في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | حرب سيدات القصور لم تندلع بعد.. لكن غزوات الفرنسيين في مراكش مستمرة

بقلم: مصطفى العلوي

   كان السلطان – يا سادة يا كبار – قد غضب على شهرزاد، لست أدري، هل لكثرة صمتها أو لكثرة ثرثرتها، وفرط اهتمامها بشؤون مكر النساء وضجيج الأولاد(…) ونادى على أختها دينارزاد.. وكانت عالمة بالداخل والخارج من شؤون البلاد. وسألها السلطان أن تحدثه عن الناس.. ماذا يفعلون وماذا يقولون.. وسألها عن حالة المعيشة وشؤون الفلاحين.

   فأجابته بأن السدود ملئى بالمياه، وأن الأنعام شبعانة والعباد مرتاحة.. والعام زين.. والدنيا بخير.. فقال لها السلطان: باز.

   فقالت له: لا.. بل بزيز يا مولاي، وهو الذي أنشأ سدا عظيما سماه “سد فمك”..

   وشرب من ذلك السد أغلب رعاياك يا مولاي، فأصبحوا صما.. بكما.. ولكن اطمئن يا مولاي فقد أضحى كل فم مسدودا لا يفتح إلا للأكل والشراب، لا أبعد ولا أقرب.

   وعم البلاد، يا مولاي صمت مطبق، وارتحنا من الصداع ومن كثرة القيل والقال.

   ولكن السلطان قاطعها بقوله: أتكذبين علي وأنا لازلت أسمع ضوضاء ذلك الزعيم الثرثار.. الذي يخيل إلي أنه يتغذى بالوقود ويتعشى بالنار..

   وهكذا منذ أزمنة ألف ليلة وليلة، أيام الملك شهريار، والملكة شهرزاد، الخبيرة في السكوت عن الكلام المباح، حتى عندما يدركها الصباح، لم يخل قصر مهما بلغ حصاره من حرب النساء، فلا جف قلم من تاريخ المناورات والمؤامرات التي تكون من حبك النساء، أو من أجل النساء.

   ورغم أن علوم الفايسبوك، وتسجيلات الواطساب،، شغلت الرجال عن النساء، كما شغلت النساء عن الرجال(…) إلا أنه من المؤكد، أن الانشغال بالوسائل الإلكترونية، يكون مصدره البحث عن أحدث الوسائل، لنصب المصائد، وإتقان المناورات والمؤامرات.

   وإن كنا في المغرب، لا يمكن أن نفلت من الكمشة التاريخية، مثلما لا يمكن لأحد مهما كانت مكانته أن يفلت من ظروف النساء، فإن واحدا من أجداد المغاربة العظام، باني مراكش يوسف بن تاشفين، اعترف بدور زوجته زينب النفزاوية القادمة من تونس، والتي كانت تسمى الساحرة بجمالها، وقال للمؤرخين: إنما فتح الله البلاد برأيها.

   وإن كان الموضوع النسوي، ليس محصورا ولا محاصرا داخل أسوار القصور، فإن ما يجري على مستوى الأمراء والسلاطين هو الذي يجر فضول الأسواق والمجالس.

   ولم يبق تعبير القصور، وسيدات القصور حصرا على ما جرى قديما فيما محيطات السلاطين والملوك، بعد أن سمحت التغييرات الزمنية، بأن يسكن المحظيون من المقربين والوزراء والمستشارين، في ظروف أحسن من ظروف القصور، وأصبحت زوجات الناس الكبار تتمتعن بنعيم أحسن من متعة القصور، فإن التاريخ المغربي، بقي محافظا على نماذج لا تضاهى، في الصراعات التي خاضتها سيدات شهيرات، في حروب كانت بالأساس في حق الملكات، مرتبطة بحرص بعضهن على تتويج ولد كل واحدة، لخلافة أزواجهن على العرش، في زمن لم يكن فيه دستور، وإنما كانت تكون الكلمة الأخيرة للمفضلات عند السلطان، خصوصا إذا كن من الدارسات للعلم، أو الحافظات لكتاب المختصر للشيخ خليل، أو مدونة الفقه، وكان ذلك من اختصاص السيدات القادمات من الأندلس، كحال زوجات السلاطين أيام المنصور الذهبي: للا عائشة اليابورية، وللا حقية، قبل أن يظهر نموذج من نساء أخريات، يعتمدن على قوتهن الجسدية، مثل الملكة زيدانة التي كانت إحدى زوجات السلطان مولاي إسماعيل الذي كان يقتعد المنصات، ليتفرج على زوجته زيدانة وهي تقطع رؤوس المحكوم عليهم بيديها، تنفيذا لغضب السلطان.

