في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | لا تظلموا بن كيمون بعد بن كيران: دبلوماسيتنا تتحرك بعد الحدث.. لا قبله

بقلم: مصطفى العلوي

   قبل موته بفترة وجيزة، وكان الرئيس الجزائري، صانع أزمة الصحراء(…) الهواري بومدين، محاطا بالمقربين إليه، فقال: ((أعرف أنهم يوما، سيبصقون على قبري كما سيبصقون على قبور كل القادة الذين لن يبقوا في الحكم)) (كتاب جزائري اسمه بومدين. أنياس فرنكو).

   ولكن المغاربة لم يبصقوا على قبر بومدين، بقدر ما شتمت أجهزتهم ووجهت(…) الأمين العام الأممي، بان كيمون الكوري الجنوبي، الذي عانى وطنه من انفصال جزء من وطنه(…) كوريا الشمالية، وهي تهدد العالم اليوم، بقيادة شبه طفل، على رأس الدولة الانفصالية، وهو يتلاعب في أنامله بالقنابل الذرية. بان كيمون هذا، ليس إلا من الغباء الاعتقاد بأنه يؤيد الانفصال، وقد سكت المغرب، بل رضي على مواقف بان كيمون تجاه مشكل الصحراء، منذ أن اقتعد منصب الأمين العام للأمم المتحدة سنة 2006، إلى اليوم.

   وإنما الذي حصل، أنه كما قال: أراد زيارة ملك المغرب الذي لم يكن متواجدا في الرباط، فاعتبرها قطعا من طرف المغرب، لشعرة معاوية، التي بقي الملف المغربي في نيويورك، معلقا بها، ببركة الأولياء والصالحين.

   ومخطئون، أولئك الذين تعودوا على الأخطاء، وحملوا المسؤولية للأمين الأممي، الذي إنما ينفذ التعليمات العليا، مثلما ينفذ بعضهم التعليمات العليا هم أيضا، وإن كانت الدوائر العليا في نيويورك، ليست هي الدوائر العليا في الرباط، ويا لسوء الحظ.

   وها هو الوزير المجرب، المبعد من الخارجية، محمد بنعيسى، الأمريكي التكوين، يضع خلافنا مع بان كيمون، موضع الجد، ويكتب: ((على المغرب أن يتعامل مع سلوك بان كيمون ليس فقط بما صرح به في الجزائر، بل أن يعرف من يقف وراء هذا الرجل، الذي لا يتصرف إلا وفق توجيهات معينة، فتصريحاته ليست مجرد فلتة لسان، أو ردة فعل على المغرب الذي طلب تأخير الزيارة، بل إن لكلامه خلفيات، أعمق(…) على المغرب أن يستعد لها(…) وعلى المغرب ألا يتوقف عند موقف التنديد بل يجب الانتقال إلى مستوى مواجهة ما يخفيه هذا التصريح)) (الأحداث المغربية. 12 مارس 2016).

   دبلوماسي آخر من أجيال الدبلوماسية أيام الحسن الثاني يسمى المنور بلعالم، عاش الأزمة الحقيقية، لكن منذ سبع سنوات، والدبلوماسية الحقيقية، هي التي تمتاز بالنظرة المستقبلية، فقد أحس الدبلوماسي بلعالم بضخامة الأفق الأعلى، الذي يخطط للأمناء العامين للأمم المتحدة، فصرح انطلاقا من تجربته، موضحا ضخامة المخطط المرسوم ضد المغرب(…) سواء في الأمم المتحدة، أو في السوق الأروبية المشتركة، التي صرحت قبل تصريح بان كيمون بشهر، بأنها قررت مقاطعة المنتوجات الفلاحية المغربية: ((هناك استراتيجية ممنهجة(…) وتحركات فريق غير رسمي تم تشكيله داخل البرلمان الأروبي ضد المملكة المغربية، لنتساءل عن غياب اللوبي الداعم للمغرب.. فكيف تتحرك الدبلوماسية المغربية بعد وقوع الحدث، وليس قبله(…) بينما يجب على المغرب ألا يثق في من يسمون حلفاءه.. كإسبانيا، والولايات المتحدة الأمريكية، فإنه ليس لهؤلاء أصدقاء، بل مصالح فقط)) (المساء. 3 دجنبر 2009).

