تحليل إخباري | أسرار “وثائق بانما” والتحضير للموجة الثانية من “الربيع العربي”

 بين “بوتين فوبيا” و”محمد السادس فوبيا” والحرب الاستخباراتية الكبرى

إعداد: سعيد الريحاني

   لكي تصدق كل ما نشر حتى الآن حول “تسريبات بنما ” Panama، لست مضطرا لمعرفة هذه الدولة المحسوبة على دول أمريكا الجنوبية، ولست في حاجة لمعرفة لغتها الإسبانية، بل يكفي أن تقتنع، بأن شخصا مجهولا، اتصل ذات يوم بصحيفة “زود دويتشه” الألمانية، وأبدى استعداده لتقديم 11.5 مليون وثيقة سرية لهذه الصحيفة دون غيرها.. لست مضطرا لمعرفة السبب الذي يجعل شخصا يقدم على هذا العمل “النبيل” في زمن البيع والشراء(..) عليك أن تصدق أيضا بين صحفي “مجهول”، و”مصدر مجهول”، كان السبب في تسريب 11.5 مليون وثيقة سرّية من قاعدة بيانات مكتب “موسيك فونسيكا”، مكتب المُحاماة البنَمي الذي يُقدّم خدمات تأسيس شركات وإدارة الثروة في عديد من المكاتب حول العالم، يقع أبرزها في جزر العذراء، وجيرسي البريطانية، وعن طريق وسطاء في سويسرا ولوكسمبورج وغيرها، تلك الأماكن التي تعد “ملاذات ضريبية” ذات ضرائب منخفضة، والتي تحوي أموال العديد من الشخصيات الهامة، حسب ما نشر في الصحافة التي اكتفت بنشر المعلومات المشار إليها حرفيا(..).

   لا داعي أن تتسائل كيف تم تحليل 11 مليون وثيقة، ولا عن طريقة تبادل الوثائق بين 400 صحفي و100 مؤسسة إعلامية في 80 بلدا.. عليك فقط أن تقرأ باقتناع أنه أكبر تحقيق صحفي في التاريخ، وأن المصدر المجهول، “الذي تواصل مع الجريدة الألمانية على مدار عام كامل، زودها فيها بـ 2.6 تيرابايت من البيانات، لم تكن له طلبات مادية أو شيء من هذا القبيل، غير بعض الاحتياطات الأمنية..”

   11 مليون وثيقة، سيتم تلخيصها، لتنطلق الدعاية الإعلامية الضخمة، ويظهر من خلالها التركيز على ما يناهز 70 شخصية تنتمي لعالم السياسة والرياضة والثقافة.. يمكنك أن تقرأ عن “جاكي شان” في نفس المكان الذي يتحدثون فيه عن الرئيس الروسي فلادمير بوتين، ويمكنك أن تجد أيضا اسم الملك محمد السادس، والملك السعودي سلمان بن عبد العزيز..

   ولعله من طرائف هذا التسريب، أن الوثائق الأصلية، لا تتضمن اسم الملك محمد السادس، ولا اسم الرئيس الروسي فلادمير بوتين، ولكنها تتحدث عن أصدقاء الطفولة لكلا الرجلين(..)، ولكن الدعاية الضخمة فضلت التركيز على الملك والرئيس، حسب كل دولة، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه، أين هم الأمريكيون في هذه الوثائق، هل يعقل أن يغفل أكبر تحقيق في العالم الحديث عن الأمريكيين، هل يعقل أن الأمريكيين حمائم بيضاء(..)؟Mais où sont les Américains?  هكذا تساءلت الصحف العالمية؟

   الحديث عن الأمريكيين، لم يأت في الوثائق، لكنه جاء في قصاصات الأنباء الروسية، ويقول المتحدث باسم الكريملين بيسكوف، إن الهدف الأول لمثل هذه التقارير هو “بوتين”، بل إنه أبدع مصطلحا جديدا سماه “البوتينو فوبيا” نسبة إلى بوتين..

