ملف | في حوار الرباط ـ موسكو: هل هناك حياد روسي في ملف الصحراء؟

من النووي “روزاتوم” إلى الحماية المشتركة للأسرار العسكرية

إعداد: عبد الحميد العوني

   لم تقل روسيا كلمة واحدة حول مبادرة الحكم الذاتي المقترحة من طرف المغرب لحل قضية الصحراء، ودعمت في البيان المشترك المغربي ـ الروسي جهود المبعوث الشخصي للأمم المتحدة الدبلوماسي الأمريكي كريستوفر روس في إشارة قوية من موسكو للعاصمة واشنطن، بأن بوتين ليس ضد الخطوات الأمريكية لحل هذه القضية، وإن رفض أي تعجيل في المسلسل خدمة لإعادة انتشار نفوذ بلاده في البحر المتوسط باتجاه الغرب ونحو جبل طارق، وهو ما تحفظ عليه قائد البحرية الروسية فيكتور تشيركوف، وأقيل من منصبه لأسباب صحية، وقبل استضافة وفد المملكة، دعا لافروف نظيره التونسي خميس الجهيناوي إلى موسكو واضعا شرطين في أي تعاون روسي ـ مغاربي، يتمثل الأول في عدم تناقض الحرب على الإرهاب مع القانون الدولي، وموافقة مجلس الأمن والتوافق مع قراراته في أي قضايا مثارة.

   نبه الوفد المغربي، بدهاء، إلى أن عدم حضور وزير الخارجية صلاح الدين مزوار ليس إشارة ولا رسالة لما سبق، لأن مزوار بين واشنطن ونيويورك، وسمحت القمة الروسية ـ المغربية بتغطية الإجراءات الموجهة ضد المينورسو، والتي وصفتها “لوباريزيان” بالدالة، وجاء النعت حسب خصوم المملكة لتخفيف فرنسا ـ الحليف التقليدي للمملكةـ من رد فعل المجتمع الدولي على الإجراءات المغربية ضد البعثة الأممية، ويبقى السؤال، هل وصلت الرباط إلى حياد روسيا في التصعيد الأممي ـ المغربي الأخير، وتمرير ما تريده من موسكو في مخاطبتها للأمريكيين.

 كواليس  اللعب الروسي: الاعتراف بوضع المملكة في ملف الصحراء لا يخرج عن “مبادرة” البوليساريو الموجهة إلى مجلس الأمن

   ركزت وسائل الإعلام المحلية على جملتين، عدم الاستعجال في حل قضية “قديمة ومعقدة” بتعبير لافروف، لكن لا أحد ذهب إلى هدف روسيا في إعادة ترتيب تدخلها إلى جانب الأمريكيين في الحل، وهددت البوليساريو بالعودة إلى السلاح لتجديد، هذه المشكلة، والدفاع عن بان كيمون الذي عزلته موسكو وواشنطن لدعمهما استمرار كريستوفر روس في مهمته رغم التغيير في الأمانة العامة للأمم المتحدة.

   وضمنت موسكو:

   1ـ عدم انزلاق التوتر الأخير في الصحراء إلى حرب، وهو ما عاكسته جبهة البوليساريو بتهديداتها فورا، لأن قرار الحرب ليس بيد طرف واحد.

   2ـ دعم جهود كريستوفر روس، لأنه أمريكي يشرف على إدارة الحل، وتطلب روسيا الانخراط في كل خطواته لأنها    استراتيجية قد يصادق عليها مجلس الأمن بالتوافق مع موسكو، فتنتقل من الأمانة العامة إلى مجلس الأمن.

   3ـ عدم طرد البعثة الأممية، واعتبار الخطوات الموجهة من طرف المغرب ضد “المينورسو” محدودة، ويحتاج دعم هذه البعثة إلى توافق مجلس الأمن وأوله التوافق الأمريكي ـ الروسي.

   4ـ إن الاعتراف بوضع المملكة في الصحراء، لا يخرج عن مبادرة البوليساريو الموجهة إلى مجلس الأمن، وأيا يكن الحال، فإن اللعب الروسي ليس مضمونا، ويجب ضمان الحد الأدنى من الحياد، فالذي لا تستطيع الرباط تحييده يمكن أن تطلب في الحد الأدنى حياده.