   المؤامرة إذن، ليست جاثمة خلف تصريحات بان كيمون، وإنما الجاثم بكلكله على المستقبل المغربي، هو التقليد الدبلوماسي المغربي، بالتحرك بعد وقوع الحدث وليس قبله، مبتدعا سياسية الفعفعة كرد فعل.

   تحرك من قبيل الاحتياط من الموقف الأمريكي، كما وجده بان كيمون نفسه، عند تعيينه سنة 2006، حينما صرح نائب وزيرة الخارجية الأمريكية، هيلاري كلينتون، في محاضرة ألقاها في مايو 2006، بمركز إيفري الفرنسي، وقال: ((إن الملكية في المغرب مهددة بالزوال)) فغضب المغاربة، طبعا من بعد، ووجهوا وزيرهم في الخارجية الطيب الفاسي شهرا من بعد إلى إيفري، ليلقي محاضرة كلها الدنيا عندنا بخير.

   وكان اللوبي الأمريكي المخطط لمستقبل المنطقة(…) مهد للكلام، الغير مبرر، في إيفري، بتصريح سابق نشر في “طيل كيل” المغربية في 18 فبراير 2006، ((حين قال الوزير الأمريكي رامسفيلد، بعد مقابلته في قصر بوزنيقة: إنه قصر مناسب(…) لإطار مخطط للتقاعد(…))) تقاعد من؟ وكملوا من رأسكم.

   سنة من بعد، جاء مسؤول أمريكي آخر اسمه طوماس رايلي، وكان سفيرا لواشنطن في الرباط، استقبل هو أيضا من طرف الملك محمد السادس، كان قد تعلم من المغرب، المثل الشعبي “العداوة ثابتة، والصواب يكون”، فقال: ((إن محمد السادس رجل ذكي وجدّي، لا يتكلم لغة الخشب، ولكنه قليل المرح. إلا أن مشروع الحكم الذاتي الذي اقترحه المغرب، طرحته الإدارة الأمريكية على خبراء متخصصين في شؤون الحكم الذاتي، إلا أن البوليساريو يبقى هو الممثل الرسمي لحد الآن(…) ولا يمكن للكوركاس، أن يكون طرفا في المفاوضات)) (مقال مصطفى كينت. الأحداث يوليوز 2007).

   والكوركاس هو التنظيم المغربي بقيادة قطب زمانه إدوار موحا.

   فلماذا تحميل التعيس بان كيمون، وحده مسؤولية ما قيل له أن يقوله، مادام خطر التقسيم وتشتيت المنطقة، راسخ ثابت في المخطط الجهنمي المرسوم(…) ولا تفرح الجزائر، فهي أيضا ستأخذ حقها من هذا المخطط، باقتطاع المنطقة الصحراوية في جنوبها واقتطاع منطقة أخرى لفائدة القبائل في شمالها، فهي شريكتنا في الضراء أيضا، ورحم الله الحسن الثاني، الملك المظلوم(…) الذي كان يرى قريبا ما يراه بعض قصيري النظر بعيدا، حين اجتمع إلى الرئيس الجزائري الشاذلي بنجديد، في موقع العقيد لطفي، يوم 26 فبراير 1983، بحضور وزرائه ومستشاريه، بوستة، وجديرة، وآخرين، وبحضور ولي عهده محمد السادس، الذي حكى الطالب الإبراهيمي الوزير الجزائري الذي كان حاضرا، أن الحسن الثاني ترك ولي عهده واقفا، وكأنه يريد إعطاءه أمرا، فقال له بمحضر الجميع: ((عندما أموت، وتحتل مكاني، فلابد أن تبقى على اتصال بعمك الشاذلي، في جميع القرارات التي تفكر فيها)).

   لأن الخطر، خطر تقسيم المنطقة، لا يهم المغرب فقط، وإنما حتى الجزائر التي فرحت وحدها لتصريح بان كيمون.

