التفاصيل المرعبة لحرب دولية حول سبتة ومليلية

تهديد نووي وتجسس على كامل تراب المغرب، وعزل لبحريته

 إعداد: عبد الحميد العوني

   في الحرب الباردة التي يعيشها شمال المغرب بين الاتحاد الأوروبي والاتحاد الروسي، كما وصفت (روغارسور لافريك) التطورات الأخيرة في سبتة ومليلية، أكدت لندن أن روسيا حاولت التجسس من غواصاتها في سبتة، ولم تتمكن من اختراق قاعدتها في جبل طارق، وطارت (روزاس) الأمريكية، وهي طائرات قتالية من دون طيار 300 مرة فوق المدينتين، ونشطت تحركاتها البحرية من مدينة (سيفيي) الإسبانية بمعدلات مرتفعة، في أكبر عملية للقوات الأمريكية البحرية والجوية لاختراق كامل أنظمة الجوار، والتعاطي مع التهديد النووي المحتمل والقادم من تحت البحار، عبر الغواصات في عزل كامل لبحرية المغرب وتجسس على كامل أراضيه، وهذا (التحييد غير المسبوق) لشمال المملكة يدفن عودة الثغرين المحتلين إلى المغاربة في سياق “الأهمية الدولية الجديدة” لسبتة ومليلية فيما يدعوه موقع “سبوتنيك” الروسي تغيير قواعد اللعبة تحت البحار، تقوده موسكو في المتوسط وبكين في البحر الصيني.

 في “الخارطة الجديدة تحت البحار” يعزل التنافس الإسباني ـ الإنجليزي حول صخرة جبل طارق، كلا من البحرية المغربية ودور الرباط في غرب المتوسط على الأقل في المستقبل المنظور لأن شمال المملكة انتهى إلى صراع دولي متقدم “جيوبحري”

   تتحرك الولايات المتحدة في إسبانيا بحريا من مدينة “سيفي” ومن قاعدة الطائرات من دون طيار منذ كشف عنها النائب الإسباني (رامون دياز) في مارس 2011، ومنذ ذاك التاريخ، بدأت اللعبة الدولية تذهب بعيدا في محاولة جر مدريد للقوتين الروسية والأمريكية إلى مدينة سبتة لعزل القوة البريطانية في جبل طارق، حيث وقفت 50 قطعة بحرية روسية في سبتة، وزادت واشنطن تعداد قواتها البحرية والجوية في إسبانيا ب 4 أضعاف، وهو ما دفع الصحافة إلى وصف ما يجري بـ (الحرب الباردة)(1)، وعبر 11 برلمانيا أوروبيا ضمنهم كاتالاني وآخر وطني فلاماني وآخرين من البلقان، عن خشيتهم من السيطرة على غرب المتوسط، وتخوف مركز (هيرتيج فوديشن)(2)، من تجسس موسكو على القاعدة البريطانية في جبل طارق في إطار ما دعاه الموقع الروسي (سبوتنيك)(3) تغيير قواعد اللعبة تحت البحار التي تمارسها موسكو في البحر المتوسط وبكين في البحر الصيني، وفي سبتة، رست 7900 طن من المتفجرات الموجهة في جسم بحري واحد عالج خلله في 9 ساعات، وهو ما كاد أن ينهي نصف المغرب، وعلى إثر ما حصل، انتفضت الطبقة السياسية البريطانية كما تقول (الأندبندنت)، واعتبرته تغريدة لنائب بريطاني (أندرو روزنتال) في غشت الماضي، وقبل التطورات الأخيرة، جرحا لشعب جبل طارق(4).

   وتنتمي (فرشافيانكا)، إلى قسم “كيلو” في المشروع الروسي الأكثر تقدما تحت الرقم “366”، ويدرك الروس أن رسو هذه الغواصة رسالة إلى الأمريكيين الذين يريدون تدمير هذه الغواصات كما قال “فيكتور بورسوك” لراديو موسكو، وأيضا إلى البريطانيين للقول بأن (احتكار جبل طارق) غير ممكن، واستضافة مدريد لأكبر قوتين في العالم (موسكو وواشنطن) لتحييد قوة بريطانيا يخدم في الجانب العام “تغيير قواعد اللعبة تحت البحار”، ويعزل تماما هذا التطور ما (تحت المياه) في الشاطئ الأطلسي المغربي عن المملكة. وجربت روسيا ألف ومائة تقنية جديدة في سبتة ضمن 4 آلاف تقنية دخلت الجيش الروسي العام الماضي. ويعيش المغرب أجواء صعبة بفعل تحالفاته ورسم خارطته (ما تحت البحار):

