الأخوة المنسية.. مواطن جزائري رسم العلم المغربي وجزائري آخر هو صاحب فكرة عيد العرش  

لأول مرة.. أوريد يشرح الفرق بين “دين العدالة والتنمية” و”دين الدولة” ويتحدث عن بعض طقوس دار المخزن: 

إعداد: سعيد الريحاني

   هل توقفتم للحظة عند هذه الكلمات المفاجئة التي تسربت إلى لغة رئيس الحكومة، عندما يقول في لقاء عام، بأننا “كإسلاميين سابقين تحالفنا مع شيوعيين سابقين”(..)، هل سمعتم بن كيران، يشرح بأنه عندما يقول للملك “سيدنا” بأنه “تمخزن”.. هل سألتم أنفسكم ما السبب؟ الجواب لا يوجد عند بن كيران نفسه، وهو الآخر يعيش صراعا داخليا، بين دور “إداري” يجب أن يقوم به، وبين دور لا يجب أن يتجاوزه في علاقته مع “طقوس دار المخزن”..

   واحد من العارفين بخبايا طقوس دار المخزن، هو الأستاذ الجامعي حسن أوريد.. صنع الحدث مؤخرا من خلال إصداره لكتاب “L’impasse de l’islamisme”، وهذه، هي المرة الأولى التي يختار فيها المؤلف الحديث عن موضوع له علاقة بالدولة بعيدا عن لغة الحيوانات، حيث يعتبر المتتبعون أنه قام بتفكيك ذكي لبنية الدولة والمجتمع مع قضية محورية(..) من خلال رواية سيرة حمار.. لذلك لم يكن غريبا أن تتهافت المؤسسات الجامعية الكبرى على استضافته حول موضوع الكتاب، وآخرها مؤسسة (i.i.h.e.m) الموجودة في طريق زعير بالرباط.

   من حديثه عن “معضلة الإسلام السياسي”، أو “مأزق الإسلام السياسي”، يتضح من خلال ما يقوله حسن أوريد، أن للدولة منطقها الخاص وللإسلاميين منطقهم الخاص، “قلت في عدة مناسبات، أن الحركات الإسلامية في المغرب وفي غيره من الدول اشتغلت على المجتمع أكثر مما اشتغلت على الدولة، ومرجعيتها تتجاوز منطق الدولة، من الناحية الترابية ولا علم لها بميكانيزماتها (الدولة).. يقول أوريد.

   وقد كان أوريد في وقت من الأوقات، مباشرا للدولة في مدينة مكناس، عندما كان واليا (ممثل الملك والحكومة حسب القانونيين)، لكن تجربته، كما يشرح لـ “الأسبوع”، فرضت عليه في نهاية المطاف، الاصطدام بين مرجعيتين، (مرجعية الدولة ومرجعية حزب العدالة والتنمية)، وقد كان ذلك واضحا من خلال سرده لإحدى الوقائع التي حدثت له في مكناس، عندما أراد حزب العدالة والتنمية استضافة عراب الإخوان المسليمين، الشيخ القرضاوي في مكناس، يقول أوريد: “حصل ذلك في عهد عمدة مكناس بلكورة، هم طلبوا تنظيم النشاط في مركب رياضي وأنا رفضت، ولكني قبلت في النهاية تنظيم النشاط في قاعة، ولكني وجدت أنهم علقوا صورة كبيرة، للقرضاوي، فلم أقبل ذلك..

   لم يصطدم أوريد بالعدالة والتنمية من حيث مكان النشاط فقط، ولكنه، ما يخفيه قوله بأنهم علقوا صورة كبيرة للقرضاوي داخل قاعة النشاط (حسب منطقهم)، هو أن منطق الدولة الذي كان يمثله أوريد، لا يمكن أن يقبل بتصرف من هذا النوع، وهو في هذه الحالة تعليق صورة للشيخ القرضاوي يتجاوز حجمها حجم صورة الملك(..)، وهذه إحدى أبجديات منطق الدولة، والتي يمكن الوقوف عليها بجلاء في تصرفات المقدمين والقواد والباشوات..

