في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | “الشمال ليس جمهورية بعد.. ولكنه ليس فعلا المملكة المغربية..”

بقلم: مصطفى العلوي

   عنوان مثير، وطبعا خطير، ولكنه يجر إلى الاستمرار في كتابة الحقيقة السابقة(…) بالعدد الماضي، والتي لقيت إقبالا منقطع النظير، جرنا – مرغمين بالتأكيد – إلى الاهتمام بدعوة واحد من القراء، محمد أهمار، واحد من الأربعة ملايين وخمسمائة ألف مغربي مرتاد للفيسبوك، والذي كتب ((الرجاء ثم الرجاء، لملكنا محمد السادس، أن لا يسمع لمطالب الذي أراد فساد شباب هذا الوطن وأن يستشير أهل الحكمة، وأهل الدين، وأهل العلم)) (الأسبوع. العدد الماضي)، وهو رجاء يرجع بنا إلى الأيام.. أيام الملك الحسن الأول(…) سنة 1880، حين بدأت تنتشر في المغرب، هذه الأعشاب التي سماها المغاربة في ذلك الزمان ((الأعشاب المفسدة))، وقد تسربت إلى المغرب في عهد الملوك السعديين، وبينما كان الملك الحسن الأول، قد اكتشف أن الدباغين، الذين أعلنوا ثورة فاس(…) ضد المكس الضرائب، واستغلوا إحدى زيارات الملك الحسن الأول لفاس، ليفجروا ثورتهم على غرار ثورة الصخيرات، حيث: ((ارتجت فاس وماجت الأسواق وقامت الفتنة على ساق)) (الاستقصا).

   وأسر أحدهم أن كل الدباغين قد جعلوا من السبسي(…) ملهما لهم، وكلما سألهم مبعوث من السلطان، أجابوه: إنه العامل السراج الذي أمر السلطان باعتقاله، ولكن ثورة الدباغين استمرت، لتعكر على السلطان صفو برامجه التقدمية في

   ذلك الزمان، من رغبته في إقامة السكة الحديدية، ودشن فعلا أول قطار في المغرب، في تعاقد مع إحدى الشركات الفرنسية، ليتعمق هو أيضا، كما تعمق الحسن الثاني(…) في هجوم الصخيرات، ويكتشف الحسن الأول أن الحشيش بدأ يغزو مملكته ويفسد عليه عرشه، واضطر هذا الملك العظيم أن يعترف في بيان رسمي: ((طالما قدمنا رجلا، وأخرنا أخرى، في تسريح الصاكة (الحشيش) التي هي الأعشاب المرقدة والمفسدة(…) لما نجده في نفسنا لها من استقباح(…) ونستقذره(…) من أمرها في الغدو والرواح، مع مزيد ثقلها على فؤادنا، فأسلافنا اجتهدوا في قطعها وحسم مادتها، وأفضى بهم الحال إلى إحراقها.

   مرارا.. لما رأوا تمالؤ الرعاع(…) والسفهاء(…) عليها ارتكبوا ما جرى به التضييق على مستعمليها)) (الاستقصا).

   وحتى لا يتصرف السلطان بطريقة لا ديمقراطية في ذلك الزمان الذي لم تكن فيه الديمقراطية أصلا، ليصدر أوامر بقطع رؤوس المستعملين للحشيش، فقد استنجد بالفقهاء والعلماء ليشركهم في قرار منع الحشيش، واستفسرهم – يا علماء المغرب اليوم، الساكتين – واستجاب العلماء لاستفسار السلطان، ولم يكن علماء ذلك الزمان يتصرفون كعلماء زماننا هذا، وقد سكتوا هم أيضا، سكوت المحششين(…).