   وخاطبت موسكو الغرب حول شمال إفريقيا في حزمة إشارات: عودة الرحلات المدنية بعد العسكرية مع مصر، فور تطبيق الإجراءات الجديدة للسلامة، وفي ظل هذه التطورات، سحبت موسكو قواتها من سوريا ، ونشرت صحيفة “موسكوفيسكي كومسموليتس”، عن موقع ويكيليكس تقريرا سريا للأميرال “أفريكو كريد ندينو” عن وصول قوات “عملية صوفيا” التي يقودها الأوروبيون إلى مرحلة الانتشار على السواحل الليبية، ورفض بوتين هذه العمليات في المياه الإقليمية لهذا البلد، إلا في إطار تعاون دولي “لم تحدده”.

    ولم ترد الجزائر التي استحسنت أمريكا خطوة جنرالها طرطاق بتسليم الأرقام التسلسلية لصواريخ ستنغر وتطور المراقبة على الحدود على التقارب المغربي ـ الروسي، فيما علقت الصحف الروسية بأن الجزائر بلد رئيس اشترى 56 في المائة من الصادرات العسكرية لإفريقيا، (وأن البحث عن أسواق جديدة لا ينفي التقليدية) واستقبلت موسكو وزير الخارجية التونسي ووفدا مغربيا ساميا. وتفرض رسالة الانتشار الروسي، ونفوذ موسكو في شمال إفريقيا، مسارات منها الجديدة، تبدأ بلقاء جون كيري مع القادة الروس في عقر دارهم، وسيتطرق الجانبان إلى كل الملفات، وتأخذ قضية الصحراء لأول مرة حيزا وازنا، بفعل التطورات الأخيرة بين المغرب والأمم المتحدة، ولأن روسيا حسمت موقعها الدولي (1)، وتؤكد على ثقلها في آخر نزاع تاريخي في إفريقيا والشرق الأوسط.

   وكما يقول فلاديمير فرولوف، يولد في هذه الظروف، نموذج “ثنائي القطبية، من خلال العلاقات الروسية ـ الأمريكية، والتنافس في الشرق الأوسط و، باقي العالم” (2)، وتصف فرونيكا دورمان انسحاب روسيا من سوريا بالضربة الاستراتيجية التي تسمح بإعادة الانتشار في باقي المتوسط ، وفي هذا الصدد يقول ألكسندر بونوف من مركز كارنيغي روسيا، إنه وقت جيد وضربة جيدة أن تذهب منتصرا (3)، ودمرت روسيا 209 نقطة، وألفي وسيلة نقل وحررت عشرة آلاف كيلومتر، وربحت وقف إطلاق النار، ووفرت بين 2.2 إلى 3.6 مليون يورو يوميا. وأبقت موسكو هذه الميزانية لإعادة انتشار النفوذ الروسي في المتوسط في تطور لافت يدمج معه ملف الصحراء بموافقة الرباط، وهو ما لم يتحقق أبدا لموسكو، وإن في العهد السوفياتي، وما يقترحه جون كيري على الروس أن يكون المسار الأممي، غير قابل للتراجع في الصحراء، لأن انتشار القوات الخاصة في ليبيا لم تكن أكثر من جدار غربي لوقف النفوذ الروسي.

   وانتهت موسكو إلى أن حرمانها من الأموال القادمة من نفط شمال إفريقيا (في ليبيا والجزائر) وأسواقهما ليس قرارا جيدا، فاحتفظت بأقل قواتها في سوريا وتوسعت باتجاه دول جنوب المتوسط من مصر إلى المغرب. ويفرض التوازن الجديد بين المغرب الاقتصادي والتقني والجزائر “العسكرية”  عملا يضيق على روسيا المناورة، أو أن تكون بلا تأثير على الخطوات الغربية، لكن خيارات بوتين المغاربية تشكل بصمة روسية واضحة في شمال إفريقيا.

