سقطة الأمين العام بان كيمون ستبقى وصمة عار في ملفه المهني

   إن التصريحات غير المحسوبة للأمين العام للأمم المتحدة بان كيمون في هذا التوقيت بالذات، يجعلنا نطرح مجموعة من التساؤلات، ما الغرض من وراء تصريحاته؟ لماذا الأمين العام لم يسر على نهج أسلافه الأمناء العامين للأمم المتحدة الذين سبقوه في تدبير هذا الملف؟ كل ذلك يدفعنا إلى أن نسلط الضوء على بعض المقررات الأممية التي صدرت في موضوع النزاع حول الصحراء، وقد كان من المفترض أن يلتزم الأمين العام الحياد تجاه جميع القضايا المعروضة أمامه وألا ينحاز لطرف دون الآخر، فإذا كان من بين أهم أهداف الأمم المتحدة الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين، فهل تصريحات بان كيمون تذهب في هذا السياق، أم أنها تهدف إلى جر المنطقة إلى صراع لا نعلم عواقبه.

   إن مسلسل التنمية الذي ينهجه المغرب بقيادة ملكه الشاب، وعلى رأس أولوياته التنمية في المناطق الصحراوية، وما المشاريع العملاقة والمبالغ الضخمة المرصودة التي أعلن عنها الملك مؤخرا في زيارته الأخيرة للمناطق الصحراوية إلا خير مثال على ذلك، هي التي أثارت غضب الجزائر التي ترزح تحت مجموعة من المشاكل والتي كان أولى بها، أن تهتم بشأنها الداخلي بدل دعم صنيعتها جبهة البوليساريو، ونسج الدسائس ودعم اللوبيات لحشد التعاطف الدولي معها.

   فإذا كانت دبلوماسيتنا مازالت تعاني مجموعة من المشاكل تتركها دائما في موقف رد الفعل، فإنه عكس ذلك جبهة البوليساريو، ووراءها النظام الجزائري تعمل وفق استراتيجية واضحة، هي خلق المشاكل للمغرب، بحيث لا تكل ولا تمل في طرق جميع الأبواب وتوظيف جميع الوسائل لتعقد مسألة إيجاد الحل للنزاع في الصحراء المغربية.

   رجوعا إلى مقررات الأمم المتحدة التي ضرب بها بان كيمون عرض الحائط، فقد تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال شهر دجنبر 1960م قرارين متتابعين، الأول تحت رقم “1514” والثاني تحت رقم “1541”، رغم أن القرار الأكثر شهرة هو القرار “1514”، الخاص بإعلان منح الاستقلال للأقطار والشعوب، والذي شكل بداية مسار ثوري من داخل الأمم المتحدة حيث جاء فيه: “إن الجمعية العامة تعلن رسميا ضرورة وضع حد وبسرعة دون قيد أو شرط للاستعمار بجميع صوره ومظاهره، ولهذا الغرض نعلن أن:

        لجميع الشعوب الحق في تقرير مصيرها، ولها الحق أن تحدد بحرية مركزها السياسي وأن تسعى بحرية إلى تحقيق إنمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

لكن القرار يضيف ما يلي:

        كما كل محاولة تستهدف التقويض الجزئي أو الكلي للوحدة القومية والسلامة الإقليمية لأي بلد، تكون متنافية ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه.

   وهذا البند الأخير، هو الذي يهمنـا نحن في هذه القضية.

   فمن بين أهم الإشكالات الغامضة التي طرحها حق تقرير المصير الذي حث عليه القرار 1514، هو ذلك التعارض البَيِّن بين ما يعتبر من قبيل تصفية الاستعمار، وما يعتبر انفصالا، مما أدى إلى رفض تطبيق هذا المبدأ من طرف العديد من الدول باعتباره يهدد كيان الدول المستقلة ووحدتها الترابية المنصوص عليها في الفقرة السادسة من القرار رقم 1514 الذي سبق ذكره. ومن تمة، فإن تطبيق المبدإ يقتصر على الظاهرة الاستعمارية دون غيرها من النطاقات التي تهدد السلامة الإقليمية للدول المستقلة.

   ويمنح تاريخ الأمم المتحدة، إلى حد ما، دعما لـ “أطروحة” أن تقرير المصير هو في أساسه أداة لتصفية الاستعمار، وليس دعوة للانفصال، ومثال على ذلك إدانة الأمين العام السابق السيد “يوثانت” المحاولة الانفصالية لإقليم “بيافرا” عن “نيجيريا”، حيث أعلن في ندوة صحفية عقدها بالسينغال بتاريخ 4 يناير 1970: “أن الأمم المتحدة كمنظمة دولية لم تقبل ولن تقبل أبدا، وهذا هو اعتقادي، مبدأ انفصال جزء من إقليم دولة”. إذن فهذا القرار يحث على ضمان بقاء الوحدة الترابية للدول.

   ثم جاء بعد ذلك الرأي الاستشاري الذي أعلنت من خلاله محكمة العدل الدولية، أن الصحراء المغربية لم تكن أرض خلاء، وأن هناك روابط قانونية بين الشعب الصحراوي والسلطة في المغرب، وبذلك تم الاعتراف بخصوصية السيادة المغربية التي تختلف عن المفهوم الأوربي للإقليم المحدد بحدود مادية، بوجود الرابطة الشخصية للبيعة لدى القبائل، وهي ارتباط الأشخاص بالجلالة الشريفة الذين يربطهم بها الدين الإسلامي، وقد كتب نائب رئيس محكمة لاهاي في 16 أكتوبر 1975، السيد أمون ما يلي: “إن البيعة المقدمة للملك هي ذات طابع سياسي ودستوري… فضلا عن ذلك، كان السلطان في عهد الاستعمار الإسباني، أي في نهاية القرن التاسع عشر، يجمع في شخصه السلطتين التشريعية والتنفيذية التي تنضاف إليها السلطة الروحية، وكان يمارس هذه السلطات بواسطة ظهائر وكانت هذه الظهائر توقع فقط من طرف السلطان وهذا أمر له دلالته”.

   فإذا كان دور المنظمة هو حفظ الاستقرار في العالم، والحفاظ على الوحدة الترابية للدول، والحد من النـزاعات الإقليمية والدولية، ولعب دور الضابط والحافظ للتوازنات الدولية، والعمل على احترام مقررات الأمم المتحدة، فإن أمينها العام، ومن خلال التصريحات التي أدلى بها، والسلوكات التي عبر عنها خلال زيارته الأخيرة لتندوف، قد ضرب كل هذه المقررات عرض الحائط واعتبر المغرب بلدا محتلا متجاهلا كل هذه المعطيات، ولا أظن ذلك جهلا منه بملابسات القضية، لأنه لا يشتغل لوحده بطبيعة الحال، بل له طاقم متكامل من الخبراء والمستشارين والمساعدين، ولكن لغاية في نفس يعقوب، لقد سقط الأمين العام سقطة تظل وصمة عار في ملفه المهني، ولم يحسب جيدا مآلات تصريحاته المتهورة، وما قد تجره على المنطقة التي تتهددها مجموعة من المخاطر الإرهابية، وأظن أن الجزائر أغاضها أن يكون المغرب البلد الوحيد المستقر في المنطقة، فوجدت في هذا الأمين العام دعما لأطروحتها والثمن الذي أخذه مقابل ذلك ستكشف عنه الأيام لا محالة.

سومية الطاهري

*باحثة في العلاقات الدولية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!