في الأكشاك هذا الأسبوع

متابعات | كواليس الصفقة المتعثرة بين مزوار وبن كيران

إعداد: عبد الحميد العوني

   قالت مصادر خاصة إن مزوار يشترط إسقاط الأحكام القضائية ضد قيادات التجمع الوطني للأحرار في الاستئناف، وهو شرط غير قابل للتفاوض لعودة الأمور إلى ما كانت عليه مع بن كيران، وأن قراره بالحصار المالي ضد رئيس الحكومة في مقابل الحصار القضائي الذي يمارسه الرميد ليس واردا، كما كشف لمحيطه أن خياره لإسقاط الحكومة أو إسقاط القضاء في عهد الرميد ليس مأزقا، لأن الوزير ينتقد القضاء الأوروبي علنا فكيف لا ينتقد قرارات ابتدائية لقضاء بلده.

   وناهض رئيس التجمعيين إحدى اليوميات التي كشفت حكاية (البريمات) متهما وزير العدل بشرائها، وكتب التفاصيل في تقرير من 5 صفحات حمله إلى جهات عليا.

   وأدانت ابتدائية الناظور البرلماني المستشار عن الحزب والنائب الرابع لرئيس مجلس المستشارين عبد القادر سلامة بـ 8 أشهر نافذة إلى جانب رئيس جماعة معه، وصدر حكمان آخران واحد منهما يخص رئيس جهة سوس ـ ماسة ـ درعة القريب من الوزير أخنوش، والثاني ضد المستشار البرلماني وأحد مؤسسي الحزب محمد بوهدود بودلال، الذي استوزر الحزب ابنه، وفي اجتماع بمقر الحزب الذي دام ست ساعات، أكد مزوار على سقوط الحكومة ورفض اسم الرميد في حال مشاركة الحزب في أي تشكيلة جديدة، “اعتبرها الآن مستبعدة”.

   وعينت الحكومة تاريخ الانتخابات الأمر الذي ضيق المناورة على التجمعيين، فيما يعتقد مراقبون أن الحكم على رئيس جهة بعد شهور قليلة من بداية النظام الجهوي، ضربة قوية لقرارات المغرب للذهاب بعيدا في مثل هذا الخيار الاستراتيجي.

   وأكد مزوار على خطورة المساس بالأعيان في حزب الاستقلال وحزب التجمع الوطني للأحرار لنقلهم إلى الحزبين المتنافسين: العدالة والتنمية، والأصالة والمعاصرة.

   وانتهج إلياس العماري سياسة حصد ما يترتب عن صراع التجمعيين وبن كيران تماما، كما حصد صراع الاتحاديين والاستقلاليين ضد حزب العدالة والتنمية  لحسم الأوراق باتجاه واحد: ربح الانتخابات البلدية والجهوية.

   وأضافت نفس المصادر، منذ نهاية الأسبوع الأخير من فبراير عاد ممكنا وصول إلياس العماري إلى رئاسة الحكومة القادمة، ووعد مسؤول مغربي كبير الفرنسيين قائلا: ستكون الانتخابات التشريعية نزيهة إلى حدود تكون معها الملاحظة الدولية سندا للمغرب في الدفاع عن مصداقيته.

   ولمعرفة الساسة بهذه التطورات القادمة من باريس اعتبروا (الأحكام القضائية جزء من الترتيبات التي تقصي أسماء وتنقل أخرى من حزب إلى آخر).

وسمح مزوار لنفسه بالقول أمام اجتماع مطول: لن نسمح لحصاد بالنجاح في هذه المعركة، وشن حزب الاستقلال نفس الهجوم على وزير الداخلية، وتأكد أن الأعيان مهددون في الحزبين، ويريدهم الجميع أن يكونوا وقود معركة انتخابية صعبة في الظاهر، تحقق (الإبهار) الإعلامي في ظل أزمة عميقة يمر بها ملف الصحراء، ولا يريد أي أحد دفع ثمن الأخطاء المقترفة، فالمسألة اتجهت إلى تعاطي المجتمع الدولي مع المغرب ك “قوة محتلة” والتبعات السيئة لقيادة بلد منفتح لا يستطيع دفع ثمن الحصار الإعلامي والاقتصادي المرتقب.

