في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | القاسم المشترك بين الحسن الثاني ومحمد السادس

بقلم: مصطفى العلوي

   كتب الوزير المستشار عبد الهادي بوطالب، في مذكراته ما يجعلنا نبحث دون أن نجد، أي فرق، بين تلك الأيام، وما نعيشه في هذه الأيام، وكأن الذين قالوا إن التاريخ يعيد نفسه، كانوا أنبياء غير مخطئين.

   فكما كان الحسن الثاني يعتبر مستشاره أحمد رضى جديرة، هو المرجع، والمرافق في الحل والترحال، فقد كان جديرة يتعاطف مع حزب الأحرار من بعيد، وبوطالب يعرف عن قريب: ((إن جديرة هو رئيس الحزب الحقيقي، والدينامو المحرك لهذه الحركة(…) ومنظرها، فإن علاقة الحسن الثاني وصديقه جديرة، لم تكن علاقتهما مجرد علاقة مستشار مع الملك، بل علاقة صداقة، وكانت بينهما أسرار خاصة، من نوع السر المكنون، الذي لم يكن أحد ينفذ إلى خباياه)) (نصف قرن من السياسة. عبد الهادي بوطالب).

   ولكن تاريخ الحسن الثاني وعلاقته بمستشاره جديرة لم تكن بالنسبة لنا مجرد ظاهرة للتذكير فقط(…)، لأن الأحداث التي عاشاها معا نراها أمامنا اليوم، وكأنها مجرد عرض لتسجيل مصور.

   ورغم أن حكومة جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية بقيادة رجل يحظى هو أيضا بدعم الملك وثقته، الحاج أحمد باحنيني، رئيس حزب الأغلبية، فإن الصراعات الداخلية بدأت تنخر العمود الفقري لحكومة رئيس الحكومة، عبر ضعف البرلمان، وانعدام مصداقيته، وأصبحت النقاشات في البرلمان من قبيل واحد من المعارضة، النقابي المعطي بوعبيد الذي وقف أمام الميكروفون، ليعلن احتجاجه على وزير الشغل الذي يقضي أيامه ولياليه في تصدير اللحوم البشرية إلى الخارج، ويرد عليه وزير الشغل: لما كنت أنت مديرا لديواني، كنت تشاركني في عملية تصدير هذه اللحوم، ويعني، المهاجرين المغاربة إلى أروبا.

   وتزامنا مع تفجر صراع ضخم بين أطر وزارة التعليم، من أساتذة(…) وجامعيين، بعد أن أصدر وزير التعليم يوسف بلعباس، في حقهم مذكرة كالتي تشغل حاضرنا، كانت ردود الفعل الاحتجاجية، والمظاهرات المنظمة ضدها، لكنها، وبحكم أن ما وقع بالأمس يمكن أن يقع اليوم(…) حين تطور احتجاج أطر التعليم، التي ووجهت بقيام الشرطة بواجبها في تثبيت الأمن، قبل أن تسفر الاصطدامات التي نرى مثيلاتها الآن يوميا، في الجرائد، وصورها في المواقع الإلكترونية، وتطورت في ذلك الوقت، إلى ما سمي أحداث 23 مارس 1965 التي دخلت التاريخ بعد أن هزت الدار البيضاء، وبالتالي فلن نجد أحسن من وزير ذلك الزمان عبد الهادي بوطالب، الذي اختصر الواقع السياسي والأمني والاجتماعي، فكتب: ((إن الأوضاع الداخلية كانت مرشحة للانفجار(…) كان الجو السياسي متوترا، ومذكرة وزير التعليم إنما كانت التعلة التي سطت عليها الأحداث، فرجال التعليم(…) اعتبروا أن حرمتهم انتهكت(…) بينما هاجس الجماهير، راجع إلى تدهور الاقتصاد، وبعضها إلى البطالة، وارتفاع الأسعار إضافة إلى أسباب سياسية معينة، فالبرلمان يمضي أوقاته في نقاش عقيم(…) يتعثر في الحسابات السياسية بين الفرقاء)) (نفس المصدر).

   وحتى تكتمل صورة التشابه بين ذلك الزمان، وما نعيشه هذه الأيام، كانت سنة 1965، التي عرفت أحداث الدار البيضاء المنطلقة من تحرك الأساتذة والطلبة(…) ضد قرار لوزير التعليم(…)، هي السنة التي نظم فيها الكولونيل هواري بومدين انقلابه ضد الرئيس بنبلة، ليحيي الجيش الجزائري حسابات هزيمته أمام الجيش المغربي في اشتباكات “حاسي بيضا 1963″، والتي كان سببها إصرار المغرب على المطالبة بسيادته على الصحراء، التي أعطى الاستعمار طرفا منها للنظام الجزائري.

   وها نحن نعيش هذه الأيام، انتصارا مغربيا آخر على الجزائر، في أحداث بن كيمون(…) التي انتهت بتضامن عالمي مع المغرب، على رأسه الولايات المتحدة، التي أعلنت تأييدها لمشروع الحكم الذاتي، وتعيش فرحة المغاربة بانتصاراتهم على الجزائر، متناسين في عز فرحتهم شيئا واحدا، وهو أن أخطر ما عند النظام الجزائري، هو الحقد والرغبة في الانتقام، ضد الهزيمة أمام المغرب.

