في الأكشاك هذا الأسبوع

عندما قال الجنرال العنيكري بأن الجيش مستعد للتدخل إذا وصل الإسلاميون للسلطة

كيف تسبب الصعود الأمني للهمة في إسقاط الجنرال العنيكري

إعداد: سعيد الريحاني

    في بداية شهر شتنبر 2011، وبتواريخ مختلفة، خرجت إلى حيز الوجود عدة قصاصات إخبارية، تقول، بأن مروحية عسكرية انتقلت على وجه السرعة إلى الطريق السيار قرب مدينة سطات، لنقل الجنرال حميدو العنيكري، القائد العام للقوات المساعدة إلى المستشفى العسكري بالرباط بعد إصابته بجروح خطيرة في حادث سير إثر اصطدام سيارته بسيارة نقل بضائع “كونغو” على الطريق السيار بين برشيد وسطات. وقالت مصادر موثوقة (وقتها)، إن الجنرال العنيكري نقل إلى مستشفى الحسن الثاني بمدينة سطات، حيث تلقى الإسعافات الأولية، مضيفة أنه أصيب بكسر خطير في الأنف وجروح في الرأس، ما استدعى نقله على وجه السرعة إلى المستشفى العسكري بالرباط (المصدر: جريدة الصباح 11 شتنبر2011).

   وقد كانت هذه الحادثة، التي لم تتسرب صورها للصحافة(..)، بمثابة بداية نهاية الرجل القوي في عهد الحسن الثاني، وبداية عهد الملك محمد السادس، يكفي أن نعرف بأن العنيكري، جمع في بداية حكم الملك محمد السادس، بين الأمن الوطني والاستخبارات المدنية(..)، بعد أن أطاحت تفجيرات 16 ماي 2003 في الدار البيضاء، بالمدير العام للأمن الوطني السابق حفيظ بنهاشم، هذا الأخير ابتعد عن ملف السلفيين فيما يتعلق بالأمن الوطني، وعاد ليلتقي بهم داخل السجون باعتباره مندوبا(..).

   لم تكن حادثة السير التي تعرض لها العنيكري، سوى عنوانا لتراجع صحي، مهد له تراجع مهني بعد أن وجهت إليه عدة انتقادات، فبدأ مسلسل السقوط، بإقالته من الإدارة العامة للأمن الوطني، ليحل محله الشرقي اضريس في منصب المدير العام للأمن الوطني، قبل أن يصبح وزيرا منتدبا في الداخلية، وقد شرحت الصحف وقتها بعض خلفيات إقالة العنيكري وتعيين الضريس، بقولها بأن الملك محمد السادس “أعاد الإدارة العامة للأمن الوطني بمختلف مصالحها، إلى وزارة الداخلية..”، “وبتعيين الشرقي اضريس، يكون الملك محمد السادس قد أبعد الإدارة العامة، للأمن الوطني عن صراع المؤسسات الأخرى العسكرية والمدنية وأعادها لحالتها الطبيعية كإدارة تابعة لوزارة الداخلية..”.

   إلى هنا يطرح سؤال: لماذا بدأ مسلسل تراجع العنيكري، الذي يوجد اليوم على فراش المرض، وقد تنكر له المتهافتون(..)، وبعض المقربين(..)؟ الجواب حسب ما نشر إعلاميا، والأقرب إلى التصديق، هو أن “القضية التي عجلت برحيل الجنرال حميدو العنيكري بعد أن قضى ثلاث سنوات فقط في هذا المنصب، هي اكتشاف جماعة أنصار المهدي، التي كانت حسب تقارير الأمن، تعد لمخطط إرهابي خطير، وقد أكدت المصادر ذاتها، أن عناصر الاستعلامات العامة التي تتبع مباشرة للمدير العام للأمن الوطني، لم تنجز أي تقرير بخصوص هذه القضية رغم اشتغال باقي الأجهزة الأخرى على الملف لأكثر من سنة.. وفي الوقت نفسه، لم تنف مصادر أخرى، أن يكون لإعفاء الجنرال علاقة بملف الشريف بين الويدان المعتقل على ذمة ملف المخدرات بالشمال، واعتبرت المصادر ذاتها، أن إعفاء مدير أمن القصور والإقامات الملكية من مهامه كان إيذانا بإعفاء العنيكري الذي يعتبر المسؤول الأول عنه، وهو الذي اقترحه لهذا المنصب، إضافة إلى ادعاءات الشريف قبل اعتقاله بأنه محمي من طرف مسؤول كبير بالإدارة العامة للأمن الوطني..” (المصدر: النهار المغربية: 15/9/2006).