   لكل دولة طريقتها في الدفاع عن نفسها وفي التعامل مع وثائق بنما، لكن معرفة مصدر المعلومات يبدو مهما جدا، ومصدر الوثائق والمعلومات والتحقيق، هو أن معظم العاملين في الاتحاد الدولي للمحققين الصحفيين ليسوا صحفيين، بل منهم العديد من الموظفين الحاليين والسابقين في وزارة الخارجية الأمريكية ووكالة الاستخبارات المركزية وهيئات الاستخبارات الأمريكية الأخرى.. حسب ما صرح به “دميتري بيسكوف”، الناطق الصحفي باسم الرئيس الروسي.. ويعد هذا التصريح، الوحيد حتى الآن الذي يدين الأمريكيين بشكل رسمي، لكن وزارة الخارجية الأمريكية لم ترد على هذا الاتهام.

   إلى هنا يطرح السؤال، كيف تعاملت الصحافة المغربية مع وثائق بنما؟ الجواب الميداني يؤكد أن بعض المواقع كتبت بكل بساطة أن “اسم منير الماجدي ضمن وثائق بنما”، بينما كتبت صحف ومواقع أخرى أن “وثائق بنما عرت كبار المفسدين”، وطبعا فإن المفسدين حسب هذه الصحف هم رئيس الوزراء الإيسلندي ووليونيل ميسي وجاكي شان ..

   محاولة توريط الماجيدي في وثائق هي محاولة لتوريط الملك محمد السادس، ولا شك أننا أيضا، وبالنظر إلى ما يتعرض له المغرب أمام موجة جديدة من “محمد السادس فوبيا”، فالأكيد أن دولة مثل المغرب أصبحت مزعجة بما يكفي، مما يفرض الضغط عليه، وهذا ليس غريبا، فقد كتبت الصحف العالمية أن وثائق بنما أفضل وسيلة للابتزاز..

   لم تظهر حتى الآن بجلاء ملامح ابتزاز المغرب عبر وثائق بنما، كما أن المغرب فضل الصمت، ويقولون أن عبد الحق المريني الناطق الرسمي باسم القصر والمستشار أندري أزولاي أغلقا هاتفيهما النقالين تجنبا للتشويش الصحفي، وحده مصطفى الرميد وزير العدل والحريات عندما سأله الصحفيون قال لهم: “إنه ليس على علم بوثائق بنما وأن معرفته قليلة بالتشريعات المتعلقة بمساطر تنظيم الضرائب والتهرب من تأديتها”.

   يمكن القول إن وثائق بنما، بغض النظر عن الصحة أو الخطأ في مضامينها، فإنها عنوان لحرب استخباراتية كبيرة بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، بل إن المستهدفين بالتسريبات، هم المستهدفون من طرف السياسة الأمريكية الجديدة، ما معنى إذن، أن يقول أوباما إن السعودية تدعم الإرهاب، وتأتي بعدها وثائق بنما لتقول، إن ملك السعودية متورط في التهريب، وما معنى أن يتصل جون كيري وزير الخارجية الأمريكي بالملك محمد السادس ليضلله .. ويقول له إن موقف أمريكا من الصحراء ثابت(..)، بالموازاة مع اجتماع لجنة (Tom Lantos) التابعة للكونغرس الأمريكي، والمختصة في مجال حقوق الإنسان في مقر آخر غير المقر الرسمي، لتدبج تقريرا صارما ضد المغرب اعتمادا على التقريرين الذين أعدتهما المنظمتين الغير حكوميتين (Human Rights Watch و Amnesty International)، وهما التقريران أيضا اللذين تختلط فيهما لعبة الصحافة الاستقصائية، وقضية المعطي منجيب، مدير مركز ابن رشد المتهم بزعزعة الاستقرار (المصدر: موقع لانكيط).

   إن لعبة الصحافة الاستقصائية تتجاوز بكثير حجم المتخيل عندنا، فالحرب الجديدة هي حرب إعلامية، والكومندو الميداني للحرب ليس قائدا للجيش، بل قد يكون مجرد مواطن مدني، وبكل اختصار، قد يكون مجرد رئيس تحرير في جريدة(..)، ألم تتسبب فضائح ويكليكس في اندلاع مؤامرة الربيع العربي، بناء على ما نشر في وسائل الإعلام..

