في الأكشاك هذا الأسبوع

أنور وجدي طلب من الله مليون جنيه ومعه داء السرطان فاستجاب الله لدعائه

بقلم: رمزي صوفيا

   يعتبر أنور وجدي من أذكى وأعظم النجوم الذين سطع نجمهم في عالم الفن السابع، وقد عانى كثيرا في مطلع حياته الشخصية.

   ولد أنور وجدي في مدينة القاهرة سنة 1904، وكانت أسرته تعمل في تجارة الأقمشة في حلب، وانتقلت إلى مصر في منتصف القرن التاسع عشر، والتحق أنور بمدرسة “ألفريد” الفرنسية، والتي تعلم فيها المخرج حسن الإمام والفنان فريد الأطرش والمطربة اسمهان والفنان نجيب الريحاني، وهكذا تميز أنور وجدي بثقافته الفرنسية الراقية.

   أثناء تصوير فيلم “ليلى بنت الفقراء” عام 1945، وقع أنور وجدي في غرام المطربة والممثلة اليهودية ليلى مراد، وعرض عليها الزواج فوافق والدها المطرب والموسيقار زكي مرخادي، الذي أصبح اسمه فيما بعد زكي مراد ووافق أيضا شقيقاها، مراد زكي وموريس الذي اسمه منير مراد. وتم إحضار المأذون للأستوديو، حيث تم عقد القران داخل البلاتوه وارتدت ليلى مراد الفستان الأبيض والطرحة البيضاء، واستخدم مشهد الزواج الحقيقي كجزء من فيلم “ليلى بنت الفقراء”.

   وبعد الانتهاء من التصوير، أخذ أنور وجدي زوجته ليلى مراد إلى شقته الجديدة بعمارة الإيموبيليا بشارع شريف “ناصية شارع قصر النيل”.

   مرت الأيام الأولى سعيدة، ولم يكن يزعج ليلى إلا صوت مؤذن الفجر من المسجد المجاور لعمارة الإيموبيليا.. كانت تقوم منزعجة، وتحاملت على نفسها أكثر من مرة، لكنها كانت تعيش متوترة، وبدأت تطالب زوجها أنور وجدي بأن يبحث عن شقة بعيدة عن المساجد التي يؤذن فيها الفجر الذي يؤرقها، فوعدها أنور بشراء شقة بعيدة.

   وفي اليوم التالي، ارتدت ليلى زيا محتشما عبارة عن “تنورة طويلة” لونها أبيض، ووضعت على رأسها طرحة بيضاء، وذهب أنور وجدي إلى مشيخة الأزهر واستقبلهما هناك الشيخ محمود عبد العزيز مكي وكان ذلك في عام 1946، حيث دخلت الإسلام، وكان ذلك في رمضان قبل العيد بثلاثة أيام، أي في ليلة القدر، وأقامت أكبر مأدبة إفطار للفقراء أمام عمارة الإيموبيليا، وقطعت الطريق أمام المواصلات والمشاة لفرش الموائد، وكانت أول مرة يقطع فيها الطريق في مصر، حيث كانت هناك فرحة العابرين وأصحاب السيارات كبيرة عندما عرفوا المناسبة، وبعضهم توقف بسيارته ودخل الشادر ليتناول الإفطار مع مشايخ الأزهر وليلى مراد وأنور وجدي وأصدقائهما من أهل الوسط الفني والإذاعي.

   كان حلم ليلى مراد أن تنجب من أنور وجدي لكن الله لم يرزقها بالذرية.

   وبعد فترة على زواجهما، تغيرت أحوالهما، وبدأت مداخيلهما الفنية والسينمائية تكبر وتكبر، فأسسا معا شركة للإنتاج السينمائي، وقام أنور وجدي ببطولة فيلم “غزل البنات” أمام زوجته المطربة الحسناء، وتولى مهمة إخراج الفيلم أيضا، وشارك في هذا الفيلم مجموعة كبيرة من نجوم الشاشة كنجيب الريحاني، أما الموسيقى التصويرية للفيلم، فقد لحنها الموسيقار عبد الوهاب، مما جعل الفيلم عبارة عن عمل فني ضخم،ونجح نجاحا منقطع النظير حيث حقق مداخيل هائلة بعد توزيعه في عدة بلدان عربية.

   ورغم الثراء الكبير الذي منّ الله به على أنور وجدي، فقد اشتهر ببخله الشديد وحرصه على المال، بل إنه كان لا يترك فرصة تفلت دون استغلال أموال زوجته ونهب مداخيل الشركة التي كانا يمتلكانها معا، وعندما تأكدت ليلى مراد من كل ذلك طالبته بالطلاق فتم لها ذلك.

   ولم تتوقف ليلى مراد عن التمثيل بعد الطلاق مع أنور وجدي وشاركته بطولة أفلام “قلبي دليلي” عام 1947، ومعهما بشارة واكيم، وزوزو شكيب، وفريد شوقي، وحسن فايق، واستيفان روستي، وسعيد أبو بكر، ورياض القصبجي، ومحمود شكوكو، وإسماعيل ياسين، والمطربان عبد العزيز محمود ومحمد سلمان وهو من إخراجه، وأيضا فيلم “الهوى والشباب”، قصة أبو السعود الأبياري ومن إخراج نيازي مصطفى ومن بطولة ليلى مراد وأنور وجدي وحسن فايق وعزيز عثمان وفتحية شاهين ومحمود شكوكو وماري باي باي ومحمد سلمان وشرفنطح وسامية رشدي.