   وتكشف التصريحات (عن الأثمنة المطلوبة) من المغرب، فما تقدمه روسيا في هذه المرحلة، لا يخرج عما كان الأمر مع الملك الحسن الثاني في عهد الاتحاد السوفياتي، وذكر بوتين الملك الراحل في الزيارة الثانية للعاهل المغربي. وفي الصيغة الروسية والإنجليزية لنشرة الكرملين، هناك توسع للشراكة الروسية ـ المغربية، وفي خطاب الترجيب ذكر بوتين الملك الحسن الثاني في الذكرى الخمسين لزيارته إلى موسكو، وذكر العاهل المغربي محمد السادس بأنه في زيارة ثانية لهذ البلد، وعلل عدم حضور وزير الخارجية في وفده (4).

 روسيا والمغرب في علاقات متوترة مع الاتحاد الأوروبي، ودعمت موسكو عدم التصعيد بين المغرب والأمم المتحدة كي لا تصل التطورات إلى إلغاء “الكاب 22” (القمة الأممية للتغير المناخي)، وبعد أن تراجع المغرب عن استضافة قمة العربية في مراكش دعما لمفاوضات جنيف من دون ضغوط إقليمية من جامعة الدول العربية، أشار المغرب إلى العلاقات الروسية ـ الأوروبية، فيما أوحت روسيا إلى الوفد المغربي بما دعته “الاستقرار المطلوب في علاقته بالأمم المتحدة”

   شددت وسائل الإعلام الروسية على الشراكة الاستراتيجية الوثيقة بين موسكو والرباط (5) في محاربة الإرهاب تحديدا (6)، وضمنت موسكو وقف التصعيد بين الطرفين الأممي ـ المغربي كي لا تصل التطورات إلى إلغاء قمة التغير المناخي، لأن الرباط ألغت، وبمشاكل أقل، القمة العربية في مراكش، وجاء التنازل عن استضافة هذه القمة في خدمة الجهود الروسية ـ الأمريكية في سوريا، وأن تبدأ المفاوضات بين الأطراف السورية من دون ضغوط إقليمية. وحاول بوتين أن يركز على الشراكتين الأمنية ضد الإرهاب كما كتبت مارينا كوتونوفا، والاقتصادية في موضوع الغاز المسال، حسب وكالة تاس (7).

   وأكدت الشراكة المغربية ـ الروسية على أهمية عودة العلاقات الأوروبية ـ الروسية، كما أوردت الرباط وأهمية عودة العلاقات الأممية ـ المغربية إلى سابق عهدها، كما ألحت كل الحوارات الروسية مع المغرب.

 الولايات المتحدة الأمريكية تراقب تطور العلاقات الاقتصادية الروسية ـ المغربية، وعمادها الطاقة واقترحت روسيا بناء مفاعل نووي في المملكة

    نشر ويكيليكس في وثائق سرية تحت رابط الدار البيضاء “26.أ” (8)، أن الشركات المغربية تنظر إلى روسيا كإحدى الأسواق الواعدة، وأن إيكونوف من شركة (روزاتوم) زار السفارة المغربية في روسيا مقترحا بناء مفاعل نووي، ووضع مخططه الأول على مسؤوليتها في نونبر 2008، وسبق لروسيا أن بنت محطة حرارية في جرادة، وتزود بـ “الأمنيوم” المكتب الشريف للفوسفاط، وعلاقات المكتب بالميتربول (إي. إف. سي) علاقات وثيقة، والعلاقات المغربية ـ الروسية على صعيد الطاقة خلقت سياسة جديدة بين البلدين، وفي السنة التي وضعت فيها الرباط على الأمم المتحدة مبادرة الحكم الذاتي (2007 )، فتحت أبوابها لاستثمار الروس في العقار من خلال (إنتيكو)، وتضاعف التبادل التجاري بين المغرب وروسيا من 2001 إلى 2007 ثلاثة أضعاف، وجددت هذه الزيارة اتفاقا في نفس السنة (2007) بين (باترونا) الروسية للمقاولين و(سي. جي. إم) لمقاولات المغرب.