  وليس هناك في الأفق سوى العودة إلى مسلسل المفاوضات مع جبهة البوليساريو، ولا حظنا أن الحليف السعودي اقترح لأول مرة وقف إطلاق النار في اليمن، بموازاة وقف إطلاق النار في سوريا، وقد اعتبرها ديمستورا، المبعوث الخاص الأممي لهذه القضية، (كتابا مقدسا) وعودة الرباط إلى المفاوضات، هو “الحل الوحيد على الطاولة” حسب معطيات المجتمع الدولي، فيما يمكن اللجوء إلى إدارة الحافة بطرد المينورسو.

   ويعيش قائد الدبلوماسية المغربية وحزب الأحرار ضغوطا شرسة أدت به إلى إعلان مسافة بينه وبين إجراءات الحكومة بخصوص (لاسامير) في لقاء السابع من مارس الجاري مع رجال الأعمال السعوديين، وأكد فيه على دعمه التسوية القضائية التي تباشرها المحاكم.

   وفي لقاءه مع سفير الرياض في المغرب، اكتشف مزوار أن مسافة بينه وبين بن كيران عززت من موقعه في محور الرياض والقاهرة الذي التحق به رئيس الحكومة بعد تمثيله للملك في مناورات رعد الشمال بحفر الباطن، فبقي اللقاء محصورا في الرد المغربي إثر وصول بان كي مون إلى الجزائر، كما نقلت تقارير سعودية لم تنشر. ويواجه صلاح الدين مزوار، وزير العدل مصطفى الرميد لطي صفحة البرلمانيين المدانين فورا، ودون إبطاء كي لا يلحق الضرر سمعة الحزب.

 مزوار الذي تقرب من البصري يفتح فرع (تافيكس) في سطات اعتبره وزير داخلية الحسن الثاني، مجاملا للقوة، وقاعديا سابقا يعتمد على أسلوب (الصفقات).

   ولا يختلف القاعدي صلاح الدين مزوار عن القاعدي إلياس العماري سوى في شيء واحد، الأول اختار مرحلة الحسن الثاني، واختار الثاني مرحلة الملك محمد السادس لإنجاز صفقة مع النظام تعمل “حصار الإسلاميين”، ولم يتقدم مزوار في العهد السابق لأن جماعة بن كيران لم تكن متقدمة، والآن ترفض الدولة أسلمتها بطرق ملتوية، ونعت رئيس التجمعيين هذه الفئة بالجبن، لأنها تضرب بطرق ملتوية، ولا تقف إلى جانب من حالفها، فمنذ 1991، والبصري ينظر إلى مزوار على أنه من الجيل الثاني في القيادة. وتواصلت الصفقات التي وصلت به إلى رئاسة حزب أسسه أحمد عصمان، وبدأ في التسعينات استيعاب اليساريين الجذريين قبل أن يقودوا الحزب في مرحلة ثانية، فاليساريون القاعديون انتصروا على الأعيان في حزب الأحرار قبل  تسليمهم قيادة حزب الأصالة والمعاصرة. وكانت الحسابات الأولى تفيد بعدم تأسيس حزب جديد، فتقرر نقل قيادة الأحرار إلى يساري جذري سابق، لكن الحساسية الأمازيغية والصحراوية فرضت نفسها حين لم يستوعبها التجمعيون، ففرضت حزبا آخر(الأصالة والمعاصرة).

   وفي خروج الاستقلاليين (المحافظين الاجتماعيين) من الحكومة تقدم (الأحرار)، وتحملوا حقيبتي الاقتصاد والسياسة الخارجية، وسهلوا إدارة المشهد نحو الجهوية التي يقودها حزب الأصالة والمعاصرة من موقع المسؤولية، رغم معارضته للحكومة، وفي لحظة فاصلة تحمل (البام) المسؤولية عن النظام الجهوي ومهاجمة قواعد الإسلاميين، وترك مهمة (محاربة بن كيران) لحزب الأحرار.

بعد إدارة حزب الأصالة والمعاصرة لورش الجهوية قاد حزب الأحرار المواجهة ضد الإسلاميين وبن كيران، فالسيطرة على الورش الأول أي الجهوية، منع الإسلاميين من مفاصل الدولة الجديدة وقرر التجمعيون محاصرة الإسلاميين في الحواضر التي صعدت فيها شعبية حزب العدالة والتنمية، إن تكلف الباميون بالبوادي.