   أولا، لأن المغرب يفقد السيادة تحت مياهه، وإن عزز علاقاته بموسكو، فقد منعته من المشاركة في تغيير قواعد اللعبة تحت البحار، ومن خلال التقييمات التقنية التي حدثت في مناورات طانطان مع الأمريكيين، وما قام به الروس في سبتة، يكون المغرب من دون الصحراء، قد دخل في قفص جيوسياسي غير آمن، وتحاصر هذه الخارطة الروسية الأمريكية -سبتة طانطان- المملكة، وإن كسرتها الرباط بتغيير قواعد اللعبة في الصحراء، مكرسة في الحد الأدنى السيادة الإسبانية على المدينتين (سبتة ومليلية)، وشمال إفريقيا بإجماع دولي يمنع ربط سبتة ومليلية بالمملكة المغربية أوروبيا وروسيا وأمريكيا، وانتقال المغرب إلى عمقه الإفريقي بالتوغل جنوبا يزيد من كشف الحدود المائية المغربية.

   ثانيا، إفراغ أي اتفاق عسكري روسي ـ مغربي من أي مضمون، فمنذ رسو الغواصة (نوفو روسيسك) في سبتة حدثت صدمة، لن يكون ما بعدها كالزمن الذي قبلها، حسب المختصين.

   ثالثا، تزيد لندن ضغطها في الصحراء ليتحرك المغرب للوقوف ضد إسبانيا في سبتة ومليلية، ويعود التوازن إلى الخارطة السابقة.

   وجاءت مرحلة ما بعد “أثنار” لتتأكد خسارة المغرب لشماله، وعاد ممكنا الحديث عن سيادة متعدية، حيث تمنح إسبانيا لقوى دولية دون اعتبار لتحفظات المغرب حرية العمل العسكري، بما فيه النووي، في سبتة ومليلية، بل وصل الحال إلى دخول سبتة ومليلية ضمن الخرائط الما فوق تقليدية (النووية) لمشاريع المملكة الإيبيرية وشركاءها، في الوقت الذي يعتبر فيه الأمين العام للأمم المتحدة المغرب بالمحتل لصحرائه، دون اعتبار سبتة ومليلية محتلتين. إنها شرعية (الحدود الموروثة) التي تجعل المغرب نهائيا من دون المنطقة العازلة في الصحراء أيضا.

   والمؤكد قانونا، أن المساعدة اللوجستيكية للغواصات النووية، حولت قانونيا سبتة إلى منطقة نووية، وبإجراءات قانونية معتمدة وغير مطعون فيها من طرف المملكة. وامتلاك إسبانيا لهذا الوضع القانوني غير المطعون فيه، يفيد تأثيرها في ملف الصحراء من هامش المناورة الذي تتحرك فيه القضية في الاجتماعات الدورية  مجلس الأمن.

   ويمكن القول أن مدريد، حسمت السيادة البحرية على سبتة ومليلية، وتعمل على تغيير قواعد اللعبة في جبل طارق، في ظل عجز أمريكي كشف عنه الأميرال (هاري هاريس) لمجلة (فورين بوليسي)، حيث أكد أن الولايات المتحدة، لا تستطيع أن تواجه تحديات ما تحت البحار، تتقدمها روسيا في المتوسط، وبكين في بحر الصين، ويتمثل تحدي الإسبان حاليا، في الوصول إلى تكنولوجيا تنهي حاملة الطائرات البريطانية، وقد انتهت عمليا بفعل التعاون الروسي ـ الإسباني عبر تقنية (أـ 2 / أـ دي)(5).

   ودخلت سبتة في هذه الاستراتيجية الهادفة بالأساس إلى الحد من قدرة العدو في التحرك الحر داخل حقل القتال، ويضم، في 3 حركات للأبعاد، نظاما مندمج العمل بالصواريخ المسطحة ضد أهداف جوية، والصواريخ المتقاطعة المضادة للسفن، والمضادة للغواصات، لإبعاد العدو من النطاقات الاستراتيجية (600 ميل بحري)، أي أننا أمام عزل كامل للبحرية المغربية، وباقي الجيوش من سبتة إلى لاس بالماس، حيث أنه لم يبق في هذه الخطاطة للمغرب سوى كيلومترات داخل الصحراء.