   وترى واشنطن أن قطاع الطاقة أساس العلاقات المغربية ـ الروسية، ويزيد الطلب الروسي على الفلاحة المغربية كل سنة بـ 20 في المائة، وحدث تراجع نبه إليه بوتين (وأعاده الخبراء إلى ضعف الأسطول التجاري الجوي بين البلدين)، وعدم استقرار “الروبل” (العملة المحلية لفيدرالية روسيا)، ولم تسمح هذه الأوضاع من تعميق الشراكة الاقتصادية بين البلدين، بل ولم يصل اتفاق التبادل الحر إلى أهدافه كاملة رغم أن المفاوضات وصلت إلى مناقشة الأهداف النهائية، منذ ربيع 2014، كما تقول “تيل كيل” (9). ويتطابق تقييم الخبراء الفرنسيين في مركز الدراسات الاستراتيجية (ف.أو.إس) والأمريكيين في القول أن كل شيء يتعلق بالطاقة و(الفوسفاط تحديدا). ويبدأ رفع مستوى الشراكة من تقوية الاستثمارات الروسية في المغرب، والتي لا تصل حسب وكالة المغرب العربي (وكالة رسمية) في نشرتها لـ 15 مارس الجاري، سوى 0.03 في المائة من الاستثمارات الخارجية لفيدرالية روسيا.

 من التعاون النووي إلى تبادل الحماية على صعيد (الأسرار العسكرية) هو التطور الذي حدث أخيرا

    من مفاعل “روزاتوم” في المغرب إلى ما دعاه لوديي حسب (جون أفريك) تنويع أسلحة المملكة (10) في إشارة إلى شراء أسلحة روسية لم تحددها المصادر، انتهى التعاون الثنائي إلى حماية الأسرار العسكرية. وتلقت مشتريات المغرب من الأسلحة الروسية بعض التأخير لأن الاستثمارات السعودية اتجهت بعد لقاء خوجة ومزوار إلى (الجانب المدني)، وجاء انسحاب القوات الروسية من سوريا تحديا لقوات “رعد” التي شارك فيها المغرب في مدينة حفر الباطن، وتركت موسكو وواشنطن لقوات التحالف الإسلامي محاربة داعش، وتحرير الأراضي التي يحتلها التنظيم.

   واستبعد مزوار في واشنطن مشاركة قوات مغربية برية في محاربة داعش انطلاقا من تركيا، لكن انسحاب القوات الروسية، جعل ما قاله التحالف الإسلامي، واجبا سعوديا، ولكل قوات الحلفاء، وضمنهم المغرب، وإلا سقط هذا التحالف في أول اختبار له. وساعدت روسيا في “تهدئة أجواء الحرب” حول الصحراء من أجل مشاركة فعالة في محاربة الإرهاب، وتدعم موسكو المملكة من أجل دور متقدم لها في هذا المجال، وخصوصا على صعيد التكنولوجيا المكافحة لتقنيات الإرهابيين (11)، وبالتبعية لموازاة الإجراءات الجزائرية، وهو ما يبعد المنطقة عن حرب إقليمية. ودخل المغرب، قبل 30 يوما من الآن،  في خدمات (فورونيسك) الرادار الروسي الذي يراقب سماء الغرب من لينغراد إلى الدار البيضاء، فلا تطلع طائرة ولا تهبط دون أن يعرفها الروس، ويأتي التعاون التكنولوجي والتقنية العسكرية بين الرباط وموسكو للوصول إلى هذه الغاية.

   وركز السفير لشهب، على هذا الجانب في حديثه لـ (إر.إ.أ نوفوستي) قبل توقيع بروتوكول في الموضوع ضمن الزيارة، وركزت التغطيات الأنجلوفونية على الاتفاقيات الخاصة بالحماية المشتركة للأسرار العسكرية ومجالات التقنية العسكرية، كما جاء بالحرف في التغطية باللغة الروسية والإنجليزية (12). واهتمت التحليلات بوضع المغرب كل مجاله المعلوماتي تحت حراسة القوات المسلحة الملكية، ويأتي هذا الاتفاق لمشاركة الروس في حماية الأسرار العسكرية المغربية تطورا غير مسبوق، وله انعكاساته على علاقات المغرب مع دول غربية حليفة، ويقدم بوتين بلده حارسا للتوازن الجديد بين الجزائر والمغرب في إطار شراكة البلدين مع موسكو. وحسب (وول ستريت جورنال)، دعا أوباما في 2013 إلى معرفة نقط ضعف النظام العسكري الروسي لقيادة انقلاب على بوتين، ويواجه المغرب تحديات حرب عصابات محتملة في الصحراء مع البوليساريو، ويحمي البلدان نفسيهما على صعيد حماية الأسرار لإدامة استقرار بلديهما.

