التربية على إمارة المؤمنين تفقد 10 في المائة من المغاربة كل سنة

آخر دراسات منظمة “أنليند” المتوسطية

إعداد: عبد الحميد العوني

   في أوساط الآباء، يفقد أنصار نقل القيم الدينية إلى الناشئة نسبة 10 في المائة كل سنة، وتعد إمارة المؤمنين التمثيل التاريخي لهذه القيم في المملكة الشريفة، بما يزرع الشك حول تربية أجيال تؤمن بهذا النظام الديني ـ التقليدي، وتأتي الخسارة مزدوجة في فئة الآباء بنسبة لا تقل عن 10 في المائة، وفي الأجيال الجديدة بنسب أكبر على مستوى دوائر التأثير ودوائر القرار بعد مراجعة المناهج التعليمية الخاصة بالتربية الإسلامية، وبقرار من أمير المؤمنين نفسه.

 محمد الطوزي أحد الدارسين لنظام المؤمنين والمشاركين في دراسة (أنليند) يعلن صعوبة مع أجيال صاعدة “لإفراغ روحي”

   يكاد يجزم الأكاديمي (برنار سوبرتافون) في دراسة له عام 2004، أن منصب أمير المؤمنين بالمغرب في “خدمة العلمانية”، ومن داخل “الملكية الشعبية” بتعبير (شارل سانت بروت) تتطور(شعبية) الملكية في مقابل (لا شعبية) أمير المؤمنين في الأوساط العامة والأجيال الجديدة تحديدا.

   وحسب دراسة منظمة (أنليند)، فإن نسبة المغاربة الذين يرغبون في نقل المدرسة للقيم الدينية نزلت بـ 30 في المائة بين 2012 و2009، أي أن أنصار نقل المدرسة لهذه القيم يفقدون عشرهم كل سنة.

   وفي ذوبان هذه القيم، وعلى رأسها إمارة المؤمنين، في المدرسة الرسمية يكون المغرب قد فقد كل سنة 10 في المائة على الأقل من أنصار هذا النظام الديني في المملكة، وكلما زادت (علمنة) المجتمع وزادت هامشية الشريعة ومركزية إمارة المؤمنين في الأوساط المتدينة، فقدت الأوساط الداعمة للشق الديني من النظام المغربي تأثيرها وزخمها وربما قاعدتها المتآكلة، وبهذه الوتيرة يكون آخر أنصارها في أواخر عام 2030.

   ونبه محمد الطوزي الذي درس إمارة المؤمنين وشارك في دراسة منظمة (أنليند)، إلى خطورة هذه التطورات الاجتماعية، فلم يبق سوى ثلث المغاربة الذين يودون نقل القيم الدينية عبر المدرسة، أي حوالي 30 في المائة وبمعدل نزول سنوي في حدود 10 في المائة، وستكون بداية الثلاثينات من هذا القرن مدعاة لسؤال كبير: هل سيدخل الشق التاريخي لإمارة المؤمنين المتحف كليا، وينتصر (الملك الدستوري) في الجيل القادم المهدد بأن يكون بدون روحانيات.

   وفي هذا الصدد، رأى الطوزي استدعاء البعد الفكري والفلسفي للروحانيات كي ترافق (التكوينات العلمية والتقنية).

 قيم الاستقلالية تسبق التدين عند المغاربة

   في جواب ألف من المغاربة، سبقت قيمة الاستقلال (52 في المائة) واحترام الثقافات الأخرى (42 في المائة)، القيم الدينية (30 في المائة)، وفي هذه الخلاصة الصادمة شيء كبير يتغير في قاعدة المجتمع، وهو ما انتبه إليه سياسيون مثل إلياس العماري أمين عام الأصالة والمعاصرة والذي دافع عن العلمانية، وانتقد بشدة إذاعة محمد السادس للقرآن الكريم، التابعة لوزارة اللأوقاف والشؤون الإسلامية، متهما إياها بنشر التطرف، في سابقة هي الأولى من نوعها، ودعم (الملك الدستوري) في مقابل(أمير المؤمنين) جزء هام من تطور العلمنة في المجتمع المغربي، وتنقل فصل الدين عن السياسة، إلى فصل الدين عن الدولة، بعد إثني عشر قرنا من اجتماعهما، وعلى النظام السياسي أن يتطور بما يزيد عن المعدلات التي يتبعها لاستيعاب هذا التحول الجدي والجذري في آن واحد.