   لقد كان علماء الدولة العلوية في عز أمجادها، يأخذون الدروس من عهود من سبقوهم في الدولة السعدية التي كان أحد أسباب سقوطها، استعانتها بالأتراك(…)، وبالانفتاح على استيراد الفيلة من بلاد السودان، كهدايا للسلطان المنصور السعدي، ((وبدخول الفيلة إلى المغرب (سنة 1598) ظهرت هذه العشبة الخبيثة (الحشيش) لأن أهل السودان الذين قدموا بالفيلة، يسوسونها(…) فشاعت في بلاد درعة ومراكش(…) حيث قال اليفرني(…) هذه العشبة حرام لأنها من الخبائث التي حرمها الله على هذه الأمة المطهرة، قال تعالى: “يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث”)) (الاستقصا).

   وهكذا استفاد علماء المغرب في عهد الحسن الأول، من الدرس الذي أسقط دولة السعديين، وأجابوا السلطان بدرس موسع عن أخطار الحشيش، بدءا من الشك، في أن المحيط السلطاني(…) ربما كان يعمل من أجل الترخيص بالحشيش(…) فحذروه وكتبوا بكل شجاعة: ((تقول العامة هنا، مهما رأوا الأمير تعاطى شيئا(…) تعاطوه، لأن العامة مولعون بالاقتداء بالأمير، بينما هذه الأعشاب حكمها حكم الخمر حذو النعل بالنعل، بينما الواجب شرعا ومروءة(…) هو المبادرة إلى رفض تجارة تلك الأعشاب وتطهير ساحة الإمامة الإسلامية من قذرها)) (الاستقصا).

   طبعا، لم ينفع منع السلطان لتداول هذه الأعشاب، بأن تبقى مخربة لعقول المغاربة من عهد الحسن الأول، إلى عهد الحسن الثاني الذي عرف بالتفصيل، كيف يتحول المتجرون فيها والمروجون(…) لها إلى مافيات، تقتل وتسفك، لأن الحشيش كله مال، والمال يبرر كل شيء، وكان من حق الحسن الثاني أن يخاف على عرشه من أخطار الحشيش، لنرجع إلى العنوان المثير لهذا الموضوع: “الشمال ليس بعد، جمهورية”، وليطمئن رئيس جهة الشمال، أن العنوان ليس من إنشائنا.

   ففي سنة 2004، أصدر الصحفي شدوان بن سالمية، دراسة موسعة، عن مافيا الحشيش في المغرب، كتب لها مقدمة بحروف كبيرة ((المغرب هو أول منتج للكيف(…) عالميا، فشمال المغرب متعفن(…) لدرجة الطاعون، من طرف عصابات المافيا الخانزة(…) بالرشوة، إن الشمال بالمغرب ليس بعد جمهورية، ولكنه ليس فعلا المملكة المغربية(…) إذا ما تعمقنا في التجاهل الرسمي للتعامل مع الخروق القانونية، حيث أن الريف أصبح مجموعة إمارات(…) محكومة بمقتضى قوانين محلية(…))) (مجلة طيل كيل. عدد 24 دجنبر 2004).

   أما أن تأخذ مافيا الحشيش مسار الهيمنة السياسية، فمن الإنصاف، التذكير، بأن أصحاب نداء طنجة في مارس الأخير، ليسوا هم أول من دعا إلى تقنين الكيف، كأقرب الطرق، للهيمنة على الحكم(…)، فقد اهتز عرش الحسن الثاني سنة 1994 لصدور التقرير الأخضر، عن مسار تجارة الحشيش في المغرب، بدفع من السوق الأروبية المشتركةObservatoire Geopolitique des Drogues، وقد تضمن تقارير موثقة عن دولة الحشيش في المغرب، حيث شكل جبابرة الحشيش إجماعا وطنيا سياسيا، تولى التقرير نشر الأسماء المفصلة لأحزاب الحشيش(…) ووزراء الحشيش(…) وزعماء الحشيش(…) يمينيين ويساريين، وحتى الإسلاميين(…).