   ولم يسمع مولاي إسماعيل، أنه بعد موته برعت زوجته الصحراوية خناتة بن بكار من داخل سجنها، في إرجاع العرش لولدها، باتفاق مع أقطاب الجيش(…) وبعد أن تمت الإطاحة بخلف مولاي إسماعيل، ولده وولدها مولاي أحمد الذهبي، الذي خلع سنة 1728، وتم تنصيب ولد آخر لمولاي إسماعيل، واسمه مولاي عبد المالك، الذي لم يستطع أي مؤرخ أن يثبت أن أرملة السلطان مولاي إسماعيل خناتة، هي التي دبرت اغتيال مولاي عبد المالك، ليعود ولدها أحمد الذهبي سلطانا على المغرب، فالملكة لا تضمن العرش لولدها، إلا بممارسة السياسة واستعمال قوة الجيش.

   ويحفل التاريخ بنماذج لمعاناة زوجات السلاطين، مباشرة بعد موت السلطان، دون مراعاة، لأنه عندما يموت السلطان عادة، يموت معه كل تعامل مع أقربائه وقريباته، وبالتالي يموت معه كل شيء(…) تصوروا السلطان مولاي يوسف، كما حكى الكاتب بركاش، عن أحد شهود العيان، محمد أمين بلكناوي الذي مات منذ شهور، وهو يرى في باب ضريح سيدي بنعاشر بسلا، كيف أن السلطان مولاي يوسف، انحنى لتركب أمه على ظهره، ويدخلها على كتفيه لمسجد الضريح، كان يكرمها لأنه يعرف أنها لا تساوي شيئا بدونه.

   فهل تحدث أحد عن موت هذه السيدة التي ولدت السلطان مولاي يوسف، أب محمد الخامس، ولكن كتبا كثيرة كتبت كيف كانت المفاوضات حامية بين أطراف المصالح السياسية للدولة الفرنسية، لإبعاد سيدي محمد الخامس، ولد السلطان، لفائدة مرشحين آخرين، من إخوة سيدي محمد، لولا تدخل القدر الفجائي(…) الذي سخر للمغاربة، أن يكون محمد الخامس هو سلطانهم.

   سلطانهم الذي جعلهم يسترجعون الاستقلال. الاستقلال، الذي انتقل بهم إلى الديمقراطية أو إلى، بكل نزاهة، إلى مرحلة تشبه الديمقراطية، التي مهدت لجيل من المستفيدين لكي يصبحوا سلاطين، بدون لقب، في زمن كانت فيه مراكش المبهورة بضخامة ثروة الكلاوي وقد بدأت تتحدث عن العائلة البورجوازية، عائلة العباس التعارجي، الذي كان ولده البشير، أول مغربي يخرج لشارع كيليز متأبطا ذراع زوجته العصرية، فينظم المراكشيون مظاهرة، اضطر معها الباشا الكلاوي، إلى فرض قانون يمنع المغربيات من الخروج بلا حجاب.

   ودارت الأيام، لتتكاثر نماذج الملوك والسلاطين عندنا وفي العالم، ودور الكثير من النساء في إسقاط الكثير من الأنظمة، ليبقى شاه إيران رضى بهلوي، نموذجا فاضحا للفساد الذي أفقده عرشه، ونقل الصحفي الأمريكي الذي عاشر الشاه، “وليام شوكروس”، كيف كان الشاه ((يصر على ممارسة الفساد، في قصوره وحتى في الطائرات التي يسافر فيها))، بل إن رئيس وزراء إيطاليا، “جوليو أندريوني”، يذكر أن الشاه ((عندما وصل للحضور في مهرجان أفلام البندقية فونيز، أصاب عمدة المدينة بصدمة صاعقة عندما طلب منه طلبا غير محتشم(…) فقال له رئيس الحكومة: إن هذا طلب تنقصه الكياسة الدبلوماسية أو السلوك النبيل الشريف، فكلما كانت صالة الاستقبال في الأوطيل ملأى  بحراس الشاه المخابراتيين، بمعنى ذلك أن الشاه في الفراش في جناحه بالطابق العلوي)) (شوكروس. كتاب: الرحلة الأخيرة).

