إلى رئيس الحكومة.. في أمس الحاجة إلى الشعراء والفلاسفة

بقلم: سعيد ملوكي

   حين يعلن رئيس الحكومة الحالية في المغرب، أن الشعر والفلسفة لا يخلقان الثروة، فماذا يمكن أن نستشف من هذا الكلام؟ هل يجب حذفهما من المقررات المدرسية؟ هل يجب أن يكف الشعراء عن نظم الشعر، وأن يكف الفلاسفة عن خوض الأسئلة التي تهم تطور المجتمع، والتي على إثرها قامت حضارات؟

   إذا كان الأمر كذالك، فإن ما ينسحب على الشعر والفلسفة، سينسحب أيضا على الغناء والتشكيل والمسرح، وكافة أجناس الفن والفكر والأدب..

   إن تصريح رئيس الحكومة هذا، يزكيه ما ذهب إليه وزيره في التعليم العالي حيث قال: “ما عندنا ما نديرو بكليات الأدب”. فإذا كانت هذه الكليات لا تصلح لشىء، فلماذا لا تحذف، حفاظا على ميزانية الدولة؟

   إنه لأمر غريب، أن يصدر مثل هذا الكلام عن رئيس حكومة ووزيره، فلو تجرأ مسؤول في الدول المتقدمة على قوله لقامت الدنيا حوله ولم تقعد، ولكن، ومع الأسف الشديد، قوبلت هذه التصريحات بعدم الاكتراث واللامبالاة وكأن هذا البلد لا يوجد فيه مثقفون ولا جمعيات ثقافية ولا من لهم غيرة عن الثقافة.

   إننا مع الأسف، لم نحدد بعد، ما هي ثروة البلاد الحقيقية، وما زلنا لا ندرك أن العالم قد تطور من حولنا ومعه تطورت عدة أشياء، وأصبح الرأسمال البشري يشكل الثروة الحقيقية لأي بلد، وأصبح الإنسان هو المحور لأي تقدم متوخى، وبذلك تنصب كل الجهود لبناء هذا الإنسان. ليس الإنسان الآلي الذي يعتمد على تقنية “نقل ولصق”، ولكن على الإنسان الذي يفكر ويبتكر، والذي يؤمن بإنسانيته وإنسانية الآخرين. وللوصول إلى هذا المبتغى يجب تغذيته بكل ما يعود عليه بالنفع.

   فبماذا يمكن للشعر أن يفيده؟ وما دور الشعر في المجتمع؟

   في الوقت الذي يحصر السياسي العلاقات الإنسانية في صناديق الاقتراع، وفي خدمة سياسته، يسعى الشاعر إلى خلق عالم يسود فيه الحب والسلام والجمال، عالم تتعايش فيه الإنسانية جمعاء، فهو يزرع القيم النبيلة التي تعطي للوجود معنى، وكم تعوز الإنسان قيم مماثلة في هذا الوقت الذي تسود فيه الفوضى؟

   إن الشاعر كما يفيد ميخائيل نعيمة: “الشاعر رسول، فيلسوف، رسام، موسيقي ورجل دين. رسول لأن له نظرا ثاقبا، يرى به ما لا يراه الآخرون، رسام لأنه يستطيع ترجمة كل ما يراه و يسمعه بالكلمات، موسيقي لأنه يسمع أصواتا منسجمة حيث لا يسمع الآخرون إلا تمتمات، رجل دين لأنه في خدمة إله الحقيقة والجمال”، والشعر رافق الإنسان من أول نشأته إلى يومنا هذا.

   أما الفلسفة، فهي نشاط إنساني منذ العصور القديمة، يتعلق بممارسة نظرية أو علمية عرفت بشكل أو بآخر في مختلف المجتمعات والثقافات البشرية، والحضارة الحديثة التي نستضيء بها من بعيد نحن العرب، هي نتيجة الفكر الفلسفي الذي ساد في عصر الأنوار والذي ساهم فيه منتسكيو، روسو، فولتير، ديكارت وغيرهم… وقبلهم ساهم الفلاسفة العرب في بناء الحضارة العربية الإسلامية، فحرروا العقل من الخرافات وفتحوا أبواب الإبداع.

   وللتذكير، لعل الذكرى تنفع المؤمنين، فإن الحضارة العربية اضمحلت يوم وقع الانقلاب على العقل في المشرق أيام الخليفة العباسي المتوكل، وفي المغرب أيام الخليفة الموحدي أبو يوسف يعقوب، حين أحرقت كتب الفيلسوف العربي ابن رشد، أدار العرب ظهرهم للعقل فأصيبوا بنكسات أبرزها حاليا المآسي التي تعيشها الشعوب العربية من تقتيل وتهجير.

   إن تغييب العقل، هو تكريس للتخلف والفكر الخرافي الذي لازال منتشرا على نطاق واسع في المجتمع والذي تساهم فيه العقول المتحجرة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!