   ولا يمكن قبول نظام غامض بين الملكية التنفيذية والملكية البرلمانية بعد نهاية هذه العشرية كما لن يكون هناك عامل ( إمارة المؤمنين ) لدعم محافظة النظام.

   وأطلقت المملكة مراجعة المناهج التعليمية الخاصة بالتربية الإسلامية وتدريس التاريخ، أي محاربة التطرف وثقافة العنف عند الأطفال، وشهدت الندوة الدولية التي استضافتها أكاديمية المملكة في منتصف مارس 2016 (تحولا في إعادة توجيه الأجيال الصاعدة)، واعتبرت المدرسة فاعلا محوريا للوقاية من التطرف العنيف.

 من تاريخ الممارسة إلى تاريخ الأفكار يقول الوزير بلمختار

   ترتكز المقاربة الحالية على المناهج التاريخية، ويرى الوزير بلمختار، أن الانتقال متوقع من تاريخ الممارسة إلى تاريخ الأفكار والتطورات التي أفضت إلى الحضارات وإلى تقدم الإنسانية، وهذا (التاريخ الخاص بالأفكار والتعايش والمعارف لا ندرسه حاليا لأطفالنا للأسف) يقول الوزير المكلف بالتربية في حكومة بن كيران.

   ويرى أمين السر الدائم لأكاديمية المملكة عبد الجليل الحجمري، أن المغرب يراهن على المقاربة التربوية في الوقاية من التطرف، ضمن مجاله الوقائي الذي ميز نموذجه وقال: إن المدرسة تشكل الفضاء الأمثل للتعلم والتنشئة الاجتماعية، وترسيخ القيم المشتركة وإرساء الثقة في الذات وقبول الآخر، وأوضح الوزير بلمختار (أن القدرة على العيش معا، والتعاون والبناء لا يتعلمها الأطفال في المدرسة الآن، مما يعمق الفردانية، ويغيب روح الفريق والتشارك)، وتعمل وزارته والأكاديمية وباقي أطراف المقاربة الرسمية على (الطرق والبيداغوجيات وهي عوامل أساسية للتغيير).

 إمارة المؤمنين جمع لمذهب مالك وإنصاف آل البيت وقبول الاجتهادات “عبر مذهبية” في مدونة الأسرة

   رغم أن إمارة المؤمنين على الطريقة المغربية، جمعت تاريخيا بين إنصاف آل البيت وإسلام الأنصار من عمل أهل المدينة في مذهب مالك وقبول الاجتهاد (عبر المذهبي) في مدونة الأسرة، فإن تأخر القيمة الدينية عن قيمة الاستقلالية وقيمة التعدد الفكري يدفع إلى يقين واحد: تفكيك الخصوصية المغربية بطريقة متدرجة وسريعة، وتزداد هذه الرؤية عمقا إن علمنا:

   1 ـ أن بناء مقاربة جديدة لإمارة المؤمنين من خلال الاستقلالية (الجماعية) للمغاربة ستمكن من تجاوز التناقضات الحالية وتحديات الأجيال الجديدة.

   2 ـ أن بناء إسلام لا عنفي، يذهب بعيدا في نقل قيمة (العنف) إلى دولة القانون، وفي حالة فشلها ستكون (بربرية) الأجيال القادمة “غير قابلة للتدبير والإدارة”.

   3 ـ أن الوقاية من التطرف العنيف، قد يدفع إلى نقل قيم التطرف من المجتمع (إلى الدولة)، ولن تسمح الأجيال الجديدة بذلك إلا في أطر تحددها ولا يحددها الغير.

   4ـ أن الهوس ببناء النموذج، أو السعي في كل شيء إلى النمذجة جهد مغربي قد يضاعف من ردوده العكسية.

   5ـ أن الاندماج على أساس قراءة جديدة للتاريخ لن يكون دون (بنيات واحدة) في السيكولوجيا الجماعية وهذه فرصة مفقودة إلى الآن.

   ومن المهم في هذا الجهد “فكرة” إمارة المؤمنين، وليس بالضرورة نظام إمارة المؤمنين، وأي فشل في القراءة التقنية لواقع التطور والتقدم على أساس علمي وتقني سيؤدي إلى نتائج عكسية تماما، فالمشكل ليس أفقيا كما يقول وزير التعليم، بل مشكلا عموديا أيضا.