   نموذج لما كتبه التاريخ عن الشاه الذي كان يسمى ملك الملوك، وحذار مما يكتبه التاريخ عن الكبار.

   وفي المغرب، حيث عرفت هذه البلاد التي يقال أن الأولياء والصالحين يحرسونها، تفشت في أيام الملك الحسن الثاني خصوصا، ظاهرة أجنبية حولت مدينة مراكش إلى جنة للفرنسيين الأثرياء، الذين يمارسون فيها ما لا يستطيعون ممارسته في فرنسا(…) من تصرفات حرام في فرنسا، حلال في المغرب، وإن كانت تلك الممارسات، تغلف سياسيا في ادعاء الدعم الفرنسي، للنظام المغربي، مقابل إغضاء العيون المغربية، عما يجري في قصر الزاهية مثلا، وهو قصر بني في عهد الملك الحسن الأول، واشتراه الثري الأمريكي “بول كيتي” أو قصر “رياض المدني”، الذي كان يسكن فيه الحاج التهامي الكلاوي، فاشتراه الثري اليهودي المشهور “برنار هنري ليفي”، لتقام فيه الليالي الحمراء، وتعقد الصفقات الكبرى، أيام كان المرشح الفرنسي للرئاسة “ستراوس كان”، وزوجته السابقة نجمة التلفزيون الفرنسي “آن سانكلير”، “ستراوس كان” الذي مارس في مراكش، ما حاول ممارسته في نيويورك فتم اعتقاله ومتابعته هناك، ليس في المغرب طبعا، لأنه تعود على أن لا متابعة في المغرب، مهما كانت ضخامة المخالفة.

   حتى الزوجة السابقة للمسؤول الاشتراكي الفرنسي، هولند، الرئيس الحالي، “سيكولين روايال” تركت زوجها هولند لأصدقائه الجزائريين المؤثرين عليه، عبر مستشاره الجزائري، فوزي الميداوي، وجاءت هي لورزازات، رفقة صديقها “أندري هاجيز”.

   جريدة “لوموند” في نهاية أبريل 2006 نقلت إلى الرأي العام الفرنسي، نماذج عن التصرفات الفرنسية في مراكش، حين توسعت، في نفس الوقت، مع جريدة “الكانار أنشيني” في وصف إقامة وزير الخارجية الفرنسي، في عهد الرئيس شيراك، وقد حضر مدعوا(…) إلى فندق المامونية رفقة إحدى صديقاته، تخاصم معها في منتصف الليل(…) وتضاربا، وكسرا أطراف الصالون المجاور لغرفة نومهما، الشيء الذي كلف الفندق إصلاحا بقيمة ثلاثين ألف يورو، حوالي خمسة وثلاثين مليونا، قالت الصحيفة أن القصر الملكي تولى دفعها.

   وها هي الدنيا بالمقلوب(…).

   قديما كان المغاربة المرفحون، يبعثون أولادهم للدراسة في فرنسا وتعلم أسس الحضارة، فيم أصبح الفرنسيون الأثرياء، يأتون لمراكش لممارسة الحرية الفردية(…) وتعلم الأشياء الأخرى(…).

   بينما المراكشيون المعروفون بدهائهم، وسرعة تعليقاتهم يعرفون كل شيء(…) وفي الكثير من الحالات، يصنعون من الحبة قبة، لكنهم لا ينتقدون التصرفات الفرنسية، بقدر ما ينتقدون الدولة التي تكتفي بالفرجة فقط، الفرنسيون يتفرجون في ساحة جامع الفنا، والمغاربة يكتفون بالفرجة خلف النوافذ والأبواب، لتختلط المقاييس وتضيع الأعراف، وتصبح السيدات المغربيات، وزيرات في الحكومات الفرنسية، آخرهن ابنة المستشار أزولاي، الصويرية التي أصبحت وزيرة الثقافة الفرنسية، وربما نحن متجهون نحو مستقبل، لا يعرف حدا لأي شيء.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!