   وتعمل مدريد على بناء قدراتها في أجواء صمت مفروض على المغرب لما تمر به الصحراء، وأيضا لعدم نضج استراتيجيته بالشكل المطلوب، ومن غير الممكن، بعد نقل تقنية (أ ـ 2 / أ ـ دي) إلى لاس بالماس، وانطلاقتها من سبتة، الحد من الخسائر البشرية في الجانب المغربي، فالخسارة بنيوية وبشرية في آن واحد، وحسب موسكو، لم تتمكن الولايات المتحدة من العمل في سبتة أو إلى جانب الإسبان في هذا الظرف الحساس، بل قررت الولايات المتحدة الرد على الخطوة المذكورة بطمأنة أصدقائها البريطانيين من خلال قولهم أن الروس في سبتة فشلوا في اختراق قاعدتهم بجبل طارق، وهو ما قاله (جون ويل) في الدايلي تليغراف، وفي المقابل، تمكنت موسكو من كل أسرار إسبانيا والمغرب.

   يقول تقرير من قاعدة (كليد)(6) التي تابعت تحركات البحرية الروسية في سبتة (هناك اختراق كامل للبحريات الموازية واطمئنان تقني بخصوص البحرية البريطانية والأمريكية مع مناورة للتدمير). ولا يخفي نائب قائد البحرية الروسي “ألكساندر فيدوتيكوف”(7)، أن للولايات المتحدة خطة لتدمير المدمرات النووية من الجيل الجديد المسمى (كالينا)، وجربت موسكو أحسن قطعها، فتعرضت للاختراق، وحاولت اختراق الخصوم والبحريات الموازية انطلاقا من 72 ساعة في سبتة.

   وبشأن هذه التطورات، علق “سيث كروبسي” مدير مركز القوات البحرية على صفحات “وول ستريت جورنال” بالقول، إن الولايات المتحدة عاجزة عن المباغتة أو تقديم “توازن لما يجري” (عبر بحريات صديقة)، وهو ما يؤكد عجز التعاون البحري بين أمريكا والمغرب في سد الفجوة، دون نسيان التحفظات الشديدة من واشنطن على مثل هذا التعاون، وتراجعت علاقات واشنطن والرباط منذ اختلافهما بخصوص قضية الصحراء، حيث قدمت الولايات المتحدة توصية لتوسيع مهام المينورسو انتهت بتقليصها من طرف المملكة، وكان رد الرباط من خلال التهديد بإلغاء مناورات طانطان إشارة تحذير نقلت جراءه واشنطن كل حقل عملياتها إلى السنغال.

   يقول تقرير لـ “هدسون إنستيتيوت”، إن لدى الولايات المتحدة 272 قطعة بحرية حالية، وهي أقل مرتين من 30 سنة، وانتقلت الآن إلى 308 مشروعا محققا، ويجب على واشنطن أن تصل إلى 350 قطعة حرب في البحرية الأمريكية، لخلق امتيازها الذي يضم غرب المتوسط، وتعد (سبتة) نقطة صدام وتوافق إلى الآن، ويرى البنتاغون، أن ما قامت به روسيا في سبتة لم يتعد المناورة، لأنها لم تنجح في تجريب “اختراقين” ضد البحرية البريطانية، وإن كرست تفوقها ضد 5 دول جنوب المتوسط دفعة واحدة.

   وفي الرد على هذا التقييم، نشر الموقع الروسي (سبوتنيك)(8) وجهة نظر الخبير “هانس لوتار دوميرسي” الواردة  في الجريدة النمساوية (كونترا مغازين) يقول فيها، إن توازن القوى بين روسيا والناتو (الحلف الأطلسي) يذهب لأول مرة، اتجاه موسكو بفعل التحديث القائم على الاستعمال الإلكتروني والهندسة، ويتقدم هذه التقنيات تزويد “السوخوي 24” برادار متطور للتعمية أدهش الأمريكيين، ووصول سلسلة “السوخوي” إلى تشكيلة (تي 50 باك فا) وتكنولوجيا (ستريب) عبر نظام رقمي (ف. ب 24) المستخدم من طرف الفضائيين الروس الموافق لـ (كيت ـ جام) المركب على الطائرات.