هل تساعد “الملكية الشعبية” إمارة المؤمنين بعد انحسار انتقال القيم الدينية في المجتمع المغربي؟

   حسب الأكاديميين الفرنسيين، هناك “ملكية شعبية” بالمغرب، ونتساءل هل ستفيد شعبية الملك في الحفاظ على مقام إمارة المؤمنين.

   قبل أي مصادرة، يمكن القول أن (الصورة الذهنية العامة واحدة) فيما يخص نظام الإمارة والملكية، إلا أن تأخر القيم الدينية عن باقي قيم العصر وعلى مستوى سلوك المغربي سيخلف فجوة ولا شك، أي انقسام على صعيد الصورة الذهنية للعرش ستكون له تبعاته ولا شك، وإحداث “قيم مشتركة جديدة”، قد تكون الحل في إطار الفصل الذي يؤسس له النظام بين الدين والسياسة فيما تلتقي الدولة والدين في شخص الملك.

   وسيسير أي تأخر لفهم قيمة أو مقام (إمارة المؤمنين) في اتجاه معارضة النظام روحا وواقعا، واضمحلال الروح الجماعية للدين، لن يكون على حساب نظام الحكم بل الشعب نفسه، حيث قيم العرق مؤهلة لملء الفراغ القادم في منظومة القيم العامة.

 الهوية العرقية تأخذ مكان الهوية (الدينية) في أوساط المجتمع المغربي

   في انقسام الهوية الرسمية إلى لغتين، وفي ظهور وعي جديد بالجهوية قد يؤدي عدم استيعابه إلى مزيد من التمزق الهوياتي، فتعويض الهوية الدينية في الحكم بهوية أخرى، قد يدفع إلى أزمة جديدة انتبه إليها البعض ودعا إلى طريق ثالث بين الهوياتيين والتكنوقراط.

   وتريد الدولة تربية تكنوقراطية إن صح التعبير، قد يخلف الجيل المعترض لها منحى وطنيا، وقد يدفع إلى انقسام جديد في المجتمع، لأن المجتمع السياسي سيكون مغلقا إلى حدود  صعبة.

   وإذا شهدت المملكة انفتاحا كبيرا على الشرق والغرب، فإن التقدم نحو هوية محلية، ولا سياسية ولا دينية في آن واحد، سيعطينا أفقا واحدا هو الأفق العرقي.

   ويعرف الجميع كيف ينقسم المشهد الحزبي بين الديني والعرقي وإن بصورة معتدلة أو (لايت)، وحسب تغطيات غربية، لن يوقف الولاء للعرش التوجه العميق نحو هويات صغيرة ومتحجرة لكل من حزب العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة.

   وفي ظل الشعبوية المفرطة التي أغرقت الخطاب الحزبي المغربي في السنوات الأخيرة سنجد (الغرائز) متقدمة عن غيرها، وأغلب الناخبين لا يسمعون باستخدام آذانهم، بل يسمعون من خلال غرائزهم كما يقول توماس فيردمان في تفسير ظاهرة (دونالد ترامب) في الولايات المتحدة.

   ونعرف إلى أي حد عرف الشرق الأوسط صداما في إطار جمود الأفكار من الأنظمة ومن المعارضة، وكيف فشل القائد أو الزعيم في التواصل خارج العنف القادم من الغرائز.

   وأعجب كثير من الناخبين المغاربة ببن كيران أو إلياس العماري لشعورهم الغريزي الذي وصل أخيرا إلى انتقاد (إذاعة محمد السادس للقرآن الكريم) وتثبيت (أجزاء جديدة) في المعادلة المغربية، منها الدفاع عن زراعة القنب الهندي، وفي الجانب الآخر، لا يتحدث بن كيران خارج جبة إمارة المؤمنين.

   وتذهب هذه التوجهات الجديدة إلى تغيير (الأمن الاجتماعي) الذي ينحدر، وقد يضع في كل مرة إلى جانبه الدفاع عن الإجراءات الليبرالية المتوحشة (بن كيران)، أو العمل لصالح الطبقة الحاكمة، وفي الحالتين، هناك من يخدم الطبقة أو يخدم إجراءاتها والناخبون مشدوهون لاكتشاف الغريزة التي تشبه قناعة متدين أو قناعة مؤمن بعرقه، ولا عجب، فالكل يعرف كيف تدفع النخب نفسها إلى هامش من الفوضى تحت إدارة أمن النظام، وتجاوز هذا التدبير الداخل المغربي نحو الخارج.