   يقول أوريد: “يمكن لجمعية أن تستضيف شخصا (القرضاوي في هذه الحالة) لكن أن يتم توظيف إمكانات المجلس البلدي، والاحتفاء بطقوس معينة فهذا مرفوض..”، ثم يضيف: “طبعا القرضاوي معروف، هو عراب التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، والسؤال المطروح هو لماذا اختار مكناس دون غيرها، والسبب هو وجود عمدة إسلامي فيها (بلكورة)، وهذا يؤكد في نهاية المطاف وجود ارتباط بين تنظيم محلي والبعد الدولي…”

   يمكن القول إن الوالي حسن أوريد، وهو اليوم يضطلع بمهمة أكبر وهي مهمة الباحث السياسي والأستاذ الجامعي، سبق وقته بكثير، فهو أول والٍ عاش في نفس المكان اصطداما حيا في المرجعيات، ففي نفي نفس المدينة التي استقبل فيها حزب العدالة والتنمية، الذي كان يتحكم في رئاسة الجماعة، الشيخ القرضاوي، تم تنظيم أول نسخة لـ “مهرجان الخمور” بمبادرة من “المركز الجهوي للاستثمار”، وهو مؤسسة تابعة للدولة، لذك ركز حزب العدالة والتنمية والذي لم يكن ليفوت الفرصة دون استغلال سياسي للموضوع هجومه على أوريد، وكانت تلك طريقتهم لإيصال رسالة للدولة، حسب ما يظهر.

   يقول أوريد، كنت على علم بالنشاط (مهرجان الخمور)، والذي حدث، هو أنه تم شن هجمة علي، علما أنني أنا أنظم ولم أحضر، ولم أوقع.. ولكن، أنا كنت أعلم أن هناك واقعا معينا ونشاطا اقتصاديا معينا.. ولكن أعطيت للمسألة اعتبارات سياسية، لا اعتبارات أخلاقية سنة 2007، وقتها استعمل مصطفى الرميد (وزير العدل الحالي) كلمة مجرم في حق الوالي وهو أنا، وهذا الأمر لا يتطابق مع مفهوم الدولة على اعتبار أنني لم أوقع ولم أحضر”، وبصيغة أوضح يقول حسن أوريد: في اعتقادي أنا كنت أتبنى منطق الدولة، يعني إذا أراد أحدهم الاشتغال في تنظيم ديني، هذاك شغلو، ولكنه يجب أن يخضع للضوابط(..)”،هذه فقط أمثلة للتأكيد على اختلاف المرجعيات، يقول نفس المصدر.

   لكل زمن منطقه عند الدولة، وقد اقتضى منطق الدولة، في وقت من الأوقات، “الهجوم على المرأة” وإظهارها ككائن لا يمكنه تحمل المسؤولية، وهذا ما يؤكد استشهاد حسن أوريد، بمذكرات القطب الحركي المحجوبي أحرضان، يقول أوريد: ” تكلمت عن أحرضان على أساس أنه كتب مذكراته وأشار إلى شيء أساسي وقع سنة 1965، في أعقاب أحد الدروس الحسنية، وتناول فيه الملك الحسن الثاني الكلمة، وتوجه بالنصيحة إلى الوزراء بأنه لا بد من احترام التقاليد المغربية، واعتبر بأن المرأة “عورة”، وهذا ورد في مذكرات أحرضان، حسب قول أوريد، في سنة مفصلية، عرفت كثيرا من الاهتزازات، وتؤشر على تغير خطاب الدولة وتعاملها مع الشأن الديني، ويؤشر على توظيف الدين من أجل درء اتجاهات “يسارية” بالأساس.. حسب ما يقوله أوريد.

   قصة هذا الدرس الحسني الذي كان أول دروس رمضان سنة 1989، لا يمكن أن تنساها معظم فعاليات الحركات النسائية الحقيقية، فقد كان الدرس عبارة عن ردة فعل، إزاء صدور كتاب للراحلة فاطمة المرنيسي، “هذا الكتاب يبدأ بملاحظة، وهي أن المغاربة لا يقبلون بأن تتولى المرأة المسؤولية، فبدأت من خلال أسئلة موجهة للجزار وبائع الخضر، وكانوا كلهم يقولون أستغفر الله العظيم، ولا يقبلون من الناحية المنطقية ذلك، وبالنسبة لهم كان هناك حديث يقول: (لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة)، وفاطمة المرنيسي اعتبرت بأن هذا الحديث، لا أساس له من الصحة وبأنه مناف لسيرة النبي، والذي حدث هو أن الكتاب أثار ضجة، فكان أول درس لرمضان 1989 لوزير الأوقاف حول هذا الحديث، والذي يزكي فيه بأن المرأة لا يمكن أن تكون في موقع مسؤولية، وهذا الدرس أثار موجة غضب داخل الحركات النسائية وداخل اليسار وداخل اتجاهات حقوق الإنسان”، يقول أوريد.