   ويكشف هذا الجانب الحساس عن بناء  محور الرباط ـ موسكو ، ويمارس الرئيس الروسي  إلى الآن لعبة دقيقة في غرب المتوسط تفيد مصالحه المبسترة فقط، ولا يتمكن من إطلاق بنية نهائية في موضوع الحرب والسلام في هذه المنطقة، لخلاف بينه وبين بحريته، وأيضا لأن تخفيف ثقله في شرق المتوسط مطلوب، وقد أزعج إسرائيل والناتو وتركيا دفعة واحدة، وفرض عليه إعادة الانتشار نحو غرب البحر الأبيض. ولا يريد بوتين سوى مشاركة الأمريكيين في خطتهم في الصحراء وليس شيئا آخر، لأن ما يجري يدفع إلى عدم تيئيس الصحراويين ودفعهم إلى اللجوء، وأيضا عدم التسرع، فروسيا لها خياراتها التي ترضي بها نفسها (12) ولا تقرر إرضاء أي كان، بتعبير لافروف (13).

   وهذه النظرة الروسية المبسترة للمصالح تثير خوف الحلفاء، وربما تزيد من دفع الجزائر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، والرباط إلى موسكو في انقلاب جدي لأوضاع الحرب الباردة، فيما يفضل أوباما، في هذه الأجواء الجديدة، تكريس مقولته حول السلام البارد بين المغرب والجزائر، وهو يتحدث عن الشراكة في مقولاته الأخيرة، داعيا الحلفاء العرب الخليجيين لمشاركة إيران في الخليج، ونرى بوضوح أن الانقلاب الذي حدث، أي الجزائر نحو الولايات المتحدة الأمريكية، أو محور الجزائر ـ واشنطن، واتجاه المغرب نحو روسيا أو ما يسمى  محور موسكو ـ الرباط) قد يفجر المنطقة ويعيد ترسيمها في الأفق القريب.

   يقول لافروف بالحرف،”إن هناك أهمية خاصة لمحاربة الإرهاب في محيط التوازنات بشمال إفريقيا والشرق الأوسط”، وفرضت التوازنات في غرب المتوسط بين الجزائر والمغرب لدى الغربيين، “تأهيل المنطقة للحل”، فالمسألة لا يمكن أن تتجاوز عودة طرفي النزاع إلى المفاوضات ومن دون شروط، وإحداث انقلاب في اللعبة بدأ من المس بالفريق السياسي للمينورسو، المكلف تحديدا بالاستفتاء. وفي هذه الحالة استغنت الرباط عن الطعون في اللوائح، وتبقى اللوائح “نهائية” بحكم الواقع، كما تهدف إلى دفن بنيات خيار الاستفتاء نهائيا وإلى الأبد، كي لا تعود العجلة إلى الخلف. وصراع الإرادات الموجود والأهداف الواضحة لكل طرف قد لا يقف سوى بتفجير المنطقة، وإن انتهى الأمر إلى حل الحكم الذاتي الموسع، وكما قال بوتين نفسه منتقدا لينين، إن الفيدرالية التي قررها في بداية القرن الماضي (1917) فجرت الاتحاد السوفياتي (14).

   وبوتين ليس نصير الفدرالية وليس عدوا للملكيات كالشيوعيين، وإن جمع المتناقضات في داخله، بطرس الأكبر وستالين والقياصرة والحزب و البابا والسوفيات، وبمقولة فريديريك بون، إنه رجل برغماتي قبل أي شيء آخر(15). ويدرك المتابعون، أن القفزة نحو غرب المتوسط، ستكون مؤقتة، كما أن بوتين يريد أن يكون “منتصرا مرحليا”، كما قال كاميل كران مدير مؤسسة الدراسات الاستراتيجية (16). وذهب بوغدانوف إلى طهران قبل أن يستقبل العاهل المغربي في المطار، لمناقشة علاقات بلده مع عضو في التحالف الإسلامي الذي تقوده السعودية (قوات رعد)، ويرفض إرسال قوات برية إلى سوريا، لأن المهم عدم وصول هذه القوات إلى “عمليات كبيرة” ضد داعش والنصرة تنتهي بتقوية المعارضة على نظام بشار الأسد. فمسألة التنسيق بين موسكو وطهران وجدت مكانها في شواطئ المتوسط . ومن المخيف عند البعض أن تكون هذه الخطوات محاولة لعزل الرباط عن محور (رعد) أو تحالف (حفر الباطن).