   إلى حدود 2006، كان لملفات تجارة المخدرات حضور كبير في الساحة، وكانت الضجة تكبر أكثر، كلما ذكر اسم مسؤول ما في الملف(..)، ولكن أكثر ما يثير الانتباه، هو أن إبعاد الإدارة العامة للأمن الوطني عن العنيكري ذو التكوين العسكري، وإعادتها إلى حضن وزارة الداخلية، كان بالتزامن مع ارتفاع أسهم الوزير المنتذب في الداخلية وقتها فؤاد عالي الهمة، ليطرح السؤال عما إذا كان لصعود الهمة علاقة بتراجع العنيكري..

   وكان الهمة، وفي أوج قوته بوزارة الداخلية كوزير منتدب قد أعلن استقالته من منصبه سنة 2007، ليصدر ذلك البلاغ الشهير عن الديوان الملكي، وليس الحكومة، وقد تضمن الموافقة الملكية على إعفاء الهمة، والذي جاء فيه: “بهذا القرار الملكي السامي، فقد أبى جلالة الملك، إلا أن يحيط بسابغ رضاه، ويشمل بكريم استجابته المولوية رغبة السيد الوزير المنتدب في الداخلية في الترشح للانتخابات النيابية المقبلة، وذلك مع كافة المواطنين المغاربة ومن دون تمييز أو استثناء بين المرشحين لاقتراع السابع من شتنبر، وفي نطاق الاحترام التام للمقتضيات القانونية والتنظيمية الجاري بها العمل” (مقتطف من بلاغ الديوان الملكي).

   هكذا انتقل الهمة من مركز قوة في الداخلية، إلى اكتساب قوة أخرى(..)، علما أن بعض الصحف كانت قد بدأت بالتلميح إلى التطاحن بين الهمة والعنيكري.. وكان الاعتقاد السائد سنة 2005 أن كلا الرجلين يتنافسان على منصب “وزارة الأمن القومي”.

   لذلك، فقد فتح تشخيص الحالة الأمنية للبلاد شهية مسؤولين أمنيين للظفر بشرف تقلد منصب أول وزير للأمن في المغرب.. “الأول هو الجنرال العنيكري، والثاني لن يكون إلا فؤاد عالي الهمة الوزير المنتذب في الداخلية”، وبالفعل فإن من علامات هذا السباق المحموم بين الرجلين، أن كل واحد منهما، يشتغل مؤخرا (هذا التقرير كتب في أكتوبر 2005) في خانة مستقلة عن الثاني، فحميدو العنيكري منهمك في إعداد دراسة شاملة حول وزارة الأمن القومي ولا يخفي طموحه للظفر بالمنصب.. أما الهمة، فإنه منشغل، في الاجتماعات التي بدأت تعقد في منزله بحي السويسي في الرباط مع خبراء “الديستي”، بإعداد العدة لتجنب كل مفاجأة قد يحملها إليه الجنرال الذي يعرف إمكاناته وخبرته وقدرته على إحداث الفارق بينهما..” (المصدر: جريدة البيضاوي عدد 31 أكتوبر 2005).

