في الأكشاك هذا الأسبوع

فريد الأطرش لم يتزوج لأنه كان عاجزا عن الإنجاب

 بقلم: رمزي صوفيا                                

   من منا لا يتذكر الموسيقار الحزين الأمير فريد الأطرش، ابن عائلة الأمراء من طائفة الدروز. لقد كان فريد الأطرش فريدا من نوعه بين الرجال في كل شيء، وذلك على مستوى معاملته للناس، حيث كان يتحلى بتهذيب كبير وأخلاق راقية، وكان يحترم الجميع احتراما هائلا. ورغم أنه كان عصبي المزاج، فقد كانت الابتسامة الرقيقة لا تفارق وجهه أبدا حتى مع الذين كانوا يسيئون إليه ويطلقون الشائعات من حوله مثل الهشيم.

عرفت فريد الأطرش عن كثب وتعرفت عليه في البداية في مصر، ثم توطدت علاقتي به بعد أن غادرها بشكل نهائي وافتتح كازينو للقمار في بيروت، حيث صرت أقضي كل أمسياتي معه في الكازينو دون أن تلامس يدي الطاولة الخضراء، التي يعتبر الداخل إليها مفقودا والخارج منها مولودا، وكم من نجم كسب مبالغ طائلة من نجوميته، ولكنه كان يغادر تلك الطاولة بشروى نقير، فيعود من جديد بحصيلة عمله ليخسرها عن بكرة أبيها، فالقمار مثل المخدرات يصعب التخلص منه.

   ورغم أن فريد الأطرش كان يمتلك ذلك الكازينو، إلا أنه كان في كل ليلة يهرع نحو كازينو لبنان ليلعب القمار حتى ساعات متأخرة من الليل، وكان الجميع يتابع انخراطه في لعب القمار، وكأنه غائب عن الوجود حتى يتم الإعلان عن إغلاق أبواب الكازينو، فيغادره فريد الأطرش على مضض، فكان يخسر كل ما لديه ويستدين من رفاقه وكنت أتابع جلساته اليومية وأصطحبه من هناك نحو الكازينو الذي كان يملكه، فكنت أنصحه بالإقلاع عن لعب القمار وهدر أمواله كالهباء المنثور، وكنت أردد عليه باستمرار: “أرجوك يا فريد أن توجد لي شخصا واحدا لم يهدر رزقه على تلك الطاولة”، فكان يجيبني قائلا: “لا أستطيع، ليس الأمر بهذه السهولة، فهو خارج عن إرادتي، فهناك شيئان يجريان في عروقي مثل دمي وهما الغناء والقمار”.

كان فريد الأطرش يعتبر المخرج يوسف شاهين أقرب صديق في حياته، وكان يثق به ثقة كبيرة ويبوح له بكل شيء، حيث كانت كل أسرار فريد الأطرش عند يوسف شاهين. ونظرا لعلاقتي الوطيدة مع يوسف، فقد سألته في إحدى الأيام بعد أن احتار دليلي مع فريد الأطرش: “بالله عليك يا يوسف، قل لي ما هو سر التصاق فريد بالقمار وعجزه التام عن ترك الطاولات التي تكبده خسائر هائلة في كل ليلة وكأنه لا يتعب في جني تلك المبالغ التي تذهب أدراج الرياح في أقل من

   رمشة عين” فقال لي: “يا رمزي، لقد تعبت من جهتي في البحث عن سر إصراره على قضاء الساعات الطوال مع الطاولة، ولكنه باح لي ذات يوم بالسر قائلا لي بتنهيدة طويلة عندما سألته عن سبب تعلقه بالقمار: “اسمع يا يوسف، إني أجد في الطاولة ما لم أجده في النساء فاتركني وشأني. فماذا سيجدي المال الذي أهدره ما دام لم يمنحني السعادة والحب الحقيقي”، فعقبت على هذا الكلام قائلا ليوسف: “ولكن فريد كان ولا زال محط أنظار مئات النساء، فكيف يمكن أن يشعر بكل هذه الوحدة، لا شك أن هناك سرا كبيرا يكتمه عن الناس؟” فأجابني يوسف شاهين بصوت خافت وكأنه كان خائفا من الجدران المحيطة بنا أن تسمع سر فريد الأطرش وقال لي: “أنت تعلم حق العلم، بأن فريد الأطرش ارتبط بأجمل نجمات السينما والطرب والرقص، وأنه رجل وسيم وشاب غني وابن ذوات، وليس هناك عائقا واحدا يمنعه من الفوز بالسعادة الزوجية، ولكن السر الكبير في حياته هو عندي وسأبوح لك به راجيا منك عدم نشره حتى ننتقل جميعا إلى رحمة الله. فقد عشق فريد الكثيرات، ولكنه كرجل لا يمكنه الدخول في أية علاقة زواج مكتملة مع امرأة فهو مصاب بالعقم، وقد زار أشهر الأطباء المتخصصين في علاج أصعب مشاكل الإنجاب، ولكن دون جدوى، بل إنه تردد على بيوت السحرة والمشعوذين باحثا عن العلاج دون فائدة، مما جعله يتصرف بنفس الطريقة مع أي امرأة من الفاتنات اللواتي عشقهن حتى الثمالة، حيث كان وبمجرد تطور علاقاته واقترابها من الزواج يفر بجلده تاركا الحسرات لحبيبته، وأنك تعلم حق العلم، كم عشق سامية جمال وشادية وغيرهن، ولكن، كل تلك القصص انتهت بتركه للحبيبة خوفا من افتضاح عقمه بين الخاص والعام”. فقلت له: “ولكنه حاليا خطب سلوى القدسي فقال لي: “قلت لك بأنه لن يتزوج لا من سلوى ولا من غيرها لأنه لن يكون أبًا أبدا؟”.