   وها هو المغرب يطرد الجيوش الأممية للمينورسو، الذي كان يفصل بين الجيشين المغربي والجزائري، لنبقى وجها لوجه، تجاه التهديدات الجزائرية، التي يمكن أن تتحول إلى مواجهة مباشرة، لا مناص للجزائريين من خوضها في المستقبل أكثر من الماضي، لأنه لا خيار للجزائر تجاه مشاكلها الداخلية، المستفحلة. وقد قال خبير فرنسي شارك في الندوة التي نظمت مؤخرا في الداخلة، قال طبعا في إطار نقاش مغلق: ((عليكم أيها المغاربة أن تنتظروا دوركم في استقبال آلاف المهاجرين الجزائريين الذين سيهربون من الجزائر إلى المغرب، أمام ما تنتظره الجزائر من أهوال)) (مصدر خاص بالأسبوع).

   خطر المواجهة العسكرية بين المغرب والجزائر، مخيم على الآفاق، وها هي الجزائر تتسلم من روسيا، والخبر نشر فقط في الأسبوع الماضي، مائتين وأربعين طائرة هيلكوبتر متخصصة في الهجوم الجوي(…) تسلمتها الجزائر من روسيا، والخبر نشر بعد انتهاء الزيارة الملكية لروسيا(…).

   نقط التشابه بين الواقع الداخلي والخارجي للمغرب تتكرس في عهد محمد السادس، كما كانت في عهد الحسن الثاني.

   وكما بدأ الحسن الثاني في سنة 1965 في التحرك الذكي، للإعلان عن مخططه لمواجهة الأخطار، فإنه لا مناص للملك محمد السادس من التحرك، لمواجهة بما يقتضيه المنطق المسطر في الفصول 59، و54 و49 من الدستور. هذا الدستور الذي نص في فصل واضح، الفصل 29، على ((ربط حرية الاجتماع والتجمهر والتظاهر، باحترام السلم الداخلي))، وما وقع في ملعب الدار البيضاء السبت 19 مارس، جعل الرأي العام المغربي يعلن عن استنكاره لنزول الفوضى الداخلية عندنا إلى هذا المستوى الذي أصبح يهدد حياة المواطنين، والذي حول ملعبا للكرة إلى موقع صراع دموي.

   ليطمئن الواقع المنطقي إلى تطابق الفصل 59 من الدستور، مع حتميات الحاضر السياسي، التي أرغمت الحسن الثاني إلى الإعلان في 7 جوان 1965، شهرين فقط بعد أحداث 23 مارس 1965، على إعلان حالة الاستثناء، حين جمع وزراءه ومستشاريه وقال لهم – كما حكى بوطالب – ((إني ذاهب إلى إيفران، لدراسة القرارات المتحتمة في شأن حاجة المغرب إلى استقرار سياسي(…) واستقرار نظامه الحزبي(…) وهذا الحوار العقيم في البرلمان. والتفت إلى بوطالب وقال له: ولن يكون هذا تجميدا للعمل الديمقراطي)) (نفس المصدر).

   لقد فكر الحسن الثاني أولا، في تأسيس حكومة وطنية، أراد إسناد رئاستها إلى الدكتور الخطيب، والحكومة الوطنية(…) هي التي تفرضها الظروف المتعثرة للواقع الحكومي الحالي، بعد أن فعفع(…) الوزير مزوار في الخارجية بالضربة القاضية لكسر الواجهة الحكومية، والتضامن الحكومي، وأصبحت الأحزاب السياسية الضعيفة المهلهلة، تتفاوض سرا وعلنا متشعبطة في حتمية تعديل النصوص الانتخابية وتعديل العتبة ما بين ثلاثة وستة في المائة، لأنهم جميعا خائفون من الفشل في الانتخابات المقبلة، بعد انعدام أية رؤيا واضحة، لأي برنامج أو مخطط، باستثناء الحزب المشابه لحزب جديرة(…) حزب الأصالة، الذي أوقف ناقته عند مربط واضح صريح، اسمه الترخيص بزراعة الحشيش، أو ما عبر عنه بدهاء، رئيس الحزب إلياس العماري، الذي حصر الديمقراطية(…) في عقيدة واضحة المعالم، وقال: ((لماذا لا تتابعون مزارعي العنب والكرموص، التي تستخرج منها أنواع الخمور، وتتابعون مزارعي نبتة القنب الكيف)) (موقع بديل. نقلا عن الصحفي طلحة. 18 مارس 2016).

   أكيد، أن الأيام الأخيرة عندنا، كشفت – رغم الحصار المضروب إعلاميا – أن الملك محمد السادس دخل مرحلة جديدة من التحرك، وسجل إصابات دبلوماسية على المستوى العالمي، قد تنتهي بدعم عالمي للمطالب المشروعة للشعب المغربي في صحرائه، وهو نصر ثقيل، ربما يكون أثقل من أن يتحمله الواقع السياسي الداخلي، الغارق في بحر من الصراعات التافهة، والفراغ الحزبي، وهيمنة الشعبوية وانعدام المخططات، واستفحال التشتت والضعف، في الهيكل الحكومي، لدرجة تجعلنا نتساءل، عما إذا كان تنظيم انتخابات برلمانية بعد ستة شهور، سيكون انطلاقا لصراع بعيد عن السياسة، قريب من خطورة البيع والشراء(…) على أنبل رموز الديمقراطية، التي هي الانتخابات.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!