   ومن التفاصيل المرعبة، أن الروس استعملوا في سبتة وبنجاح برنامج (غلوناس)، وهو ما أزعج تدقيقات القاعدة الإسبانية في مدينة (سيفي)، ولم يتمكن الأمريكيون من معرفة تفاصيل عمل الشبح الأسود (المدمرة الروسية) في مياه سبتة، وقام بـ 24 اتصالا بين سبتة وطرطوس السورية من نفس البرنامج، دون أن يتمكن أحد من معرفة هامش المناورة لدى (الروس) ضمنها اتصالات بقطع في السويد لمدة 72 ساعة كاملة، وأثارت الصحافة الفرنسية قوس التأثير الروسي من السويد(9) إلى إسبانيا، وفرض هذا التطور التقني على إسبانيا تعاونا بحريا مع الروس وضع (ما تحت المياه) المغربية في صالح مدريد، وحسم موقع سبتة في الاستراتيجية الإضافية للمملكة الإيبيرية، في أكبر فجوة دفاعية تعيشها المملكة إلى الآن.

   وتتجه مدريد التي نجحت مع “أثنار” في استعمال ناجح ومحدود للقوات الخاصة إلى تعميم هذه القدرة في باقي القطاعات، تتقدمها القوات البحرية، ويعود هذا الحلم الإسباني التقليدي إلى الملوك الإسبان الأوائل، حين اعتبر الإيبيريون (سبتة ومليلية) وصية كاثوليكية في مقابل إمارة المؤمنين أو المسلمين في المغرب، وهي مراكز عسكرية إلى الآن (فرونتيراس) من داخل استراتيجية بحرية تصل إلى ليبيا(10). وتحاول إسبانيا فرض سيادتها البحرية والإستراتيجية في شمال المملكة، وتطوير الوصاية الأممية على المغرب انطلاقا من قضية الصحراء، وخصوصا بعد اندلاع خلافه الحالي مع الأمم المتحدة. وفي بداية القرن، رد نظام “خوان كارلوس” على تطوير الحسن الثاني لسيادة بلاده على (طرفاية 1958 ـ سيدي إفني 1959) إلى الصحراء عام 1975 بتطوير استرتيجية تفكيك جاره، منذ قرر “أثنار” قطع هذه السياسة في عهد الملك محمد السادس الذي دخل جزيرة ليلى (ثورة) متجها إلى سبتة ومليلية، ولم تسمح له مدريد بهذه العملية، حين اعتبرها الجيش الإسباني (خطا أحمر) ولن يتكرر معه ما سبق.

 وقف التمدد البري للمغرب منذ حادثة جزيرة ليلى، قرر إثرها الجيش الإسباني السيادة البحرية الكاملة على حدود سبتة ومليلية، وأعلن خط سبتة ـ لاس بالماس “تحت المياه” مصلحة ثابتة للجيش الإسباني منذ 2007، وتدعم روسيا والولايات المتحدة العاصمة مدريد في قراراتها

   تمكنت إسبانيا من توقيف سياسة القضم الاستراتيجي لتوسيع واستعادة الأراضي (التاريخية) للمغرب عبر تدخل قواتها الخاصة في جزيرة ليلى لرسم الحركة على الحدود الإسبانية ـ المغربية، كما تقول مدريد ، ويدير المغرب نفس السياسة في الصحراء من خلال قضم سياسي لمهمات المينورسو لتقليصها والوصول إلى حل ممكن وواحد: الحكم الذاتي المقترح لحل قضية الصحراء، وردت مدريد على هذه التطورات، بهضم سبتة ومليلية وتحويلهما إلى “كيانات عدائية” لاستراتيجية الرباط وأمن المغرب القومي والاستراتيجي، عبر فرض سيادتها على ما تحت المياه في نطاق (سبتة ـ لاس بالماس)، وهو الحزام القاتل للمغرب، وجراءه يفقد المغاربة نطاقهم الحيوي في الشمال إلى العاصمة الرباط دفعة واحدة.

   ويواجه المغرب إلى جانب “قتل مصالحه في الشمال” خيار إسبانيا في الصحراء المختصر في أنه: لا يمكن أن يموت خيار في الصحراء، كي لا يموت أي خيار في جبل طارق الذي دعت ساكنته للاستفتاء في 1967، ودعت في عام 2000 إلى تقرير المصير ضد لندن ومدريد نحو استقلال الصخرة(11).