   الحكم على رئيس جهة سوس، حكم على أخنوش التي تدهورت علاقته مع رئيس الحكومة وأصبح أخنوش ومزوار جهة واحدة ضد عودة بن كيران تحت أي ظرف لولاية ثانية، وحسب مصادر عليمة، فإن أخنوش لا يقبل أيضا سعد الدين العثماني، وتلك قصة لها تفاصيل أخرى. وانتهى المطاف إلى إعادة تقدير جديد للأوضاع، يبدأ من:

    أ ـ محاولة إسقاط رئاسة جهة سوس لتسليمها لحزب معارض فاوضه حزب الأصالة والمعاصرة، لكن الفرصة ضاعت، لأن التجمعيين لم يريدوا اللعب بأعيانهم في فترة حرجة، وعرفت منطقة سوس “حروبا صغيرة” بعد تسلم ريفي رئاسة حزب الأصالة والمعاصرة، ورغب الجميع في انقلاب لإبعاد مزوار وصعود رجل قريب من أخنوش، ومن جهة سوس تحديدا، لإحداث التوازن المرغوب مع محند لعنصر وتمثيله لأمازيغ الأطلس، وقيادة إلياس رجل الريف لحزب الأصالة والمعاصرة. وتعارض أطراف في الدولة هذه التوجهات الإثنية التي تقود حاليا الخارطة السياسية المغربية.

   ب ـ محاولة التجمعيين إبعاد مصطفى الرميد في أي تشكيلة جديدة، والرجل يدعم بن كيران ووصل الحال برئيس الحكومة إلى القول: سيطلب من الملك بقاء الرميد في وزارته، إن لم يكن رئيس الحكومة، أي إن شارك حزب العدالة والتنمية في الحكومة القادمة ولم يفز برئاستها، وهي رسالة إلى بقاء هذا الاسم في مقعده.

   ج ـ الحرب الطاحنة ضد الأعيان لتقليل نسبة الأموال في الانتخابات القادمة، قرار دولة لإعطاء مصداقية أكبر لهذا الاستحقاق، وبدأت هذه السياسة منذ تسليم حزب الأصالة والمعاصرة ليساري سابق.

   إذن، جاء قرار محاصرة الأعيان في الانتخابات التشريعية القادمة بعد 275 ساعة من ظهور النتائج البلدية والجهوية، ولا يرى صلاح الدين مزوار (أن هذه السياسة مفيدة اليوم لتحجيم حزب العدالة والتنمية)، ويقف رئيس التجمعيين إلى جانب الأعيان في حزبه، لأن (إضعاف هذه الفئة يعني إخراج التجمعيين من اللعبة).

   وفي ظل الاستقطاب المتوقع بين الأصالة والمعاصرة وحزب العدالة والتنمية سيدفع مزوار الثمن غاليا.

 إن سمح مزوار لخطة بن كيران بتحرير اللعبة السياسية من الأعيان سيبتلع حزب الأصالة والمعاصرة التجمع الوطني للأحرار.

   خوف مزوار مركب، لأن المساس بالأعيان سيدفع الحزب إلى الانهيار وابتلاع حزب الأصالة والمعاصرة لما تبقى من التجمع والتجمعيين الأحرار، كما ينتهي إلى عدم حماية الحزب لأعضاءه بالهجرة إلى حزب إلياس العماري.

   وكما هو معلوم، تقدم صلاح الدين مزوار اللعبة لتشكيل استقطاب في 2011، عندما اقترحت الدولة حل حزب الأصالة والمعاصرة قبل أن تتراجع عن هذه الخطوة، كما يراهن حاليا على عدم الذوبان، ومن الغريب أن يأخذ حزب الاستقلال اليوم موقع حزب العدالة والتنمية في برلمانيات 2011، كي يشكل الكتلة الثالثة في ظل الصراع والاستقطاب الناجز بين حزبي الأصالة والمعاصرة وحزب بن كيران. ولا يريد مزوار دفع أي ضريبة لأي كان في برلمانيات أكتوبر القادم.

