في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | احذروهم.. الفرنسيون متعودون على إسقاط العروش

بقلم: مصطفى العلوي

   اتفق المفكرون والكتاب، وهم الذين تعودوا على أن لا يتفقوا، أن الهزة الإعلامية التي أحدثتها وثائق باناما، والتي انطلقت من أكثر من مليون وأربعمائة ألف وثيقة، إنما هي صيغة جديدة، ومتطورة، لما سماه بعضهم(…) الربيع العربي، والذي كان محركا من طرف مخابرات غربية، في إطار إعادة توزيع الخريطة المزعجة، عبر إحياء الحسابات القديمة، للأفكار العنصرية، الأكراد، والشركس، والأمازيغ، والقبايل، وكل ما يعتبر حطبا لجهنم المتقدة، ليجد الخبراء المحركون أن الشعوب الممتدة من الخليج إلى المحيط، لم تستطع التخلص من همجيتها الفكرية، فكان الفشل حليف الربيع العربي، رغم إسقاطه للنظام العراقي، والمصري، والتونسي، والليبي، وإن كان هذا كله لا يكفي لفرض الخريطة الجغرافية التي تحقق الأغراض الإمبريالية والصهيونية، المستهدفة مؤكدا، لوضع حد لأحلام البعث العربي، والقومية العربية، وتهديدات القذافي لغزو أروبا، وقصف صدام حسين لتل أبيب، لذلك كان لابد من إطلاق ويكيليكس جديد سمي، وثائق باناما، التي اكتسبت في لحظاتها الأولى، عقول الشعوب المتضررة من الأنظمة الحالية(…) كيف لا، وها هو الصحفي المجرب، خالد الجامعي، ينصح الملك محمد السادس بضرورة إبعاد العناصر التي تتصرف باسمه، وربما تبيع وتشتري باسمه، حتى وإن كانت تأخذ عشرة في المائة من عند البائع وعشرة في المائة من عند المشتري.. وهذا ما لم يقله الجامعي، وكما أن للمال الحرام(…) مقاصد أخرى فقد رأينا كيف أمر الرئيس التونسي، بفتح تحقيق فيما ورد في وثائق باناما، عن حسابات المنافس المرزوقي، الذي يتقدم للشعب التونسي، بصفته البديل المصلح، واللائحة طويلة.

   وقد تبنت أجهزة الإعلام الفرنسية، عملية النشر اليومي – فيما يتعلق بالمغرب – لصور الكاتب الخاص، منير الماجدي، وأسماء زبانيته المنتشرة أسماؤها في الأبناك العالمية، بعد أن كانت جريدة “لوموند”، قد بعثت من قبل رسالة لهذا الماجدي، تسأله عن توضيحات بشأن الشقة التي اشتراها في باريس، بأكثر من أربعين مليارا، فقد ذكرت وثائق باناما، أن هذه الشقة تم بيعها فيما بعد، لمن؟ فكان جواب المعنيين بالأمر(…) المنشور في الموقع الإلكتروني المقرب من الماجدي بأن كل هذا مجرد إشاعات لما يسميه التعبير الفرنسي: “بيدون”، مضيفا بأنه “بيدون” من نسج خيال صديق الأمير مولاي هشام، رضى بنشمسي. كلام مباح في سابع مارس، فضحته شهرزاد باناما من بعد.

   فلماذا يحتج المنتهزون(…) على ما نشرته “لوموند” الفرنسية فيما بعد، بقلم تشاركي، مغربي(…) فرنسي(…) خطط به الكاتبان، يوسف أقديم، وسيرج ميشيل، سوطا ضرب بعنف أولئك الذين وصفوا تدخل “لوموند” السابق، بأنه “بيدون”، وقالا لهؤلاء المبتدئين(…) رغم السنوات الطويلة التي قضوها في التسيير(…) حسب مقال “لوموند”: إن شغل هؤلاء الناس(…) هو دائما “التستر خلف مولاي هشام” الذي وصفه مقال “لوموند”، ولأول مرة في التاريخ، بأنه معارض للنظام.