   واليوم، أصبح حزب الأصالة والمعاصرة مثالا لشحن نفس البطارية التي تخسر طاقتها مع بن كيران، فالعرق يعوض الدين، وقد يذهب التناوب بينهما سنوات قليلة قبل أن ينفجر.

 في ولاية ثانية لحكومة بن كيران (ستنزل إمارة المؤمنين) في النظام التربوي المغربي إلى الدرجة صفر

    حسب معدلات الهبوط التي أشارت إليها دراسة (إنليند) في أوساط المغاربة الراغبين في نقل المدرسة للقيم الدينية بين 2009 و2012 يكون بمعدل 30 في المائة عام 2012، وبمعدل سنوي يصل إلى 10 في المائة، ستكون نهاية ولاية ثانية لحكومة بن كيران بنهاية المغاربة الراغبين في نقل القيم الدينية وعلى رأسها إمارة المؤمنين في المملكة عبر المدرسة.

    وحسب نفس الدراسة، كان ثلثا المغاربة ( 60 في المائة) قبل تنصيب حكومة بن كيران من الراغبين في نقل القيم الدينية عبر مدرستهم الرسمية (أو الخاصة)، بل عرف الجميع فورة من المستثمرين (الإسلاميين) في قطاع التمدرس الخاص، وكانت لهم سمعة جيدة وواسعة انتهت مع الحكومة التي يقودها إسلامي.

   ويخاف الليبراليون واليساريون من هذا الفراغ، وعلى هذا الأساس، يدافع بعضهم بقوة غير مسبوقة، عن إمارة المؤمنين في الحقل السياسي والاجتماعي والتربوي داعمين إصلاحات مرتقبة بين المستشار الملكي والوزير بلمختار وأكاديمية المملكة، وتتخوف القواعد السياسية حاليا من الانشطار غير المرئي للساحة الحزبية والسياسية بين الغريزة الدينية أو العرقية التي بلغت حد تضمينها في تقارير أممية لمعالجة قضية الصحراء جنوب المغرب، وتدور حرب حول كيان عربي تحت الحكم الذاتي في الصحراء مقابل عدم وجود كيان أمازيغي مماثل في الشمال.

   إن جمود (الصحوة) الإسلامية وأفكارها، جمود مماثل للمنحى العرقي المتضامن مع سياسات حكومية سبق انتقادها بشراسة، يذهب بعيدا في تراكم الأفكار التي أصابها الجمود عبر سنوات دون أن تتوقف النخبة الأمازيغية أو الإسلامية عن تجديد نفسها.

    وفي إطار محاولة تجديد النظام لبعض آفاقه، يسقط أيضا في النزعات التي استهلكها منذ 1995، وإلى خطاب أجدير في قضايا الأمازيغية، واستهلك الإسلاميين إلى 2016، ولم يعد ممكنا استغلال هذه الاتجاهات دون تجذيرها، وهو ما شعر معه النظام بالخطر، فأعلن حربا دبلوماسية في الصحراء لتعزيز وحدته الداخلية، ونسأل سؤالا واحدا، ما هو المغرب الذي نحيا فيه الآن؟ وكيف يمكن لنظام الحكم استغلال القيم المحافظة بطرق لا تنحرف عن الاستقرار الحالي.

   إن قيم السوق التي يدافع عنها جميع المغاربة، تستوجب في المدى المنظور قيم الحرية والديمقراطية المناسبة والتي لا تتحول معها القيم إلى دعوات جذرية في التيارين الإسلامي والأصولي.

   من جهة، لم ينجح المغرب في خطواته المباشرة لإطلاق مشروع حكم ذاتي بادر إليه لحل قضية الصحراء، فربطه بجهوية ضعيفة نكصت بهذه القيم إلى حد يصعب معه التقدم نحو التنمية الذاتية، ومن جهة أخرى، نافست الحساسية الأمازيغية في حزب الأصالة والمعاصرة الحساسية الصحراوية، وتخوف الجميع لأول مرة من مشروع قبلي، فعولجت المشكلة بطرح أرضية سياسية للحزب لإخراجه من الضبابية التي وجد بها منذ التأسيس، وحدث نفس الأمر مع الحساسية الدينية العاملة في الحقل السياسي، ولم يعرف أحد كيف استغل بن كيران مصالحة قيم إسلامية مرنة جدا مع قيم السوق بطريقة متطرفة، فالذي لا يسقط من الإسلاميين في تطرف الراديكالية أو العنف، يسقط في تطرف آخرعلى مستوى المصالحة غير المنتقاة مع قيم السوق، وأي ولاية ثانية لحكومة بن كيران ستضعف إمارة المؤمنين من موقع دفاع الإسلاميين عن (الإجراءات المتطرفة) للسوق، وبقانون التاريخ ستتحرك الطبقات المتوسطة والدنيا لرفضها.