   ومن المفاجئ أن يمارس القاعديان السابقان مزوار وإلياس العماري نفس التكتيكات، ويرفض البعض تهميش مزوار والتجمعيين، لأنهم حلفاء في حكومة بن كيران الثانية، فيما يسود رأي داخل حزب العدالة والتنمية يرفض اعتبار الأصالة والمعاصرة خطا أحمر، ويفكر هؤلاء في تهميش التجمع الوطني للأحرار. وفي ظل هذه الاصطفافات، يجد مزوار أن رئيس الحكومة لا يجد مانعا من التحالف مع (البام) وإن ناهضت موقفه جماعة وجدة، يتقدمهم أفتاتي، وهو على يسار بن كيران.

 يتساءل الجميع، لماذا زعزعة موقع الأحرار في منطقتي الريف وسوس؟

   لا يختلف مزوار عن رأي ساد في اجتماعه مع كوادر الحزب عقب الأحكام القضائية التي استهدفت الأحرار في منطقتين حساستين: الريف وسوس، المؤهلتين لمغادرة أعيانهما إلى حزب العدالة والتنمية أو الأصالة والمعاصرة.

   فالمنطقتان الأمازيغيتان تناصران إما إلياس العماري أو سعد الدين العثماني، ويؤكد المراقبون أن ترتيبات اللعبة تسحب سوس إلى حزب الأصالة والمعاصرة. واشتكى العثماني في تغريدة له على تويتر رغم نجاحه مما دعاه تضييقات التحكم بالجماعة القروية أسني، في الوقت الذي حوصر فيه بن كيران بوجدة، وأيا يكن الأثر، فإن نذور الحصار في العالم القروي والحضري لا يتحملها حزب الأصالة والمعاصرة فقط، بل حزب الأحرار. وفي التفاصيل، أن مزوار قرر أن يكون قويا في مزاحمة الصوت الإسلامي المحافظ عبر شبكات المصالح التي يمثلها، ولا يمكن أن يترك (كامل الشبكات تذهب إلى حزب الأصالة والمعاصرة).

   وحسب تقارير غربية، نحن أمام الشبكات الجديدة من رجال الأعمال التي خسرت خارطة الغرف والتمثيليات، وهي تتجه إلى حزب الأصالة والمعاصرة، واحترقت الشبكات التقليدية من داخل وخارج الحكومة الحالية، وليس لدى حزب الأحرار القدرة على تخطي (الاستعمال الجيد أو غير الجيد) للمال. من جهة، تمنع هذه الشبكات التوجهات العرقية وتبني زبونية مؤكدة وقابلة للاستعمال، ومن جهة ثانية، هناك مصالح شركات ورساميل تؤمن بانحيازها للتحكم. وراهنت قوى الأعمال التي ناصرت الإصلاحات على تهييء مناخ سياسي قد يساعد في بناء علاقات ليبرالية سليمة، كما يقول كريم التازي رجل الأعمال الذي ناصر حركة 20 فبراير وبعدها حزب العدالة والتنمية.

   ونافس عبد الإله بن كيران على نفس القواعد التي تؤمن بالترابط الوثيق بين الحرية والتنمية فصدم مناصريه في فئة رجال الأعمال، وخرج مزوار ممثلا لرجال الأعمال التقليديين للقول، إن بن كيران رمز للتحكم والطغيان، لأنه ببساطة يتجه إلى القواعد وفئات الأحزاب الإدارية، بل قال وزير الخارجية في آخر خرجاته: إن حزب العدالة والتنمية حزب إداري وأسسته السلطات لضرب (القاعديين). وتكشف هذه الصيغة أن السلطات لم تعد تخيف السياسيين، وأصبحت أوراقهم مكشوفة في قراءة الواقع و حسابات الانتخابات، ورغم ذلك لم تتمكن الأحزاب المشاركة في الحكومة من الوصول إلى اتفاقيات ظرفية أو استراتيجية، فيما يذهب حزب الأصالة والمعاصرة إلى “مهامه” التي سببت في محاولة إزاحة التجمع الوطني للأحرار من الأحزمة الأمازيغية.