   ويقرأ خبراء آخرون ما يجري على أساس “عزل” القوة المالية السعودية عن الاستثمار في الصحراء، وهو ما يربك إطلاق بنيات الحكم الذاتي، ووجهت الجزائر والبوليساريو حربها ضد هذا الجانب  تحديدا، ضمن المشاكل الحالية المتشنجة التي تعيشها المنطقة. وتزداد الصعوبة في حال عرقلة الاستثمارات السعودية في الوصول إلى أهدافها، ومنها تقوية النظام المغربي ووقف الاتصالات مع الاتحاد الأوروبي في حالة الضرورة، ففرنسا حسب مجلة (لوبوان) لا تظهر في الشاشات، وبوتين يناور، وما يجري في نظر بيير بايلو، هو جزء من (الوقاحة الباردة) ( 1) في إطار السياسة الواقعية، وهذا التعليق هو أقسى ما عرفته الصحافة الفرنسية ضد دخول بوتين إلى حديقتها الخلفية المتمثلة في (تونس والمغرب).

   ويرى أصدقاء المملكة الشريفة، من الفرنكوفونيين تحديدا، في هذه المرحلة أن دفع العلاقات الفرنسية ـ المغربية نحو الأمام هو الحل، وهذه الرسالة وصلت إلى الشريك الاستراتيجي في غرب إفريقيا، لأن الوضوح الفرنسي في موضوع الصحراء أكبر من قدرة روسيا على ملئه، لكن ضعف باريس دفع إلى بناء تحالفات مغربية جديدة، تأكد معها أن موسكو غير متزوجة بالجزائر، كما هي غير متزوجة بالأسد كما تقول “لوبوان”.

   وستكون آثار انقلاب اللعبة مؤثرة، لأن بوتين كما يقول بروتو تيتريس (لا يمكن لأحد أن يأخذ تصريحاته بالحرف، كما لا يمكن رميها بالكامل، فبوتين ضربة مسرحية متموجة) (18). ويبقى رئيس فدرالية روسيا شيوعيا أحمر داعما، فكما قال عن نفسه (إنه لا يزال إلى الآن يحافظ على بطاقته الحزبية من دون أن يضطره أحد لذلك) (19). وعرفت روسيا هذا المزاج في سياستها اتجاه إفريقيا منذ ناقش بوتين رسالته الأكاديمية.

 في 1975 عشية دخول المغرب إلى الصحراء، قال بوتين في نقاش رسالته في لينغراد تحت عنوان: الولايات المتحدة في إفريقيا، إن هذا المشكل سيبقى طويلا بدون حل، وبقي المشكل حيا في الحرب الباردة وبعدها، إلى أن عاد العالم مرة أخرى إلى ما يدعوه منظرون روس “الثنائية القطبية”

   سبقت نظرة بوتين الأكاديمية للمشكل في الصحراء قول لافروف إن المشكل معقد، وأسس له الرئيس الذي يعرف إفريقيا أكثر من معرفته بألمانيا والألمانية في سياسات بلده، لكن حلمه لن يتحقق سريعا كما قال، فالتواجد الروسي يعود قويا إلى غرب المتوسط، وهو الحزام الذي يعتبره (متقدما وغير هجومي). وداخل هذه البروباغاندا المحسوبة، والتي حكم عليها أوباما أخيرا بأنها “غير غبية”، نجد الخارطة الروسية لإفريقيا تبدأ من مشكل الصحراء لإعادة إطلاق الدور الروسي.