   وفعلا، فلن ينسى العالم الفني أكبر قصة حب عاشتها سامية جمال وفريد الأطرش والتي كانت من أشهر قصص الحب في الوسط الفني، وكان الكل ينتظر أن تكلل بالزواج، وهو ما كانت تأمله سامية، في الوقت الذي كان يرفضه الأطرش.

   ولكن قبل دخوله في علاقته الشهيرة مع سامية جمال، ارتبط  فريد الأطرش بعلاقة عاطفية استمرت زهاء 10 أعوام بفتاة من عائلة ثرية، وصفها في كل أحاديثه بـ “السمراء بنت الذوات”، موضحا أنها ملأت الفراغ الذي خلفته بنت الجيران التي كان يحبها في المراهقة، وبدأت العلاقة بينهما بعد أن لمع اسمه كفنان.

   وبعد ذلك، تعرف فريد على سمراء تدعى مديحة ابنة أسرة أرستقراطية، قال عنها فريد في حوار صحفي: “لم تكن السمراء بنت الأثرياء ملكة جمال فقط، لكنها كانت تتمتع بجاذبية خاصة وخفة ظل نادرتين مع بديهة سريعة”.

   وعندما لاحظ فريد اهتمامها به، بدأ قلبه يميل إليها، وكثرت لقاءاتهما وزياراته إلى أسرتها، وتقربت مديحة من اسمهان وأصبحتا صديقتين مقربتين، وبالتالي كثرت زياراتها إلى منزل فريد.

   وفي إحدى الأيام، زارته مديحة في منزله وقالت له: “الناس تقول مادام فريد يحبك كل هذا الحب لماذا لا يتزوجك؟”، لكنه لم يعطها إجابة واضحة، فخرجت “مديحة” من بيته غاضبة، وبعدها زارته مجموعة من أصدقائه فحكى لهم ما حدث بينه وبين مديحة، وقالوا له: “حقها وإذا فقدتها لن تعوضها”، ورد عليهم فريد: “أنا لن أفقدها إلا إذا تزوجتها، فالحب وحده أجمل من الزواج، والزواج مقصلة الحب وجلاد الفنان”.

   وذات ليلة، ذهب فريد ومعه حبيبته السمراء مديحة إلى ملهى “الأريزونا”، وكانت ترقص في الملهى راقصة ناشئة وقتها تدعى سامية جمال، وكان يراها في الأستوديو، حيث ترقص في فرق المجموعة في أفلامه.

   وحين رأته سامية هناك سعدت بشدة بهذه المفاجأة، واعتقدت أنه جاء ليشاهد رقصاتها، واقتربت من مائدته حتى أحس رواد المكان أنها ترقص له وحده، وازداد فريد حماسا لها، خاصة وأنها تجيد الرقص بمهارة شديدة، واستغرق في عبارات الثناء والتشجيع.

   وبدأت “مديحة” تشعر بالغيرة الشديدة، وقالت له بغضب: “لابد أن تحترم شعوري، إنك تحطم كبريائي”، ووصفت سامية بكلمات سيئة، سمعها كل من في المكان، وتوقفت سامية وانخرطت في البكاء، وغضب فريد بشدة، وصفع مديحة أمام الناس، وكتب بهذه الصفعة فصلا جديدا في حياة فريد العاطفية، حيث دخل في علاقته الطويلة والشهيرة مع حافية القدمين سامية جمال وأهداها أعذب ألحانه في أفلام قام معها بأدوار الحبيبين كما كانا في الواقع.

   وغرام الراقصة والموسيقار استمر لسنوات طويلة، وربما يكون الحب الحقيقي الوحيد في حياة كل من فريد وسامية التي قررت الانسحاب عندما أحسّت أنه حب بلا أمل، رغم يقينها من جنون فريد الأطرش بها، فقد كانت تحلم بالزواج من حبيبها، وبعد أن يئست من بناء عش الزوجية معه، تزوجت من متعهد الحفلات الأمريكي “شبرد كينج”، الذي كانت قد التقت به في باريس، ولأنه كان مسيحياً، أشهر إسلامه، وغيّر اسمه إلى عبد الله كينج.

   وبعدها، دخل فريد في سلسلة علاقات غرامية كانت أشهرها مع المطربة شادية، وشحرورة الوادي صباح، وكلها انتهت بنفس الطريقة حتى بلغ أرذل العمر وشعر باقتراب نهايته، فدخل في علاقة رائعة وأفلاطونية مع أرملة صديقه الحسناء سلوى القدسي التي خطبها خطبة دائمة حتى انتهى مشوار حياته ليطمس معه سره وسبب حزنه الدائم في القبر الذي احتضنه إلى الأبد، ولم يعلم أحد أن وراء كل تلك الوسامة وذلك الحضور الرجولي الذي خلب ألباب الحسناوات عبر العالم العربي، كان يقبع قلب رجل مكسور ودائم الشجن بسبب حرمانه من مشاعر الأبوة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!