 من المخيف لحزب الأحرار أن يكون مصيره على خطوات الاتحاد الدستوري، ولا يسعى مزوار أن يأخذ حزب الأصالة والمعاصرة مكان حزبه، لأن لكل مرحلة حزبها، ولم يعد ممكنا تكرار زعامة الأحرار لائتلاف 2011 في وقت يتقاطع فيه حزبا الأصالة والمعاصرة وحزب العدالة والتنمية وقد يتحالفان في أي لحظة.

   يخاف الأحرار أن تبدأ تصفيتهم قضائيا، بعدما وجدوا طريقهم إلى حكومة بن كيران، لأن الدولة تجد بديلها القوي في الأصالة والمعاصرة، وعاد لبن كيران حزب الاستقلال رغم ما ترك من خدوش، ولكنها مفهومة وقابلة للتجاوز. وفي خضم هذه الحسابات، لن يدافع حزب الأحرار عن الحصيلة السلبية لحكومة بن كيران، وتدفع الأحكام القضائية إلى برمجة التراجع في التشريعيات القادمة، فرجال الأعمال “المدجنين” يجدون خيارات كثيرة وسط الخوف على مستقبلهم ولا يضمن لهم”منسوب الجرأة” المطلوب لمواجهة التحديات سوى حزب بن كيران أو حزب الأصالة والمعاصرة، ولا يمكن بناء استقرار في مناخ الأعمال في ظل تراكم السلبيات.

   وانطلاقا من إعجاب الرسميين المغاربة بالنموذج الإماراتي، نجد أن الإقلاع الاقتصادي المرتقب ليبرالي أكثر، وله جرأة لا تتعدى السقوف المرسومة ولا يمكن القبول بسقوف محددة سلفا عبر حزب الأحرار في رحلة ما بعد 2016.

   وفي هذه الظرفية، التي قال عنها التازي أن برامج الاستثمار في القطاع الخاص هوت، وعادت الأموال تهرب إلى الخارج، ولا يمكن لرجال الأعمال والأعيان في حزب الأحرار أن يصمدوا أمام أحكام قضائية تستهدفهم لأنها ستزيد من الصعوبات المتراكمة أمامهم.

 عدم الثقة بين الأحزاب المشاركة في الحكومة وعدم الثقة المستمر بين علي الهمة وبن كيران يؤطر المناخ العام لأن النظام السياسي لم يثق بعد في ولاية كاملة للحكومة عقب حراك 20 فبراير 2011.

   بدأ مزوار بمقاطعة وزير الداخلية حصاد، قبل أي رد فعل ضد بن كيران أو الرميد المتحالفين مع النهج الأمني لوزارة الداخلية، فالمسألة تتعلق بعزل حزب العدالة والتنمية من داخل الأغلبية، ومن خارجها في استثمار قضية الأساتذة المتدربين في أكبر أزمة مست شعبية بن كيران مباشرة.

   واللعب على الحافة خيار منهجي في مرحلة ما بعد الحسن الثاني، ويمكن كشف الأبعاد المركبة لهذه المغامرة المحسوبة التي تضعف دفعة واحدة: حزب العدالة والتنمية لمنع عودته بالتشكيلة الحالية، ونقل الأعيان، إلى منطقة آمنة جديدة  متمثلة في حزب الأصالة والمعاصرة، وتنظيف الانتخابات من “المال” الذي انتقده الجميع، ورد الملك على هذه المسألة مباشرة وأمام الملأ في البرلمان. ومن المهم في حسابات الدولة، عدم تكرار ما حدث في الانتخابات البلدية والجهوية دون المساس بأصدقاء النظام، وهذه إشارة تحذيرية، ولا تتجاوز ذلك.

 الأحكام القضائية “تحذيرية” لكل مستعملي المال منذ تدخل الملك بالبرلمان لطي صفحة النقاش حول فساد الانتخابات البلدية والجهوية وأرادت الدولة في شخص وزير داخليتها خفض منسوب (المال الحرام) في الانتخابات التشريعية وتحويله إلى (مال سياسي أو زبوني منظم).