   باختصار، يمكن أن نفهم من كلام أوريد، أن الحسن الثاني هو أول من استعمل الدين في السياسة، أي أن الدولة أيضا تستعمل الدين في السياسة، مثلها مثل حركات الإسلام السياسي، يقول أوريد: “أنا ما يهمني هو توظيف الدين في السياسة، وعالجت من زوايا مختلفة الاتجاهات التي وظفت الدين بما فيها الدولة، واعتبرت أنه أيا كانت الجهة، فإن الأمر يفضي إلى تناقضات. مثلا العدل والإحسان حلفاؤها الطبيعيون، ليسوا بالضرورة من ينطلقون من أرضية إسلامية، مثل النهج، وفي نهاية المطاف ولما تقرأ أدبيات عبد السلام ياسين، ستجد أن الصلاة جامعة، لكن عندما تنظر إلى تصرفات الآخرين ترى أنها لا تنبني على تصرفات دينية بالأساس (كماهو الحال عند حزب النهج).

   أما بالنسبة لحزب العدالة والتنمية، الذي تحول إلى ظاهرة في السنوات الأخيرة(..)، يقول أوريد: “نرى بأن خطابها انتقل من اعتبارات أخلاقية إلى اعتبارات سياسية براغماتية، فقد كانوا يقولون بأن التحالف مع حزب الأحرار خط أحمر، ولكنهم تحالفوا معه في نهاية المطاف.. العنصر الفاعل بالنسبة للعدالة والتنمية هو الإعتبارات السياسية، والذي أريد أن أنتهي إليه هو أن هناك تطورا، ودينامية تجعل بأن العامل الديني ليس مؤثرا، إذ يمكن استغلاله ولكنه ليس مؤثرا في النهاية، لاعتبارات سياسية حتى بالنسبة للدولة.”

   هكذا إذن، يتضح الفرق بين استعمال الدين عند الدولة واستعمال الدين عند العدالة والتنمية أو غيرها من حركات الإسلام السياسي.. فالدولة تعتبر حسب حسن أوريد، راعية لما يسميه “تحديث الإسلام”، “ذلك لا يعني تحديث العقائد، ولكن تحديث المعاملات، وقد بدأ هذا العمل مع علال الفاسي، عراب تحديث الإسلام، من خلال اشتغاله على بعض المفاهيم ومن خلال مقاربته لمفاهيم مثل التعادلية عوض العدالة الاجتماعية، عند اليساريين، والاشتغال على الحرية والمقاصد”، حسب نفس المصدر.

   هكذا يتضح أن أوريد الذي اصطدم في وقت من الأوقات مع حزب العدالة والتنمية، هو نفسه الذي يتحدث بشكل يبدو إيجابيا عن تجربة زعيم الاستقلاليين علال الفاسي، حيث استطاعت الدولة، حسب قوله، أن تمزج بين تراث علال الفاسي وتبني مرجعية المذهب المالكي، والذي اشتغل على هذا المذهب هو علال الفاسي، وهناك محاضرة شهيرة ألقاها في جمعية النهضة التي كان يرأسها بوبكر القادري، و”تعتبر أهم إطار تصوري من حيث تقعيد المذهب المالكي واعتباره أساسا لما أسماه الشخصية المغربية بمعناها العام، قبل أن تتبناه الدولة..” (نفس المصدر).

    نفس المتحدث يختصر الأمر في قوله، بأن الدولة طورت أشياء مهمة، لكن الآن، هناك عمل آخر ينصرف إلى تجديد الفكر الديني، وأنا اشتغلت على الفترة قبل 2016، ولكن يمكن القول أننا انتقلنا من هيكلة الحقل الديني إلى تجديد الحقل الديني.. حسب نفس المصدر.

   لم يتوقف أوريد الذي حل ضيفا، على مؤسسة IIHEM نهاية الأسبوع الماضي عن الحديث عما سبق ذكره، وشرحه بتفصيل في لقائه مع “الأسبوع”، على هامش اللقاء، ولكن النقاش حول كتابه المثير للجدل،”L’impasse de l’islamisme”، أماط اللثام عن فترة منسية من تاريخ “دار المخزن”، منذ زمن المقيم العام اليوطي، الذي كانت مقاربته تمزج بين الأصالة والمعاصرة، حسب قول أوريد، الذي قال إنه عمل على ترسيخ إدارة حديثة (نيو مخزن)، وإدارة عتيقة وهي المخزن..