   فرصة أخرى يتجدد معها أسف المتنورين من المغاربة، لكون المحيط السلطاني عندنا، لم يستفد من دروس الماضي، وربما يثق كثيرا في الحاضر، الحاضر المغربي الذي يقول: من يحسب وحده، يخرج دائما بالفائض “يشيط لو”.

   فالاهتمام الفرنسي بالمغرب وقضاياه، فارض نفسه، لكن بدهاء وجدية لم تتغير، رغم فارق السنوات، بين حاضرنا، وأيام زمان.

   الفرنسيون الذين يعتبرون المغرب ضيعتهم الفسيحة، رغم فرحة المغاربة بالاستقلال، لازالوا يتعاملون مع المغاربة، بالأسلوب الذي خلده لهم، كتاب مجربون في كتب، أكثرها وأفيدها كتب ليلة دخول الاستعمار للمغرب، هذا الاستعمار الذي أحيا فلسفته مؤخرا، الرئيس الفرنسي هولند، الذي أخبر رأيه العام، “أن المغرب لم يتحرر بقوة السلاح” (الأسبوع. 24 مارس 2016).

   فنموذج الملك الضعيف(…) كما أطلقه الفرنسيون على شخص السلطان السابق، مولاي عبد العزيز، وقد نشر عنه صحفيوهم، الكثير من أمثلة الضعف، وانشغاله بما سماه الصحفي الفرنسي الذي كان مستقرا في المغرب، “كابرييل فير”: ديوان الملاغة (la cour des amusements) كخطوة ومبرر لإزاحة هذا السلطان الشاب من طريقهم، عبر التوسع في تضخيم فتن المغرب، بوحمارة مثلا، وديون المغرب، والصراع بين الوزراء، واستسلام السلطان لصديقه المنبهي(…) والتوسع في نشر صور السلطان عبد العزيز، وهو يركب الدراجة، بينما كانت هذه كلها مبررات ممهدة لإزاحة هذا السلطان من طريقهم.

   بينما التعمق في مسيرة هذا السلطان الشاب، الذي توسعوا في وصفه بالثري المبذر، وهو الذي ((عندما أصيب بمرض خلال الحرب العالمية الثانية، ما كان ممكنا له السفر إلى الخارج للعلاج، ولا كان بإمكانه الحصول على الأدوية اللازمة، فوافاه الأجل في 10 جوان 1943 بطنجة)) (المغرب في عهد السلطان. زين العابدين العلوي).

   ليبقى السلطان مولاي عبد العزيز، نموذج رئيس الدولة الذي عاقبه الفرنسيون، لأن شباب سنه كان يدفعه لإقامة دولة عصرية، لدرجة أن تعنته، جعله مرة ((يطرد كل الدبلوماسيين الفرنسيين من المغرب، ويترك المبعوث الفرنسي الدائم في المغرب “روني تاياندييي” ينتظر ثلاثة أيام في باب قصر فاس قبل أن يستقبله، لأنه كان سفيرا فرنسا المختص في الخوض في المياه العكرة)) (كتاب تسع سنوات بالمغرب. كاروف).

المقربون الإنجليز، الذين كانوا يعرفون خبايا المؤامرة الفرنسية على السلطان عبد العزيز، كان من بينهم صديق وفي للسلطان، اسمه “ماك لين”، كتب عنه: ((إنه السلطان الطيب، إنه رجل طيب تمام الطيبوبة، أعطوه الوقت فلابد له من الوقت، ليكون على ما يرام، فالوقت هو الشيء الذي يحتاجه المغاربة)) (جولات في مغرب أمس. عبد المجيد بن جلون).

   هذا الأديب الاستقلالي الكبير، حكى أيضا، دون أن يعرف السبب، أن السلطان مولاي عبد العزيز ((عندما زار وهو مجرد مواطن، باخرة جورجيا، رفقة الصحفي “إدموند هولت”، كانت عيناه تترقرق بالدموع)) (نفس المصدر).