   وتعيش سبتة (78 ألف نسمة) ومليلية (72 ألف نسمة)، خروجا عن الوضعية الاستثنائية التي فرضها المغرب على الثغرين المحتلين منذ المطالبة بهما عام 1961، ووقوف الاتحاد السوفياتي (روسيا اليوم) وعدد من الدول العربية إلى جانب المغرب لإعادة سبتة ومليلية، وهذا سر حرص الملك الراحل على علاقات متوازنة مع موسكو، وفي 1966، دعم المغرب مطالب إسبانيا في جبل طارق، لكن حادثة جزيرة ليلى لم يكن فيها لروسيا موقف، ورغم العلاقات الاستراتيجية بين موسكو والرباط، فإن مدريد بنت تحالفا بحريا واستراتيجيا يقوي وقوف روسيا إلى جانب مطالبها في جبل طارق، وفي نفس الوقت يضعف وقوف موسكو إلى جانب الرباط في موضوع (سبتة ومليلية) اللتين تعيشان وضعية ملتبسة بين كونهما مدينتين إسبانيتين، وبين كونهما آخر مستعمرتين في إفريقيا(12)، والتحول الذي حدث في الموقف الروسي، وسكوت الرباط عليه لصعوبة فتح أكثر من جبهة، يدفع إلى سحق ما يدعى العلاقات الجيدة بين إسبانيا والمغرب، وروسيا وإسبانيا، وهذه العلاقات تمنع كل إمكانية جديدة في مطالبة الرباط بعودة المدينتين إلى المملكة الشريفة.

   وإلى جانب موسكو، تحولت سياسة بروكسيل والاتحاد الأوروبي اتجاه المدينتان، حيث خرجتا من طابعهما الاستثنائي منذ قانون 1987 (لي إكسترا نخيرا)(13)، وصولا إلى العمل بنظام الكاميرا والأشعة ما تحت الحمراء على حدود المدينتين والمختصر بكلمة (سيفي)(14).

   ويجد الغربيون ما يكفي للقول، أن الشعوب تتبع جنودها، ويأتي السبتيون ضمن لائحة هذه الشعوب إلى جانب الجيورجيين والألبان، وإلى آخر حرب لهنغاريا، كما يورد الجنرال (وور نوي)، في كتاب ملاحظات عسكرية حول الترك والروس مع الخرائط، والمطبوع في 1771، ويكشف الكتاب في الصفحة 142(15)، وضعية سبتة في خرائط روسيا وتركيا المتنافستين إلى اليوم من سوريا إلى غرب المتوسط، حين جمع الروس بين طرطوس وسبتة طريقا جديدا لبسط سيطرتهم على المتوسط. ودفع هذا الصراع المحموم على المتوسط، وعبر ممر جبل طارق، نحو الأطلسي إلى اتفاق سري بين باريس وموسكو من أجل احتلال فرنسا لسبتة.

 وقوف باريس المتفرد، خارج الناتو ودول الاتحاد الأوروبي إلى جانب المغرب في حادثة جزيرة ليلى، يؤكد على تكريس استراتيجيتها التي خططت فيها باريس في نهاية القرن التاسع عشر لاحتلال سبتة وطرد إسبانيا منها

   في كتاب “حدود القرون”، وهو مجموع أعمال ندوة دولية في 1999 بجامعة “فرانس كونت” بإشراف “ماريتا جيلي”، سرد دقيق لخطة فرنسا القاضية باحتلال  سبتة وطرد الإسبان منها في نهاية القرن التاسع عشر، على ضوء اتفاق سري بين فرنسا وروسيا، لكن خسارة إسبانيا في كوبا والفلبين، قتل حلم مدريد في التوسع، وبالتالي مخططات موسكو وباريس(16).

   وتورد مذكرات (بيلاو)(17) في أبريل 1898، أن القيصر الروسي “كيوم” قال أن (حرب إسبانيا في أمريكا ستنتهي بإسقاط الفلبين بين يدي ألمانيا)، واستغلت فرنسا الوضع، ودعمت الإسبان في حربهم ضد الأمريكيين على أن تعود إليها سبتة ومليلية ونقطة بحرية أخرى على الشواطئ الأندلسية.

