القواسم المشتركة بين المغرب وتركيا واستراتيجية الهجوم بدل الدفاع

بقلم: محمد لعبيدي

   قد يذهب البعض ممن تركوا قليلا الشعر على ذقونهم، إلى أن القاسم المشترك الوحيد الذي يربط المغرب وتركيا، يجسده حزبا العدالة والتنمية التركي والمغربي، ولو كانت أوجه التشابه بينهما لا تتجاوز حد التسمية، والحديث الجماعي باسم الإسلام المعتدل، رغم أن أردوغان نفسه، أقر في كثير من المرات، أنه لا وجود لإسلام معتدل وإسلام آخر، وإنما الإسلام هو دين واحد، الدين، الذي ضل عنه كثيرون هذه الأيام، اختلطت عليهم، الليبرالية بالتشاركية والاشتراكية.

   أوجه التقارب بين المغرب وتركيا، تتجاوز حد تطابق وجهات النظر، وتآلف الدبلوماسي، ومنه فقوة تركيا اليوم، وإن كان محددها الرئيسي اقتصادي بدرجة الأساس، إلا أن باراميترات أخرى، جعلت من الأغا التركي، رقما مهما داخل المعادلة السياسية العالمية، وخصوصا الدور المحوري الذي لعبته تركيا، داخل الساحة الدبلوماسية العالمية في علاقتها بالأزمة السورية، ومواجهة التطرف (داعش)، وكذا أزمة الهجرة واللاجئين.

   تركيا أردوغان، وإن ظهرت في الآونة الأخيرة، فاقدة لبوصلة الأحداث.. إلا أن تركيا اردوغان، تلعب على أكثر من جهة، وتستخدم أكثر من ورقة، بما أن موقعها الاستراتيجي، بوابة أوروبا الشرقية الجنوبية، بوابة الجحيم، الذي يفصل أوروبا عن لهيب ناره، ويقيها شر الجحافل البشرية من اللاجئين، والمهاجرين، وإرهابيون المفترضون، هذه أوراق تركيا، التي يبدو أنها استهلكت جزء وفيرا منها، بأخطاء ربما أملتها اندفاعية أرودغان في تفاعله مع الأحداث، إذ أن أردوغانية كما يسميها البعض، شارفت على النهاية.

   المغرب، إذا كان أبعد بكثير مما تعيشه تركيا، إلا أنه يعيش ذات السيناريو بمشاهد مختلفة، لكنها تصب في ذات السياق، أي أزمات دبلوماسية خارجية، امتدادا لصراع داخلي حول قضية الصحراء المغربية، وما عاشه المغرب خلال الأشهر الماضية، إلا دليل قوي على أن المغرب، مطالب بإعادة افتحاص أوراقه، وتغيير منطق اللعب، الذي اكتسى طيلة عقود، استراتيجية الدفاع بدل الهجوم، لأن الهجوم وحده كفيل بانتزاع حقوقه السيادية كاملة، في ظل سياق سياسي عالمي مرتبك، يكتوي بنار الإرهاب وأزمات اللاجئين.

   المغرب أخذ على عاتقه ومنذ سنوات، مهمة دركي أوروبا في حماية حدودها من جحافل المهاجرين، وخصوصا مهاجري جنوب الصحراء، الفارين من ويلات الحروب الأهلية والمجاعة والأمراض، وغيرها من مظاهر البؤس الاجتماعي، إلا أن المغرب، تحمل مسؤولية، ملايين من المهاجرين والنازحين، حيث أضحت شوارع البلاد غاصة بكل أصناف والجنسيات، ورغم ذلك أخذ من جديد على عاتقه تسوية وضعية الآلاف قانونيا، وما يتطلب ذلك من موارد لإدماجهم في المجتمع، وتوفير سبل التكوين والإعداد، إلا أن المغرب في نهاية المطاف، ماذا سيربح من كل هذا، إذا ما احتكمنا إلى منطق دبلوماسي برغماتي؟ وفي النهاية نجد دول شمال البحر المتوسط، تتعاطى مع المغرب بمنطق أقل ما يمكن أن يقال عنه أنه مهين، وخصوصا في ما ترتب عن قرار المحكمة الأوروبية، بمنع استيراد منتوجات الصحراء، أليس هذا إهانة لنا جميعا.

   ملف الإرهاب، يزداد أهمية وخطورة.. والمغرب أبدى بمؤسساته الأمنية تجاوبا وتعاونا كبيرا، على المستوى الأمني مع باقي دول المحيط الإقليمي، وخصوصا الأوروبية منها، وخاصة الدور المحوري الذي سيلعبه إذا  ما خرج تنظيم إرهابي جديد موالٍ لداعش، ويعرف اختصاراً ب “دامس”، أي الدولة الإسلامية في المغرب الإسلامي، وبحسب تقارير أمنية، تعود إلى 2014، يوجد ما يفوق 20 ألف مقاتل ضمن صفوفها في ليبيا، وهو ما يضع المنطقة المغاربية، والبحر الأبيض المتوسط في سياق ما تشهده سوريا والعراق وتركيا اليوم ، وفي هذا الشأن، لا يمكن لدول الجوار المغاربي، أن تلعب دورا محوريا لا عسكريا ولا استخباراتيا في مواجهة هذا الجحيم، الذي يتهدد المنطقة، ومنه يمتد إلى باقي أرجاء الشمال، باستثناء المغرب، الذي يبدو مؤهلا لذلك، بحكم خبرة أجهزته وامتداداته في أوروبا وإفريقيا (انفجارات الكوت ديفوار الأخيرة، والحضور الأمني المغربي: وزير الداخلية ورئيس جهاز الاستخبارات المغربي).

   هذا في الجانب الاستشرافي للأحداث والتطورات، وفي خضمها، لن تجد دول الشمال الأوروبي، التي تتوزع مصالحها على طول ربوع التراب الإفريقي، بديلا عن المغرب، لحماية مصالحها.

   وبالتالي، لا مبرر يبرر، ما يتسرب عبر قنوات المؤسسات الغربية، سواء قرار محكمة العدل الأوروبية، وكذلك تصريحات بان كيمون بشأن الصحراء، فموقع المغرب الاستراتيجي بوابة إفريقيا نحو أوروبا، وضع الأمن الأوروبي والسلم الاجتماعي كذلك، تحت رحمة هذا الباب، إذا ما عمد المغرب على مجاراة استفزازات خصوم وحدته الترابية، بالنظر إلى الدعم الشعبي، الذي يحظى به المقترح المغربي، المتمثل في حكم ذاتي لأقاليمه الجنوبية، فإن أبواب الجحيم، التي يصدها المغرب عن العجوز الأوروبيِ، ستفتح على مصراعيها، وبالتالي سيجد الأوروبيون أنفسهم أمام تحديات جسام، لا تقوى قدرتهم الاقتصادية المنهكة على تحملها، وقد يذهب إلى حد تفكك منطقة اليورو مع تباين واضح في وجهات النظر حول العديد من القضايا، ولعل أبرزها أزمة اللاجئين وتهديد إنجلترا بالانسحاب مؤخرا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!