   وأصدر التقرير بالتواريخ والمصادر، كيف أن سياسيي الحشيش ليسوا ثوريين، بل مقربين جدا.. من النظام(…)، ورغم ذلك صدر في سنة 1992 قرار بمنع بعض أقطاب الحشيش من الترشيح للانتخابات، ليشرح التقرير أن ذلك القرار لم يعط نتيجة، بعد أن كانت حصانة بعض الوزراء الكبار، تمنع القرارات العليا من التنفيذ.

   وقبل نداء طنجة 2016، أعطى التقرير، بيانات عن حزب وطني، يسمى الحزب الوطني الديمقراطي(…) الذي طالب سنة 1984 بحق الناس في زراعة الكيف، وفي ذلك العهد كان رئيس لنادي كرة القدم في تاونات، يعطي لأعضاء فريقه مليون سنتيم عن كل إصابة يسجلها واحد من لاعبيه، كما كان قطب إسلامي في حي القشارين بوزان، يوزع الكباش في كل عيد أضحى، على سكان الحي، من مداخيله في الحشيش، وذكر اسمه طبعا، مثلما ذكر أسماء ملتحين آخرين، وكثير منهم في الشمال، يتوفرون على متاجر في مدينة سبتة يبيعون فيها الحشيش لسكان المدينة، مغاربة وإسبانيين، وأن هؤلاء الأقطاب الإسلاميين(…) كانوا يرددون آيات قرآنية، مبررة لاستعمال الحشيش، حيث أن إشراك المعارضة في إكمال صورة الإجماع الوطني يعتبر ضروريا، فقد أعطى التقرير نموذج المسؤول الإقليمي عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية(…) في الحسيمة، كشف عنه أحد كبار المحامين في الرباط، لأنه كان لا يتفق سياسيا معه، وربما يضايقه في تصدير الحشيش إلى أروبا(…).

   وهكذا وفيما يتعلق بالأهداف الانتخابية، لأحزاب الحشيش، فسر التقرير بصريح العبارات، كيف تصرف أموال الحشيش لشراء الأصوات، مثلما يمول أقطاب الحشيش مومسات الشوارع(…) وصغار الباعة لتوزيع المناشير الدعائية للأحزاب، وحتى شراء مواقع مراقبة صناديق الانتخابات، تشترى لتوجيهات الانتخابات في الساعات الأخيرة، بين المكلف بتسجيل بطاقة المصوت، وصندوق التصويت.

   وطبعا يفسر التقرير، كيف أن أقطاب الحشيش المرشحين للانتخابات، وعددهم كبير، يتنازلون في بعض الأحيان، لفائدة بعض مرشحي السلطة الذين ترغب الدولة في انتخابهم(…).

   وذكر التقرير، كيف أنه في سنة 1992، اتفق أقطاب الحشيش في الشمال(…) على تأسيس حزب سياسي لهم، عقدوا عدة اجتماعات بطنجة، ووضعوا الملف القانوني للحزب، وأن الأمر كان مفضوحا، لدرجة أن وزارة الداخلية، هي التي رفضت تسليم الوصل لحزب مافيا المخدرات.

   أخطر ما في هذا التقرير، أنه أعطى أسماء لأقطاب سياسيين كبار، لإتمام صورة الإجماع الوطني حول الحشيش، الذي قال التقرير بأن أقطابه في المغرب، أطلقوا عليه اسم ((إيل بيبي سلطان دي شوكولاطة)) مطلقين على الحشيش اسم الشوكولاطة.

   كيف لا، وها هو اسم أحد عمال مدينة طنجة، يصدر في التقرير بالحروف الكبيرة، فاضطر الحسن الثاني لتوقيفه، كنموذج لاستفحال هيمنة الحشيش على الشمال عبر استعمال الطابع السلطوي، بجانب الطابع الحزبي.

   وأخطر من الأسماء الممنوع حسب قانون الصحافة نشرها(…) أعطى التقرير بيانا مفصلا على لسان مدير الاستخبارات الجمركية الفرنسية، المسيو جان هنري هوكي، الذي قال في أحد الاجتماعات أن تجارة الحشيش في الضفة الأخرى(…) هي في الواقع تجارة الدولة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!