   وفي عام 1948، مثلت ليلى مراد مع أنور وجدي فيلما من إخراجه ومن تأليف محمد كامل حسن المحامي هو “عنبر” بطولة ليلى مراد وأنور وجدي وبشارة واكيم وحسن فايق وغسماعيا ياسين وشكوكو وإلياس مؤدب وفريد شوقي وعزيز عثمان.

   وبعد مدة تزوج أنور وجدي من جميلة الجميلات آنذاك، الفنانة ليلى فوزي، ولكن زواجهما لم يدم طويلا لأن المرض الخبيث كان قد تفشى في جسد أنور وجدي، حيث سافرت معه إلى السويد لمحاولة علاجه لدى أكبر الأطباء، ولكن الموت كان في انتظاره هناك، حيث عادت معه ليلى وهو جثة هامدة في الصندوق. وكانت وفاته صدمة كبيرة للوسط السينمائي ولجماهيره العريضة لأنه رحل في سن الخمسين.

   وبعد سنوات طويلة، التقيت أرملته، جميلة الأمس ليلى فوزي وأجريت معها حوارا صحفيا حاولت من خلاله الحصول على معلومات غير مطروقة، فسألتها: “هل صحيح أن أنور وجدي كان يحب المال حبا هائلا؟” قالت لي: “اسمع يا رمزي، من منا لا يحب المال، ومن يرفض النعمة إذا جاءته من كل مكان؟ والمرحوم أنور وجدي كان يعرف كيف يكسب المال لأنه كان يتمتع بذكاء غير عادي”. سألتها: “وهل كان متأثرا بحياته السابقة عندما كان فقيرا معدما؟” قالت: “نعم، فقد عانى كثيرا وعاش فقيرا في مطلع حياته الفنية، حتى أنه كان يتغذى فطورا وغذاء وعشاء بالفول والطعمية فقط ،لأن أجره كان زهيدا جدا حيث كان المخرجون يعطونه جنيها واحدا عن كل دور كومبارس يقوم به. وأذكر أنه ذات يوم قال لزملائه: “لقد مررت بجانب مطعم فاستنشقت رائحة الفراخ المحمرة” وأغمض عينيه طويلا فوجد المخرج أمامه وهو يمد له مبلغ خمسة جنيهات ويقول له: خذ هذا المبلغ واذهب لتأكل الفراخ في هذا اليوم، فطار أنور طيرانا وهو يجري نحو أقرب مطعم لتناول وجبة فراخ شهية في الغذاء”. سألتها: “وهل كان بخيلا؟” قالت: “لقد كان هذا هو عيبه الوحيد: البخل الشديد والحرص على المال. وأعتقد أن فقره في السابق هو الذي جعله يحسب ألف حساب وحساب لكل مليم ينفقه”. فقلت لها: “أرجو أن تقدمي لي معلومات عن أنور وجدي لم تنشر من قبل من طرف الصحافة” فقالت لي: “لقد كان، وكما قلت لك في مطلع حياته فقيرا فقرا مدقعا، ولكنه كان يتمتع بصحة جيدة جدا. وعندما عاد من وجبة الفراخ التي تحدثت لك عنها، وقف وسط البلاتوه أمام زملائه ورفع يديه إلى السماء ودعا الله بصوت مرتفع وهو يقول: “يا رب إن المال طيب ويجعل الإنسان يذوق كل شيء طيب، أطلب منك يا رب أن تعطيني مليون جنيه وتعطيني السرطان مع المليون جنيه”. فانتفض زملاؤه في الاستوديو وقالوا له: “هل أنت أحمق، كيف تدعو على نفسك وتطلب من الله أن يحرمك من صحتك؟” فقال لهم: “وماذا سأستفيد من صحة وقوة بدون مال. فقد تلذذت اليوم بوجبة فر اخ لم أكن قادرا على تناولها لولا المال. فالمال هو كل شيء في هذه الحياة ومرحبا بالمرض إذا كنت سأصبح غنيا”، وفعلا أغدق الله على أنور المال الوفير، وصارت ثروته حديث الخاص والعام، ولكن المرض دب إلى جسده وأخذ ينهشه حتى قضى عليه وهو في عز شبابه وعز نجاحه الفني”.

   وبعد وفاته، حزنت عليه طليقته ليلى مراد حزنا شديدا وتلقت العزاء في بيتها من الأقارب والأصدقاء الذين كانوا يعرفون درجة حبها له خاصة وأنه كان، رغم زواجه من ليلى فوزي قد طلب من ليلى مراد مرافقته إلى فرنسا لإجراء عملية خطيرة على الكبد بعد تفشي المرض في جسده، وبعد أن فقد صحته التي طلب من الله أن يستبدلها له بالثراء والمال.

   عاشت أرملته ليلى فوزي مرحلة صعبة مع ورثته الذين جاؤوها مطالبين بحقوقهم في ثروة شقيقهم لأنها لم تنجب منه، وفعلا رضخت للأمر الواقع وتم توزيع التركة بطريقة طيبة بعد تدخل النجم يوسف وهبي بالخير بين أرملته ليلى فوزي وعائلته، خاصة وأن يوسف وهبي كان يحسب له ألف حساب وكان الجميع يحترمه احتراما كبيرا.

   وهكذا رحل وسيم الشاشة أنوروجدي عن هذا العالم تاركا للسينما العربية مجموعة من أروع أفلام العصر الرومانسي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!