   في حسابات الدولة، سيجري خفض منسوب استعمال المال في الانتخابات التشريعية، لظرف دولي لم يعتبره (مزوار) عاملا حقيقيا، في ظل تحديات معلنة من طرف المملكة في ملف الصحراء، ووقف الاتصالات مع الاتحاد الأوروبي إثر حكم قضائي. ولا يقنع سوق هذه الحجج رئيس التجمع الوطني للأحرار، الذي يريد فورا تصحيح الأحكام القضائية في الاستئناف لاستئناف (الحوار بين قادة الأغلبية)، وعبر محند لعنصر عن بقاء هذه الحكومة واستمرارها لولاية ثانية بنفس التشكيلة الحالية، ويسود انعدام الثقة “بشكل كبير” بين الأحرار وحزب العدالة والتنمية، وبشكل أعمق بين حزب التقدم والاشتراكية حليف بن كيران وحزب (الأحرار). ومن المهم، انتصار القضاء لتوجهات نبيل بن عبد الله الذي تسلم جهة قبل أن تنتهي إلى حزب (الأحرار)، ويدان رئيسها بثلاثة أشهر موقوفة النفاذ.

   وفي ظلال هذه الأزمة، يرى المراقبون إلى أي حد سحقت الحسابات الحالية النقابات، وبالتبعية اليسار الذي لن يجد بدا من تقدم الأصالة والمعاصرة على باقي تشكيلاته، فأصبح حليف اليمين الديني (التقدم والاشتراكية إلى جانب العدالة والتنمية) أو اليمين المخزني (الاتحاد الاشتراكي إلى جانب الأصالة والمعاصرة، وزاد هذا الوضع سوءا عندما أعلن حزب الأصالة انتماءه إلى وسط اليسار)، وحدث فراغ شديد زاد منه إجهاض مشروع عبد الرحمن اليوسفي المتمثل في جمعية كبرى لإطلاق طريق ثالث بين الهوياتيين والتكنوقراط، وملأت الورقة المذهبية لحزب الأصالة والمعاصرة في مؤتمره الأخير هذه الثغرة.

   ويتنافس اليمين الإداري داخل الحكومة وخارجها فيما اختار الجناح المحافظ العمل لوحده متمثلا في حزب الاستقلال، وطرأ تحول نوعي لانضمام الهوياتيين الأمازيغ في الحكومة (الحركة الشعبية) إلى الهوياتيين الدينيين (حزب العدالة والتنمية) لأن الخروج لمواجهة إلياس العماري سيدفع محند لعنصر إلى دفن نفسه في أوساط الأمازيغ، إلا عند الميكرو- هوياتيين (الشلوح مقابل ريافة). وتبعا لما هو محسوب، فإن قدرات الدولة في إعادة (الثقة) إلى لعبتها تزيد ضعفا، وإن أضعفت عامل الدين والأعيان دفعة واحدة، لكن الأحزاب لم يكن لها بدائل ـ برامجية وبرغماتية أو عقلانية ـ ولذلك يزيد الوضع فراغا إلى حدود مرعبة. ويقترح البعض صفقة بين الأحزاب والدولة، ويرى البعض الآخر بقاء المال عاملا، ما دام الدين والهوية الأمازيغية جزء من الدعاية الانتخابية القادمة. ولا يمكن تقليل الإيديولوجيا سوى بالمال، ويعارض مزوار أي مساس بكلاسيكيات اللعبة المغربية، لكن ما حدث في شتنبر الماضي كاد أن يلغي الاستحقاق.

   ربما يكون منسوب الثقة منخفض جدا بين النظام والإسلاميين، وبين أحزاب الأغلبية وأحزاب المعارضة بعد ما حدث بين شباط وحزب الأصالة عقب الانتخابات البلدية، ويترك إلياس العماري مجالا كبيرا للشك في أوساط اليساريين بعد استهلاكهم إيديولوجيا من خلال المؤتمر الأخير لحزب الأصالة. وفي كل الأحوال، يعرف المغاربة أن أي حكومة يجب أن تنجح خوفا من تكرار مصير الحكومات السابقة أومصير الآخرين في الإقليم، فالتنافس على الإفشال يسبق كل شيء، وتظهر في هذه القصة العميقة حسابات صغيرة في كل شيء، الأمر الذي لا يخدم إلا لوبيات تعرف جيدا كيف تكون فوق الأحزاب، وتعيد الانتقال إلى نقطة الصفر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!