 أجرأة “مدرسة الجودة والإنصاف” من قيم محايدة وكونية تضع سؤال نهاية الخصوصية المغربية في مقدمة الانشغالات

   إن تقدم قيمة (الاستقلالية) وقيمة (الاختلاف) عند المغاربة على القيمة الدينية في العقد الحالي، يكشف إلى أي حد تواصل “العلمنة الاجتماعية” الدور المنوط بها في تقلص قيمة الخصوصية أمام العولمة وفقدان الحاضنة الاجتماعية لإمارة المؤمنين إلى حد بعيد.

   ولم يعد ممكنا الحديث عن التربية اليوم عن الأركان الأربعة لاستراتيجية عزيمان: التعاطي الفوري مع المشاكل اليومية وإرساء الترسانة القانونية والتنظيمية، والاهتمام بالتحليل والتفكير ومساءلة أدوات وقيمة ومردودية المنظومة التربوية، بقدر ما يواجه المسؤولين تحد آخر يتعلق بتغيير القيم، وهو التحدي المركزي لكل قادة الشأن التربوي في المملكة.

   ويأتي العمل على ضوء المساواة وقيم الديمقراطية أساسا لروح ليبرالية متوقعة في التربية والتعليم، من خلال داعم بشري يرفض تحجر الخصوصية في أفق التكريس النهائي للملكية الدستورية، وفي المدى المنظور، فإن أي تجذير حقيقي للملكية الدستورية هو حصار متوقع لإمارة المؤمنين.

   إن إلحاق التعليم العتيق بموجة (الإصلاحات والتحديث) التربوي يعد إلغاء مباشرا لقيم أخرى تقليدية، وإعطاء مضمون جديد على صعيد التعليم الأصيل أو العتيق، سيمس ولا شك بقيم (إمارة المؤمنين) على صيغته التقليدية.

   وعلى هذا الأساس، فإن أي مضمون حديث لإمارة المؤمنين يساير بالضرورة (التحديث البيداغوجي) للتعليم العتيق والأصيل، وكذلك يكون التحديث التربوي عاملا على إبراز مضمون حقيقي لقيم التاريخ المحلي لمشاركة التحديث في بناء صورة أخرى عن التاريخ النبوي والديني.

   ومن الصادم أن يسود حياد سلبي بين تجديد منظومة التعليم الديني ومضمون “إمارة المؤمنين” في المملكة أو تحدث فجوة قد تفجر منظومة معيشة دون بديل موفق.

   وتبعا لهذه المقدمات، يكون منسوب الثقة بين الممارس الميداني والخطة الموضوعية طارحة لشيء “رئيس” يتحدد في القيم.

   ويبقى السؤال، هل إمارة المؤمنين في المغرب قيمة أم بنية؟ والشيء المؤكد أن تحولها إلى قيمة ضرورة مغربية من ضرورات العصر، لكن من دون فقدان مضمونها الإيجابي الذي يحرص عليه التعليم العتيق والأصيل، وانتهى الإسلاميون إلى أشكال من القناعة ودعم الملكية وإن دون إشارة واضحة لـ (إمارة المؤمنين).

   وكلما انعزلت قيمة (إمارة المؤمنين) عن بنيتها (المعروفة بالمخزن مرة وبالملكية عموما)، زادت ضرورة العمل على شيء متقدم على صعيد (مضمون) هذه الإمارة، والقول بحداثته من البداية يؤسس لخارطة طريق جديدة ومؤكدة.