    أمريكا تقف وراء الربيع العربي، وأكبر المدافعين عن وثائق بنما هم الأمريكيون، لذلك لا غرابة أن نقرأ تحليلا للصحفية الأمريكية فريدا جيتيس على شبكة “سي إن إن” تقول فيه عن وثائق بنما: “البعض سيحاول التقليل منها، وإنكارها، ويخبرك أن الأمر لا يعدو مجرد سوء تفاهم، سيقولون إنها زوبعة في فنجان، أو ربما ينعتونها بالمؤامرة الكبيرة، لكن لا تصدقوا كل ذلك، إنها زلزال ينحني أمامه موقع ويكيليكس خجلا.”

   ولا شك أن تحركات دولية مثل هذا النوع هي التي تفرض رفع إيقاع التحركات الاستخباراتية، وقد تجسد ذلك بالنسبة للمغرب في سفر المدير العام للأمن الوطني ومديرية مراقبة التراب الوطني “عبد اللطيف الحموشي”، إلى روسيا وذلك بدعوة من “نيكولاي باتروشيف” سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي، وقد رافقه في هذه الزيارة  كبار الشخصيات الأمنية المغربية (المصدر: موقع الزنقة 20).

   ومن المحتمل أن أحد الأثار السلبية الناجمة عن تسريب وثائق بنما، هو الإساءة للتقارب المغربي الروسي، بل إنها رفض معلن لإعادة رسم خارطة التحالف الدولي، والتي يظهر من خلالها أن المغرب، الذي تجرأ على قطع العلاقات مع الاتحاد الأروبي(..)، لم يعد رهينة لدى حلفائه التقليديين طالما أن الهدف الخفي عند بعضهم هو تقسيمه(..).

    يذكر أن تسريبات بنما توازيها تحركات معلوماتية كبيرة في المنطقة(..)، ولكن الزيارة الملكية إلى روسيا، قد يكون لها أثر بالغ مستقبلا، طالما أن الهدف من تسريبات بنما هو نفس الهدف الذي أحدث من أجله ويكليكس(…)، إن “صحافة من النوع الذي فضح وثائق بنما مجرد بزنس كبير(..)”، بل أكثر من بيزنس، وكما يقول كريستوفر دورنورنان، الكاتب في شؤون الإعلام: “من كان يتخيل أن الإعلام يمكن أن يغتصب السلطة السياسية، ويحيد العملية السياسية وصناع القرار وسط هذه الفوضى في المفاهيم.. في الولايات المتحدة الأمريكية، أكثر الأمم تقدما ومعرفة على وجه الأرض، ليس المهم ما يحدث، وإنما كيف يعرض هذا على الساحة الإعلامية.. فقد كان من المفترض أن تقدم الصحافة تسجيلا حقيقيا للوقائع، أما الآن فقد أصبحت مزيجا من الصحافة والترفيه، وترفيه المعلومات تؤسس ما يفترض أنه الواقع، وليس وفق خطة أساسية للتأثير في الجماهير، كما يصر أنصار شومسكي، وإنما عبر مدارات عبثية فاقدة للاتجاه ولاعقلانية.. وما وصلنا إليه، شيء أقرب إلى نهاية الحكم بالمعنى الذي تحدد به المصطلح يوما.. ويكمن الخطر، في أن المواطنين محدودي الوقت، يجدون كل الجدل المتضمن في هذه الصفحات مملا وبعيدا للغاية.. ثم سيلاحظون عدم مصداقية الكثير من الأخبار فيبتعدون عن عاصفة من المعلومات مؤثرين حياة أكثر هدوءا وهذا هو الخطر الكبير، والسبيل لاختفاء المجتمعات الحرة، مفقود في فضاء الإعلام دون بوصلة ترشدها..(المصدر: مقدمة قصيرة عن الصحافة إيان هارجريفر).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!