   وبدت هذه المطامع الفرنسية في (سبتة) واضحة لدى الإسبان لدعم باريس للمغرب في جزيرة ليلى ورغبتها في سيادته على سبتة ومليلية، وجاءت الضربة العسكرية  في الجزيرة ضد فرنسا ذات المطامع التاريخية في سبتة، وليس من المفاجئ أن تسمى العملية السرية (بيلاو) تذكيرا بما حدث، وردا على مطامع باريس التي تصل إلى الصحراء، ويحاول المغرب إدارة خطته من داخل خطط ومطامع القوى الإقليمية النافذة، خصوصا الإسبان والفرنسيين المتصارعين بقوة على سبتة، وخفضت باريس من دفاعها عن الاستثناءات التي تخص المدينتين كما كان عليه الأمر سابقا، حين رفضت ضم الثغرين المحتلين للاتحاد الجمركي، وأيضا السياسة الزراعية الموحدة (باك)، وجراء التطورات الأخيرة، لا يمكن القول بوجود أي استثناء أوروبي أو روسي اتجاه سبتة ومليلية المعترف بهما منذ 1986 جزء من (الأمة الأوروبية) وترابهما من المملكة الإيبيرية بموجب دستور 1978، وبطاقات الإقامة الطويلة عن طريق لوائح إحصاء(18)، تستهدف المسلمين الراغبين في الالتحاق بالجوار، فهناك مسلمو الملك خوان، في مقابل مسلمي الملك محمد السادس، وتشكل 19 كيلومترا مساحة سبتة، و12.3 كيلومترا مساحة مليلية (مع 7 اختلافات في الأمتار تصل إلى 800 متر) كتلة ترابية تحولت، إلى نار مستعرة “تحت الماء”.

   وهي فصول مطورة عن قصة زواج “كاثوليكي” بين الجيش الإسباني والمدينتين منذ عهد “فرانكو”، وجدت صداها في المادة الثامنة من الدستور، وترى جذورها منذ خسارة معركة أنوال واهتمام الإسبان بالدبابة الصغيرة المسماة “ويبيت” (أو الجرو الصغير السريع العدو)، وشهدت المدينتان تصنيع دبابات رونو(إف ـ تي)، وفي مارس 1922، دخلت إلى الخدمة دبابات (شنيدر) من طراز (كا 1)، وشهد ميناء الحسيمة أول شحن للدبابات بتاريخ 9 شتنبر 1925، وتشكل هذه الذاكرة الإسبانية خصوصية عالية في أوساط الجيش، دفعت إلى إنزال  فرقة خاصة في جزيرة ليلى والتهديد باقتحام الرباط.

   وبعدها، حدث تحول كبير في الموقف الدولي من سبتة ومليلية جراء الصمت المغربي المطبق، بدأ بـالناتو، فما رفضه الحلف الأطلسي بخصوص المدينتين في 1983، قبله أخيرا وبشكل كامل، واليوم، لا يمكن تكرار ما حدث في جزيرة ليلى لأنه تهديد للحلف الأطلسي لاعتبار سبتة ومليلية ضمن خارطة التهديدات المشتركة، وأي إجراء مغربي اتجاه المدينتين يعتبر حربا ضد الحلف.

   ولا يستثني هذا التحول روسيا التي تخلت عن التزامها في 1961، وقررت إرساء سفنها الحربية في سبتة دون أي اعتبار لما أقرته موسكو في ستينات القرن الماضي، ولم تطلب الأخيرة أي إذن أو دعم أمني من الرباط، ولم تتخوف من وجود متطرفين(19) ـ أو إرهابيين ـ كما يطرح الإعلام الفرنسي من أجل التعاون مع المغرب. وقرر الكرملين رفع تواجده المتوسطي دون ذكر المغرب، وشمل في خارطته شرق وغرب المتوسط  من خلال بند (المساعدة التقنية وفي الآليات)(20)، وذكرت الأوساط الروسية إسبانيا مرتين في صفحة واحدة داخل تقرير حساس صادق عليه “بوتين” شخصيا، وينتهي هذا الوضع بتهديد (سيادة ما تحت المياه المغربية) في الحزام الذي أطلقته مدريد بين سبتة ولاس بالماس بما يخنق المغرب البحري والبحرية الملكية إلى حدود بعيدة.

   ورفعت إسبانيا من تعاونها مع روسيا والولايات المتحدة، وشكل هذا التحول فجوة تكنولوجية غير مسبوقة مع جارها المغربي آخذة منه كل ما يهم حمايتها من الهجرة والإرهاب دون فواتير. ونفذت المخابرات الإسبانية كل مناورة حادة وعلى كل الأصعدة، بدءا من تحويل كل الإجراءات المعتمدة في حدودها مع المغرب إلى إجراءات مقبولة دون طرح الرباط لأي اعتراض، ومن زاوية ثانية، تمكنت هذه الأجهزة من تفكيك خلايا وتجارة مع داعش (20 ألف بذلة موجهة لتنظيم الدولة).

   وفي مواجهة فرنسا، تمكنت مدريد من السيطرة على غرب المتوسط بمساعدة روسية كاملة، فعودة موسكو “القوية” إلى المتوسط (21)، لا تختلف في شيء عن عودة إسبانيا “أقوى” في غرب البحر الأبيض، ودائما من داخل النبل القيصري الذي تواصل في التعاطي الروسي ـ الإسباني بخصوص المدينتين، كما يعبر عن ذلك كتاب اليوتنان جنرال (أنطوان هنري دو جومان بين 1788 و1793)(22).