   أما الشهادة المغربية الصادقة في حق هذا السلطان ضحية الاستعمار الفرنسي، فقد كتبها من لا يتسرب الشك لمصداقيته، الفقيه المختار السوسي، الذي اكتشف في زمنه السليم، خبايا المناورات التي كانت تحاك ضد المغرب، من طرف رسل الاستعمار الأولين: ((كان وزير السلطان مولاي عبد العزيز، يعمل بإشارة المحتلين(…) مجتهدا في إثارة القلاقل أمام السلطان، لإضعاف كل قوة يراها من جانب السلطان)) (حول مائدة الغذاء).

   عالم آخر، لم يكن يخاف لومة لائم، رغم أنه من أقطاب الأسلوب المخزني، لم يذكر المهتمون به من اسمه، إلا تسمية الحجوي، الذي ترك مخطوطا بعنوان: “انتحار المغرب” سجل فيه عن السلطان عبد العزيز ((رغم أنه فشل في التصدي للمشاكل الداخلية، والحد من الأطماع الاستعمارية، فقد كان ذهنه متفتحا على ما أدركته الدول الأروبية، عاش تناقضات بين مخزن موغل في التقاليد ومجتمع متعصب(…) لما هو آت من الخارج، لقد كان لين الجانب، لا يرى في سفك الدماء مصلحة، فظهر في مظهر الضعف، وتجرأت عليه الرعية التي لها قلوب من حديد، فلا حديث للناس إلا عن وزيره وسميره(…) المنبهي ورجل الأعمال الحاج عمر التازي)) (مذكرات الحجوي. محمد الصغير الخلوفي).

   ألا ترون في نهاية السرد، تلميحا إلى صديق السلطان، ورجل أعماله(…) رغم أن رفيق السلطان عبد العزيز، الصحفي “كابرييل فير”، خلد في كتابه “في سر السلطان” أنه شاهد مولاي عبد العزيز ((يرغم مساعديه على القسم بالمصحف، ألا يعودوا لأخذ أية رشوة مقابل إمضاء الصفقات)).

   طبعا، تلمح كتابات صديق السلطان هذا، إلى نقط ضعف السلطان أمام مظاهر الحضارة العالمية: ((قال لي مرة، وهو يلبس في رجليه جوارب حمراء(…) ناصعة اللون: يظهر أن مدينة لندن هذه الأيام، تزخر بالموضة)) (كابرييل فير. في سر السلطان).

   جزئيات ليست غريبة، ولا بعيدة عن بعض ما نسمعه ونراه هذه الأيام، بل واقرب كثيرا من حالات تغطي صفحات جرائدنا هذه الأيام: ((كان اجتماعهم في فاس، بحضور عدد من الجزائريين ممن يستخدمون لأغراض سياسية(…) كافيا لانفتاح أدمغتهم بالثورة(…) وهم يشاهدون انشغال الوزراء بتشييد القصور، وتجديد الديور، والقينات والمغنيات ومعدات الرفاهية، وبيع الوظائف(…) وأخطر الأشياء التي تفرض غريب العجب، من السياسة الخرقاء، التي ارتكبها الوزراء العزيزيون فهي في نظري طريق الانتحار، لدولة المولى عبد العزيز التي آسف عليها من صميم فؤادي)) (مذكرات الحجوي. محمد الصغير الخلوفي).

   لم يكن صحفي مثل خالد الجامعي، في عهد مولاي عبد العزيز، ورغم ذلك، فإن هذا السلطان الذي أفسدت الأجهزة الفرنسية سمعته، تجرأ وأصدر أوامره إلى مخزنه بتجريد صديقه وسميره المنبهي، من كل ثروته بعد أن تأكد من أنه كان يهرب أمواله، إلى الخارج، بل بعد أن اكتشف أنه هرب عندما كان مسؤولا عن الدفاع الوطني، الميزانية المخصصة للقوات المسلحة، إلى حساباته في الخارج.

   ألم أقل لكم إن المغاربة كانوا دائما يسجلون قصب السبق، وها هو وزير شؤون الدفاع المغربي الذي يدعي أيضا أنه صديق السلطان، سبق أسلوب وثائق باناما، بمائة عام.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!