   الجمع بين “المخزن الجديد” و”المخزن العتيق”، استلزم (حسب منطق الدولة)، وجود أشخاص منزلة بين منزلتين، على علم بالتراث ومنفتحين على الإدارة التحديثية الفرنسية، فتم الاستنجاد بأشخاص أتوا من الجزائر أولهم الفقيه محمد المعمري، وهو مواطن جزائري من القبايل، الذي جاء إلى المغرب سنة 1907 واشتغل مع المقري، ثم انتهى به الأمر كأستاذ لسيدي محمد بن يوسف، وحينما اعتلى سيدي محمد بن يوسف العرش أصبح وزيرا لكتابته الخاصة، فلازم محمد الخامس من 1927 إلى وفاته، هذا الشخص قام بدور أساسي فيما يخص التقريب بين طقوس دار المخزن والإدارة الفرنسية، وكان وفيا للسلطان، حيث كان أول وزير للقصور الملكية والتشريفات والأوسمة.. وتعبيرا منه عن الوفاء لسيدي محمد بن يوسف، وعندما تم خلع السلطان سنة 1953 اعتزل في قريته بتاوريرت نايت ميمون بمنطقة القبايل في الجزائر، قبل أن يجلبه من جديد غرانفال الذي كان مقيما عاما، في الطائرة، بعدما تم التأكد بأن السلطان سيعود للمغرب، ولذلك عين في الحكومة الأولى للبكاي كوزير للقصور الملكية والتشريفات والأوسمة، وكان هو رقم 2 في البرتوكول (المصدر: المعطيات التاريخية كما يرويها حسن أوريد).

   سنة 1965، طلب “الفقيه المعمري” أن يعتزل، ومن جملة ما قاله للملك الحسن الثاني، هو أنه قال له: “حنا الناس ديال القبايل، دايرين بحال الفيال (جمع فيل)، لازم نموتوا في الأرض التي ولدنا فيها”، وقد شهدت جنازته، حضور الرجل القوي الجنرال أوفقير والحاج محمد باحنيني، الذي يمكن أن يعتبر استمرارا للعمل الذي قام به المعمري.. حسب قول أوريد.

   قد لا يعلم كثير من المغاربة، أن مواطنين جزائريين خدموا العرش العلوي، من أقرب نقطة للملك، ولكن أوريد يتحدث عن عدة نماذج من بينها النموذج الثاني، وهو قدور بن غربيط، وهو جزائري من تلمسان (توفي سنة 1954)، اشتغل فيما كان يسمى البعثة الفرنسية في طنجة، وأتى في ركاب “رينو” الذي وقع معاهدة الحماية باسم فرنسا، والذي ترجم نص المعاهدة هو قدور بن غربيط، واضطلع بدور أساسي، وكان مديرا لما يسمى بالشؤون المخزنية.. ومن الأمور التي حدثت، هي أن (زوجته الأخيرة زليخة، تزوجت بامبارك البكاي، أول رئيس حكومة في المغرب، حسب أوريد)، وهو (بن غربيط) قام بدور أساسي، بحيث أن ما يعرف بالطقوس والبرتوكول هو الذي قام بتقعيده، بل إنه هو من رسم العلم المغربي، الذي أشر عليه اليوطي، فيما بعد..

   صفحات الأخوة المنسية، بين الجزائريين والمغاربة لا تقف عند هذا الحد، بل إن أوريد، يتحدث عن جزائري آخر اسمه “ميسة”، وكان يصدر جريدة بسلا، وهو صاحب فكرة احتفالات عيد العرش.. “طبعا هؤلاء وقتها كانوا يعتبرون أنفسهم مسلمين وقضية الحدود لم تكن مطروحة”، ومن المصادفات التاريخية أن الذين أكملوا المهمة رفقة العرش العلوي، كانت لهم علاقات بالجزائر بكيفية أو بأخرى، فالحاج محمد باحنيني درس بالجزائر، وكانت له صداقات وثيقة بالجزائر ومنها صداقته مع الشيخ البشير الإبراهيمي، ثاني رئيس لجمعية علماء المسلمين، وكذلك، هناك عبد الوهاب بنمنصور من أصول جزائرية.. يقول أوريد، الذي فتح لمتتبعيه، نافذة صغيرة للتمييز بين منطق الدولة، الذي يمكن أن يتغير حسب الزمن ومنطق الحركات الإسلامية، التي اشتغلت على المجتمع ونسيت الدولة(..).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!