   وعاد بوتين إلى ثوابت هذه الفترة في إدارة عودة بلاده إلى أوروبا عبر ألمانيا، وإلى غرب المتوسط عبر إسبانيا، ونجح طويلا في هذا المسعى عندما ساهم في إضعاف الموقف المغربي في قضية المدينتين، وحين خدمت الشراكة الاستراتيجية المغربية الروسية، والشراكة الأمنية المغربية الإسبانية نفس الأهداف، ودفن الجميع بالصمت أو التواطؤ، ما طالبت به الرباط بخصوص المدينتين لسبتة ومليلية. ولم يعد في الواقع ما يؤكد مطالب الجانب المغربي، لأن الرباط أبعدت المدينتين عن إدارتها للمخاطر، رغم إدارة الإسبان وباقي دول الغرب وروسيا لملف المدينتين على أساس “المخاطر وتدبير المخاطر” منذ إطلاق المشروع المتوسطي، وهو عنوان مقال ذكي لـ “إرزبيت روسا”.

 المغرب يخرج ملف سبتة ومليلية من تدبير المخاطر، فيما تتفق روسيا وفرنسا وإسبانيا على مواصلتها إدارة المخاطر بخصوص تموقع المدينتين في الخارطة البحرية الجديدة، من السيادة على ما تحت المياه، وإلى بناء قاعدة بحرية عسكرية للناتو

   في إدارتها للمخاطر التي تفرضها سبتة، قررت إسبانيا الذهاب بعيدا في إدارة جديدة تدمج هذه المدينة في خارطة الناتو، وفي الخارطة المتوسطية ما بين روسيا والاتحاد الأوروبي، وعملها كقاعدة متقدمة ضمن مخاطر (المغرب الكبير والشرق الأوسط).

   وعلى هذا الأساس، ذكر مقال “روسا” الصادر في “أكاديميا” تحت عنوان “سبتة ومليلية: المخاطر وتدبير المخاطر”(23) شارحا أسئلة استراتيجية أهمها، أن سبتة قاعدة متقدمة للمشروع الأورو متوسطي، وهي من هذا الموقع عاملة مع القوة الجديدة لروسيا على إطلاق مشروع متوسطي لا تحتكره فرنسا، وتقترح مدريد وموسكو نسخة جديدة وفاعلة منه، كما أن سبتة قاعدة لتعاون عسكري يضمن الأمن البحري للمتوسط في ظل تغيير قواعد اللعبة الخاصة بالسيطرة على ما تحت المياه أو ما تحت السطح، وتعتبر سبتة أول مجال بحري “تحت مائي” معترف به في مياه دول جنوب المتوسط أو شمال إفريقيا.

   وهذه المدينة (سبتة) حسب التقديرات الأخيرة، “آمنة والمواجهة العسكرية حولها مجمدة” جراء تقدم التفاوض الإسباني ـ المغربي بعيدا عن الملف، وقد صدرت مدريد السخونة بطريقة ما من شمال المغرب إلى جنوبه، لأنها تدرك أهمية القرار العسكري لإسبانيا منذ حادثة جزيرة ليلى، والطابع العسكري لسبتة كما قرره “خوان كارلوس” في زيارته للثغرين المحتلين.

   واليوم، تدير سبتة “مضيق جبل طارق”، ولا يطلب المغرب جزر الكناري، ويسود نطاق سبتة ـ لاس بالماس على باقي التمظهرات العسكرية في منطقة تتجاوز 1500 ميل بحري وجوي، وهو النطاق الأكبر للمملكة الإيبيرية منذ 1975، ويمكن أن يتوسع في ظروف لاحقة. وتعتقد إسبانيا أن المغرب لن يشكل خطرا، إلا إذا ساهمت فرنسا في إذكاء ما يدعوه التاريخ “مناورة” منذ نهاية القرن التاسع عشر، وذكرها بتفصيل كتاب “نابيي” والمصحح من طرف الجنرال “ماتيو دوماس” (المجلد التاسع)(24)، وبدأت في القرن العشرين بدفع السلطان المغربي إلى المطالبة بسبتة تحديدا لنقلها إلى سلطات الحماية الفرنسية. ويلعب الإسبان لعبة مريرة بإحضار روسيا لوقف “أطماع فرنسا” عن طريق المغرب في سبتة، ويأتون بالولايات المتحدة كي لا يلتهم الروس المنطقة، لأن الولايات المتحدة الأمريكية محرجة دائما من تطوير “علاقتها وحضورها العسكري” في إسبانيا خشية إثارة غضب الصديق البريطاني، ولذلك تكون مدريد مضطرة لإحضار روسيا لتبرير دعم الولايات المتحدة الأمريكية لها. وتدبير المخاطر الذي نلاحظه حول سبتة “قاس وقوي” طيلة قرنين، ولم يدعمه المغرب، وسمحت الرباط بإقصاء المدينتين المحتلتين من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، فباشر الاتحاد الأوروبي بتمويلاته على الأرض.