   من جهة، يعرف الروس أن المقولات القديمة للحرب لا تعمل (20)، وأن إخراج المشاكل بصيغة أخرى جزء من الرؤية الروسية المتناسبة مع إطلاق مذهب أوباما الذي له رؤية تهمش البعد العسكري عن الإعلام وتديره من الخلفية، ويعي الروس أن خطة (ب) التي هدد بها كيري في سوريا حاسمة ولا يمكن مواجهتها، وقد يكون مشكل الصحراء تحت نار الخطة البديلة، ويعيش الخليج انقلابا لم يحدث منذ 80 سنة، كما كتب الأمير تركي الفيصل والذي قاد المخابرات السعودية في جريدة “أراب نيوز”. وتؤكد خطوات أوباما الجديدة انقلابا عالميا في التوازنات سمح بالتقارب الإيراني ـ الأمريكي، والمغربي ـ الروسي، وغيرها من نقط التحول الشديدة انبجست منها خارطة يجب على الرباط أن تكون فيها حذرة، لأن عالم اليوم بين مذهبين جديدين، مذهب أوباما كما سمته مجلة (أطلانتيك)، وأمام مذهب (بوتين) من شرق آسيا إلى المغرب. ويتعرض مشكل الصحراء لهذين التأثيرين الكبيرين في ظل رغبة مغربية في إغلاق الملف تحت سقوف محددة.

   وتعمق إدارة بوتين، من المكتب الخامس للـ (كا جي . بي)، تحت رؤية (أنا طولي سوبتشاك) إلى اليوم، من تقديرها المختلف، والمؤسس على استشارة ساكنة الصحراء ـ التقرير الثاني لبلاتوف ـ فالرئيس بوتين ينتمي إلى رجال القوة (سيلوفيكي) بالروسية، وأوباما ينتمي لعالم الذكاء الرابح دائما، وبين الإدارة المتقدمة والإدارة من الخلف، تدخل قضية الصحراء في تحول يشهده العالم مع الرئيس الأمريكي، وسيستمر بوتين أو تستمر عقيدته بشكل أطول بفعل ما يدعوه تشومسكي بتأثير البروباغاندا (21)، وفي هذا الصدد يقول تحقيق (موسكو تايمز) أن انتخابات عام 2000 صوت فيها مليون و300 ألف ميت كانوا في اللوائح،  وارتهان الخيار العالمي للقوة قد يفجر الوضع الأخير في الصحراء تبعا لخارطة التوترات في المنطقة. وما يؤخر الوضع المتفجر، قبول روسيا بالعمل تحت خطة كريستوفر روس الأمريكية في الصحراء وقبول بوتفليقة بها وإشارة المغرب إلى نفس القناعة في البيان المشترك الروسي ـ المغربي. والمساس بأحد أضلاع هذا المثلث سيدفع إلى التصعيد، وسيكون هذا التصعيد عميقا وغير قابل للتراجع، وفي الغرب قناعة تقول: إما مسار سياسي غير قابل للتراجع، أو خيار الحرب.

   ومن الواجب التذكير بملاحظتين هامتين، أن دعم جاك شيراك لمبادرة الحكم الذاتي لحل مشكل الصحراء، جاء من ذكاء في الحركة، تقدمه توسيم بوتين(22) (لروحه القيصرية) في نفس السنة التي زار فيها الرئيس الروسي المغرب، وقبل شهور من اقتراح مبادرة الحكم الذاتي على مجلس الأمن، ودعم هذا الخيار استثمار باريس لموقع مدفيديف الأكثر ليبرالية. واليوم لا يمكن التحدث عن فيدرالية يكرهها بوتين، ويعتبرها ميراثا ضد الدولة فجرت الاتحاد السوفياتي، ويكاد يتفق في أنها، داخل جيورجيا وأوكرانيا، حلول “لتقسيم هذه الدول”.

