في إطار مخطط ذكي، في عداد الآكلين(…) فئة منهم تأكل حلوى القصور، وفئة تأكل العصا(…).

   وحيث أن سكان المغرب مع البرلمان الأول سنة 1961، كانوا عشرة ملايين، وأنهم في 2011 كانوا خمسين مليونا، والاعتماد على الحليمي(…)، فإن أجيال الأربعين مليونا المزدادة في إطار الحضارة والتقدم يا حسرة، بقيت منونخة(…) كما يقول أصحاب الحشيش، أصحاب الحشيش الذين سجلوا أول انتصار لهم في تاريخ البشرية، عندما بدأت تهيمن على الحاضر، آفاق استيلائهم على مقاليد النفوذ في المغرب كما في بعض دول أمريكا اللاتينية، وها هي الإحصائيات العالمية الجادة، تصنف المغرب في الصف الرئيسي لمصدري الحشيش في العالم، حتى المخابرات الإيطالية في مارس 2016 هذا، كشفت أن تنظيم داعش الذي يقض مضاجع أروبا، باستقرار هذا التنظيم في ليبيا على بعد مائتي كيلومتر من روما، عاصمة إيطاليا، يستمد أمواله من منتوج الحشيش المغربي: ((إن السلطات الإيطالية حجزت في السنتين الأخيرتين 120 طنا من مخدر الشيرا، بقيمة مليار ونصف مليار أورو (ألف وخمسمائة مليار سنتيم) وتشتري داعش الأسلحة، من المتاجرة في المخدرات التي يتم تهريبها انطلاقا من شمال المغرب)) (المسؤول الأمني كومبوباسو. جريدة لاريبوبليكا. مارس 2016).

   وبصرف النظر عن القوالب(…) السياسية والانتخابية، فإنه من المؤكد أن الأجيال المغربية الحاضرة، لا تضع مقاييس معينة في تعاملها، وها هي المحاكم المغربية تدين أكثر من عشرة مرشحين في الانتخابات الأخيرة، بالسجن والذعيرة، لشرائهم الأصوات، بقدر ما تتنامى في أوساطنا، حشود من الشباب الذي ليس بينه وبين المقاييس السياسية إلا الخير والإحسان، بل إن دراسة معمقة لواقع المكونات الاجتماعية عندنا، تكشف انعدام أي ارتباط بين الأجيال الحاضرة وبين التكوين السياسي المعهود، بعد أن انقرض أي ارتباط بين التلميذ والمعلم، وفضلت الرموز النموذجية الباقية(…) الانكماش والابتعاد، لتبقى الساحة السياسية بأحزابها وهيآتها لعبة بين أيدي المنتهزين للفراغ، وعديمي التجارب، وحتى ناقصي التكوين.

   واقع يقربنا من زمن حدثنا فيه التاريخ الإسلامي عن ظاهرة الزندقة.

  والزنادقة في العصر العباسي بعد زمن الإشراق الحضاري والفكري: ((هم الذين تبعد تعاليمهم عن تعاليم الإسلام، وتقوم على نوع من الديمقراطية الفاسدة(…) وتعرض الحياة السياسية للخطر)) (تاريخ الإسلام. حسن إبراهيم حسن).

   وما دام لكل عصر زنادقته(…) فإن خلو الساحة السياسية من الرموز المتمكنة من الأخلاق، والمبادئ، يفسح المجال أمام كل من هب ودب، ممن يعملون طبعا على إقامة كيانات سطحية من أجل تحقيق أغراض مؤقتة لدغمشة الرأي العام فقط. فأغلبهم يتوفرون على حسابات في الخارج، ويقال إن هناك أقطابا يملكون شوارع في المكسيك والبرازيل، مستعدون لركوب الطائرة، كلما طرأ طارئ يهدد البلاد.

   فقد ولى ذلك الزمان الذي عانى فيه الأقطاب السياسيون المغاربة من ظلم الاستعمار، في إطار الحركة الوطنية التي كانت هي المدرسة العليا في ذلك الزمان، الذي كان الشغل الشاغل للطبقة المتنورة هو إمتاع المغرب بالاستقلال، مهما كان الثمن.