   في سنة 2005، تلقى العنيكري ضربة مهنية أخرى، بعدما تم تعيين عبد اللطيف الحموشي مديرا للمخابرات المدنية، بعد إقالة أحمد حراري من هذا المنصب، ليقول المعلقون: “إن إقالة الحراري المحسوب على العنيكري، جاءت ضمن تقليص دور الجنرال العنيكري في الجهاز الأمني للبلاد، بعد اكتشاف فضيحة عبد العزيز إيزو، المدير الأمني للقصور الملكية، إذ لم يستوعب الملك كيف أن العنيكري لم يكن يتوفر على ملف هذا العميد الإقليمي للأمن”.

   هي إذن تقارير حاسمة، كانت ترفع للملك.. وكان من نتائجها صعود الهمة والحموشي والضريس.. وتراجع العنيكري، هذا الأخير محسوب عليه تقاربه مع الأمريكيين(..)، بل إن جدلا كبيرا أثير في عهد العنيكري، بعد أن أشارت الصحافة الدولية إلى استعانة الأجهزة الأمريكية في إطار محاربة الإرهاب بالأجهزة السرية “الصديقة”، ومن بينها المخابرات المغربية، لممارسة التعذيب ضد المعتقلين، الذين لم يكن بالإمكان تعذيبهم فوق الأراضي الأمريكية (تقرير الواشنطن بوست 24 ماي 2003).

   بمقابل تقارب العنيكري مع الأمريكيين، يمكن القول، إن الهمة اشتهر أكثر بعلاقاتات أكثر ثقة مع الفرنسيين، وقد ظهر ذلك جليا في عهد الرئيس السابق ساركوزي، هذا الأخير، والمرشح اليوم فوق العادة للعودة إلى الرئاسة، له عدة صور مع الهمة تداولتها الصحافة، بل الصحافة كتبت في وقت من الأوقات.. “رفاق الهمة مع ساركوزي”.

   إلى حدود اليوم، لازال ملف إحالة الجنرال العنيكري على التقاعد غامضا(..)، وإن كانت ظروفه الصحية كفيلة بتوضيح نسبة كبيرة من خلفيات هذه النهاية المهنية، ولاشك أنه اليوم يراقب بكثير من التأمل تجربة صعود الإسلاميين إلى الحكم، وهو الذي نسب إليه، في مجلة “نوفيل أوبسرفاتور” الفرنسية قوله، بأن الجيش مستعد للتدخل إذا وصل الإسلاميون للسلطة عن طريق الانتخابات..

   ويا لها من تطورات، فهذا إلياس العماري، يعلق على الجنرال، بعد أفول نجمه: “إذا كان ما تسرب صحيحا عن أن الرواية التي نشرتها الصحافية “سارة دانيال” (تدخل الجيش ضد الإسلاميين)، هي رواية العنيكري، وإذا ما تأكد أن الصحافية كتبتها على لسانه، فهذا يدل على أن الشخص، لا علم له ولا اطلاع له بتاريخ المغرب، أو لعل تكوينه في فرنسا واشتغاله في الإمارات العربية، ووجوده في التشاد في مرحلة معينة، قد أثر على بنية تفكيره..” (المصدر: موقع فبراير 8 يوليوز 2013).

طيب، هذا لا يعني أن الجيش ليس عمودا أساسيا في بنية النظام المخزني، وإلا لماذا الحرص على أن يكون الضباط أول المبايعين للملك بعيد جلوسه على العرش، ولماذا تبرز ملامح الكثير من الضباط في المشهد الأمني والعسكري؟ هكذا تساءلت الصحافة التي فتحت الباب أما إلياس للتعليق على العنيكري، ليجيب هذا الأخير، وقد تأكد بأن الزمن دار دورته: “في المغرب أنهى الحسن الثاني الدور السياسي للمؤسسة العسكرية سنة 1972 بعد المحاولة  الانقلابية الثانية، وتولى بصفته كملك للمغرب، القيادة العامة للقوات المسلحة، ليس نظريا، ولكن فعليا، واستطاع بمعية فاعلين سياسيين آخرين من المعارضة ومن الموالين للنظام، تحييد الجيش تدريجيا من الحياة العامة، وجعل مهامه تقتصر على الدفاع عن القسم الذي يؤدونه إبان حفل التخرج” (نفس المصدر).    

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!