   إن بوتين يستفيد من قناعات الآخرين وقناعاته المضادة ويستعملها للوصول إلى أهدافه. وفي ملاحظة ثانية، تؤدي الأفكار إلى نتائج جيدة (23) وإلا فهي غير موجودة، وإلى الآن، لا يمكن بأي حال القول أن الحكم الذاتي لحل قضية الصحراء فكرة جيدة في نظر بوتين وإدارته، وسؤالنا، ما هو الحل؟ فالمغرب يقترح على الأقل مبادرة، أما بوتين فيدفع نحو مصير آخر لا يحدده اليوم، وسيحدده غدا. ومن الواجب التذكير في هذه التطورات على البعد التاريخي الذي ركزت عليه موسكو كما أوردته (كومرسنت) ونقلته إلى الإنجليزية (ناشينال انترسنت)، وكيف رأوا الأحداث والعلاقات الروسية ـ المغربية وأولوها بشكل غير دقيق تماما في عهد سيدي محمد بن عبد الله. ومن العملي في الغرب، عدم الرجوع إلى التاريخ بظلاله الكثيفة، والعمل على مخططات متوافق عليها بما يفيد المصالح العليا في كل بلد.

   ومن الواجب التأكيد على الرغبة في إثارة الدور الفرنسي ودعم كل من المغرب وروسيا لمخطط الأمم المتحدة في الصحراء والساحل، فالمسألة تتعلق بنظرة إيجابية من طرف رجل السياسة المغربي نحو الأمم المتحدة في كل القضايا إلا قضية الصحراء، وفي نظر موسكو، فإن اللعب في مربع باريس “ممكن” لأن بوتين يناقش الحجم والسرعة والالتزام (24)، ويبدأ في ملء الفراغ، ويخشى الفرنكفونيون أن ينتقل الدور المغربي في إفريقيا إلى روسيا عوض الحليف التقليدي “فرنسا”. ومن الصعب على الرباط تحت أي ظرف، نقل مصالح من قطب إلى آخر في العالم المتعدد الأقطاب، لذلك فحرص المغرب على حياد روسيا، يقابله حياد إضافي في دعمها لمخطط الأمم في الساحل كي لا تمس مصالح فرنسا وروسيا. إنه ذكاء المصالح الذي تدير به الرباط دبلوماسيتها، لكنه غير كاف لإدارة ستراتيجية واسعة، وبالتالي فإن الوصول إلى نصر تاكتيكي، غير كاف لحسم معركة قديمة ومعقدة بلغة لافروف.

   كما تؤكد الحدود البنيوية للقوة الروسية على عدم الرهان عليها، لأن جيشها لا يزال في إعادة البناء، كما يقول معهد ستوكهولم، وشكلت استثماراته 19.7 في المائة من الميزانية العامة أي 84.5 مليار دولار، ووصلت السعودية إلى 80 مليار دولار في 2014، وحاليا زادت بـ 8 في المائة ميزانيتها وقلصت روسيا ميزانيتها بـ 5 في المائة، فتكون 2016 أول سنة تتقدم فيها الرياض عن موسكو. وحاليا، يوجد هامش مناورة جيد مع الروس، لكنه يخدمهم أكثر في انتقال الشراكة الروسية ـ المغربية إلى السرعة القصوى (25) عن طريق مجلس اقتصادي جديد، وبناء محور موسكو ـ الرباط على حساب علاقات موسكو والاتحاد الأوروبي أو الرباط ـ بروكسل، ليس قادرا على ضمان الخطوة التي يريدها المغرب للدفاع عن مصالحه. ومن المثير أن يدافع البيان المشترك الروسي ـ المغربي عن مخطط الأمم المتحدة في الساحل والصحراء، وتعلن الرباط خفض مساهمتها في قوات حفظ السلام ردا على بان كي مون، فالرسالة تفيد أن الشراكة الروسية ـ المغربية لا يجب أن تتأسس من منظور (قضية الصحراء)، بل من كل العوامل المتبقية لبناء توازنات دائمة.

   ويعرف بوتين جيدا كيف يكافح لحدود تعود إلى 1990 فقط، ويحاول المغرب استقرار هذه الحدود منذ 1975، ولذلك فإن القراءة الروسية للعودة إلى الحرب الباردة، أي الفترة المثالية لمصالح موسكو هي الفترة الصعبة لإدارة مصالح المملكة. والنظرة الاقتصادية حاسمة في تصور البلدين لمستقبلهما، وستكون الشراكة الروسية ـ المغربية ناجحة إن ركزت على الاقتصاد، كما ينظر الخبراء، لكن الشراكة الاستراتيجية لا تكتمل بدون أفق مشترك.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!