   وهذه الملاحظة في مقال “روسا” حاسمة للقول، أن السياسات المغربية همشت ملف المدينتين (سبتة ومليلية وباقي شمال المملكة) في اتجاه استراتيجي لحسم ورقة الصحراء، لكن مدريد تطرح الملفين معا بين تدبير الأزمة والأزمة الطويلة، من بناء خط روسي بين طرطوس السورية وسبتة على الصعيد العسكري، والمتواصل مع الملف الاجتماعي والديني، حين نعرف سوريا سبتيا هو (رياض التتري) يدعم مسلمي “خوان كارلوس” في الإدارة الذاتية للمدينتين لفصل مصير الثغرين عن مصير المغرب، وتنجح مدريد يوما عن يوم في فصل مصير الصحراء عن مصير سبتة ومليلية، والتي لا يمكن فيها إعادة الساعة إلى الوراء، وهي تمهد لوقت مناسب لتحرك “جدي” في الصحراء، فالمسألتان متداخلتان جيوسياسيا، من تزامن جزيرة ليلى واقتراح المغرب لمبادرة الحكم الذاتي في الصحراء، وإلى تزامن إسباني بين وضع اليد على الشعبة السياسية لـ “المينورسو” التي أحلتها الرباط، وصفقة ترسيم المياه الإقليمية للصحراء مع إدارة “منتخبة بعد استفتاء الإقليم” كما تقول الصفحة 5 من تقرير وزارة الدفاع الإسبانية لشهر مارس الماضي.

الهوامش

1_ Regard sur l’afrique 2/4/2016.
2_ Heritage foundation.
3_ Fr.sputnik news.com/ international /201-50830101(25/2/2016).
4_ Andrew rosindell, (following last week’s firing for shots incident, this addas insult to injury for the poeple for gibraltar) .twitter.com/7FBTK/status/6/28/8/2015).
5_ Anti_acces(aire _ deni) A2/AD.
6_ clyde.     
7_ ALEXANDERE Fedotenkov.
8_sputnik 3/1/2016.
9_ figaro.Fr./97001.
10_ la documentation francaise.fr.d.000478.
11_ yves Zurto, ceuta et mililla, histoire, representations et devenir deux esclaves espagnoles, harmattan, paris 2005.
12_ yves Zurto, centa et mililla, villes espagnoles ou dernieres colinies en afrique? grande europe, n° 28, janvier 2011.
13_ ley extranjera.
14_ sistema integrado de viglancia exterior ( SIVE) .
15_ Remarques sur le militaire des turcs et des russes avec des plans par MR warney, major general, Breslan, chez guill theophile, korn, 1771 p: 142.
16_ les limites de siecles, champs de forces conservatrices et regressivers depuis les temps modernes presses universitaires _ France comitoises, 2001 (actes du colloque international organisé par l’université de franche – comte) a (27, 28  et 29) mai 1999, renis et edités par MARITA Gilli.
17_ bulow.
18_ la trajeta de estadistica.
19_ liberation.fr.26/04/2015.
20_ punkt materialno- tekniches kovogo obespe chenia.
21_ Marc marginedas, la russie revient eu face en mediterranée imed.org/observator/(consulté7/4/2016).
22_ histoire critique et militaire des guerres de la revolution par lieutenant generale (Antuine henry de jamini) tome premier (de 1788 a 1793).
23_ erzsebet N.Roeta , ceuta et melilla , risques et gestion des  risques, academia, edu /1553266.
24_ Histoire de la guerre dans la peninsule et dans le medi de la fance depuis l’anneé 1807 jusqu’à 1814 w.f.napier, corrigé par le lieutenant general mathiew dumas, tome neuvieme, paris 1838.

تعليق واحد

  1. انت تريد وانا اريد والله فعال لما يريد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!