   نذكر يوما في سنة 1951، على سبيل المثال، يوم لم يكن للمغرب وزير فعفاع في الخارجية، ولا عفاريت ولا تماسيح في الوزارة، حينما صوت في هيأة الأمم المتحدة في قصر شايو بباريس، وباتصال مع عبد الرحمن اليوسفي، لفائدة استقلال المغرب، كل من مصر وسوريا، وظفر الله الباكستاني، ومندوب العراق، واكتشف المغاربة أنهم في حاجة إلى نقل قضيتهم إلى صعيد دولي أوسع، وطلب الأمين العام لجامعة الدول العربية عبد الرحمن عزام، أن يتحرك المغاربة في تجاه العالم، بأن يذهب علال الفاسي إلى أمريكا اللاتينية التي صوتت ضد استقلال المغرب، وعجز اليوسفي عن مرافقته لأن الفرنسيين قد سحبوا من عبد الرحمن اليوسفي جواز سفره، فهرب اليوسفي إلى مدريد رفقة صهره العربي الفحصي، وبلافريج في طنجة مع الدكتور عبد اللطيف بن جلون، وانكاي، أول مدير ديوان لمحمد الخامس. محمد الخامس الذي أعطى منحا دراسية للدفعة المغربية لمهندسي القناطر والطرق، عبد الحفيظ القادري، ومحمد الطاهري، وامحمد الدويري والعيماني، فيم كان ولي العهد الحسن الثاني، يسخر مولاي أحمد العلوي لنشر كتاب “قضية المغرب” باللغة الإنجليزية حتى يطلع الأمريكيون على الملف المغربي، حيث كان الثري الاغزاوي قد فتح مكتب حزب الاستقلال في واشنطن، مع المهدي بنونة. واشنطن حيث اكتشف علال الفاسي أن أحسن من يقدم الملف المغربي للرأي العام الأمريكي هو الصحفية “ميس بوب” التي بحثت للحزب عن تمويل عبر إمضاء اتفاقية مستقبلية مع كوكا كولا، ثم التحق بهم في واشنطن، المهدي المنجرة وتولى عبد الرحمن اليوسفي إصدار مقالات يكتبها للصحافة الفرنسية تصدر بإمضاء صحفيين فرنسيين، لأن اليوسفي كان ممنوعا من الكتابة، ومرة سجنه الفرنسيون في باريس، بعد أن فشلت محاولتهم لمتابعته في جناية ارتكبها جزائري يسمى اليوسفي بالجزائر، وتمت تبرئة اليوسفي بعد أن دافع عنه المحامي الفرنسي جان رو، تحت حملة صحفية نظمها مراسل جريدة العلم في باريس، الحسين بنسعيد، وكانت الحركة الوطنية المغربية، تفرض القضية المغربية على الرأي العام الفرنسي بعد أن التحق بباريس كل من المكي الناصري، وعبد القادر بن جلون، وعبد الهادي بوطالب، وأحمد بنسودة، ويضغط اليوسفي بمقالات كان يمليها على الصحفي الفرنسي “لويشات” ينشرها في مجلة “لوبسرفاتور”، وحتى المحامي جان رو، كان يكتب مقالات من إملاء اليوسفي، تنشر في جريدة “لوفران تيرور”.

   هذه المجموعة التي فتحت مكتبا لها في أول مركز مغربي كان بمثابة السفارة الوطنية في باريس، في 20 زنقة سيربانت التي قرر الملك محمد السادس مؤخرا أن يقيم بها أول مركز ثقافي مغربي في باريس.

   هذا هو الماضي الذي برر الحاضر، بالنسبة للمجموعة التي تسلمت المغرب بعد الاستقلال، ومهما كانت صراعاتها مع مخلفات المخزن الرجعي، فإن هذه المجموعة لعبت أيضا أدوارا ناجحة في السنوات الأولى لاستقلال المغرب، قبل أن تدخل في عالم النسيان.

   فقارنوا إذن بين رجال زمان.. وسياسيي هذا الزمان.

تعليق واحد

  1. صحيح أن الأحزاب تتبع مقولة الغاية تبرر الوسيلة وغايتها الوصول الى الحكم بأية وسيلة مشروعة أو غير مشروعة لأن سيطرتها البعدية ستعمل على محو جرائمها القبلية. وأما الدولة المغربية فهي تمسك بالخيوط من الأعلى ، والخيط الذي طال تقطعه ولو كان عنق الثلثين. وأنت أسي العلوي تكتب منذ 50 عاما وهم يقولون لك اكتب ما شئت ما دمت لا تلامس السقف، والعمل بالمثل الشعبي “فمك (قلمك) ما نزولو ليك ورايك ما نديرو ليك” أنت كتب لي بغيت وحنا نديرو لي بغينا و”حزب القراء “اللي كتستنجد بيه يشرب لبحر نتا واياه وهكذا ماضيا وحاضرا ومستقبلا الا أن يقضي الله امرا مفعولا . فهل ترى من حل للخروج من عنق الزجاجة تكتبه لحزب قرائك ايها العبقري التليد ؟؟؟؟؟؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!