 ضحالة البنية القبلية تتجه بالمغرب نحو النزعة العرقية وتأخر قيمة الصحوة الإسلامية أمام تطبيعها البنيوي مع بنيات (المحافظة) داخل النظام وبيئته إفلاس مؤكد لقيم التدين (الاجتماعي والسياسي)

    في كل التقديرات يمثل الإسلاميون المغاربة انعكاسا أو طرحا نقيضا لإمارة المؤمنين، وليس لهم صلة مع الملكية الدستورية غير المختلف بشأنها بين الإسلاميين، إلا من حيث الرغبة في جذريتها ورفض أن تكون صورية، وهذه المسألة سياسية تجمع مختلف المشارب الإيديولوجية السياسية في المملكة.

   ومن المتوقع أن يكون تأخر التعاطف مع إمارة المؤمنين وتكريس الملكية الدستورية الخالصة أو البرلمانية مدعاة تذويب جزء كبير من العدل والإحسان (الإسلامية) والسلفية العنيفة أيضا، إن تحقق لها وضع متقدم في الحريات وممارسة السلطة. ومعلوم بالضرورة، أن إمارة المؤمنين متصلة بالخلافة الراشدة فإن تحقق الحكم الرشيد تحققت أهداف الإمارة الإيمانية. وسيكون جازما في التربية، الاتصال بقيم الحكم الرشيد وتتبع حكامة المنظومة التربوية، وقيامهما في (إمارة المؤمنين) يزيد من تأثيرها، وإلا تراجعت.

   ويتفق المتخصصون الاجتماعيون على قول واحد: إن الفشل في إدارة ما بعد الثورات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا انتهى بتحميله للإسلاميين، وهذه الفاتورة تثقل مع إعلان الخلافة في العراق وتأثير باقي الأنظمة العشائرية والدينية في المنطقة.

   ويملأ هذا الفراغ الذي خلفه المتدنيون فئة العرقيين، الوجه الجديد للقبليين، وأيضا العلمانيين انطلاقا من دعوى الدولة المدنية ودون تحذير للقيم الليبرالية ستسود “قيم مجزأة”، ولن يكون معها الوصول إلى سلم اجتماعي بعيد المدى.

 القيم الحداثية التي يعد بها (عزيمان ـ بلمختار ـ عبد الجليل الحجمري) ليس لها مضمون واضح، فليست ليبرالية أو اشتراكية وإن كانت عولمية فمن أي منظور، ويكون الإنتاج القيمي المتوقع لإصلاح المدرسة ومنظومة التربية والتعليم (توفيقي بدون بنيات) في ظل قيم فرنسية جديدة، في العلوم التقنية وتأطير ذاتي للدينامية التعليمية في باقي الشعب

   ستعود المملكة إلى انقسامها بين تكنوقراط، يعمل في كل الأجواء وتعليم عتيق وأصيل في الطرف الآخر بدون قيم واضحة، وفي هذه الترتيبات لا تزال المؤسسة الملكية تمارس دورا استشاريا مع عزيمان في موضوع التعليم، وإن حوله بلمختار إلى دور تنفيذي، لكن الانتقال من مشاريع الفرنسة التي وصفها  رئيس الحكومة (بالخطيرة على الأمن المجتمعي) إلى تحديث التعليم العتيق والأصيل جرأة غير مدروسة، لأن عدم السماح ببنيات محافظة تنتج قيمها خطرا في توازنات أي مجتمع لا يأخذ بعين الاعتبار خصوصيته التي لا يختزلها طرف ما، ويكون إبداع تعليم وطني حديث هو إبداع لمشروع وطني، وهو إلى الآن مشروع مصطنع ودعائي.

 2030 نهاية للرؤية الاستراتيجية للتربية والتكوين، وأيضا سنة نهاية مخزون الفئة المدافعة عن نقل المدرسة للقيم الدينية التي تكرس في مقدمتها إمارة المؤمنين

   إنه تحد مزدوج أن يبدأ العد العكسي لإصلاح التعليم العتيق والأصيل في المملكة، وتنطلق التراجعات في فئة المحافظين الراغبين في نقل المدرسة لقيم الدين التي نجد فيها قيمة إمارة المؤمنين أول القيم الرسمية في المملكة، وتاريخ النهايات واحد: 2030.

    ويزيد الأمر صعوبة عندما ندرك أن التأخر في  تحول إمارة المؤمنين إلى قيمة لعدل الإسلام وباقي القيم المعروفة عالميا، أو تركها كبنية تقليدية للحكم (المخزن) أفق واحد يستوجب إصلاح التعليم والسياسة في المغرب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!