   الخطر الذي يشمل المنطقة العربية من الخليج إلى المحيط، وها نحن نشهد يوميا أمواجه العاتية تتهددنا، وهي تغرق سوريا وليبيا.

   وقد عرض المبعوث الأممي المكلف بها، أن الحل السوري كامن في تقسيم سوريا، تنفيذا للمخطط الكبير الذي أعلن عنه عراب الخريطة الجديدة، كيسنجر، في محاضرة ألقاها في كلية اكسفورد بجامعة ميشيغان، حللته الصحفية الشرقية هدى الحسيني ولعلها حضرت الندوة، فكتبت: ((إن الربيع العربي(…) كشف الطبيعة الطائفية لكل منطقة، حين ظهرت الهويات التي كانت مكبوتة، لأن أسطورة الدول العربية القوية، المتماسكة(…) انتهى عمرها.

   فقد انشق جنوب السودان، على أسس عرقية ودينية، وسقط نظام صدام حسين لتسهيل عودة الشيعة إلى العراق، والسنة إلى سوريا، كما سقط نظام القذافي، وسيبقى الشيعة العرب كما كانوا منذ القرن السابع عشر، في بغداد، والسنة في دمشق، والموارنة في بيروت، والعلويون في اللاذقية، والأكراد في إربيل، واليهود في تل أبيب، والسنة الأتراك في أنقرة، والشيعة الفرس في طهران.

   إنه سيصبح من الصعب على أي كان، الهيمنة على أية منطقة)) (الشرق الأوسط. 4 يوليوز 2013).

   لم يتحدث كيسنجر عن منطقتنا ولا عن الصحراء، ولا عن المخطط المرسوم لمراجعة الجغرافية الإفريقية، وكل مناطقها التي ابتلعت سنارة حقوق الإنسان، كمبرر لإسقاط الأنظمة، كما حصل لمبارك في مصر، وبن علي في تونس، والقذافي في ليبيا، بينما ها هي صحفية مغربية تكتب منذ أسبوع فقط، وكأنها توقظ المغرب: ((إن بلادنا استهانت لمدة طويلة بقضية حقوق الإنسان، في الشمال وفي الجنوب(…))) (عائشة أقلعي. طيل كيل. 11 مارس 2016).

   أحد الأقطاب الصحراويين الكبار، سألته عن علاقة هذا المستقبل بحاضر هذا المغرب، فأجابني: عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم.

   فربما كانت القاعدة القرآنية، ويمكرون ويمكر الله هي الملاذ، وقد نسي المخططون الغربيون، أطرافا من ذلك التاريخ العربي والإسلامي الذي تحداهم عبر أجيال، باحتلال الأندلس وأطراف ممتدة إلى سويسرا. ورغم أن إسرائيل منتشية فرحة بهذا الحاضر الذي خلصها من أعدائها، وجعل الدول العربية كلها – كما كانت تقول إسرائيل – يعلنون عدو إسرائيل الأكبر، حزب الله، عدوا للعرب أجمعين.

   أما صحراؤنا، فالحل منطلق من الإرادة المغربية طبعا، لأن مشكلة الصحراء، صنعها الرئيس الجزائري بوتفليقة منذ شبابه، ليشغل المغرب عن المطالبة بأراضيه في الصحراء الشرقية، التي تحتلها الجزائر، ووسام استحقاق للاستقلالي شباط، الذي كان رده على تصريحات بان كيمون، كواضع لأصبعه على الزر المؤشر إلى الحل، حين قال: إن الحل يكمن في استرجاع الصحراء المغربية الشرقية. رغم أن شباط، لم يكن من جيل الحسن الثاني، الذي زعزع الكيان الجزائري يوما حسب ما خلده وزير الخارجية الجزائري الطالب الإبراهيمي في مذكراته، حين كتب باستغراب: ((عندما صوتت اللجنة الرابعة بالأمم المتحدة، يوم 22 أكتوبر 1979، بإعلان تقرير المصير للشعب الصحراوي، الذي أيده 83 صوتا، وعارضه خمسة أصوات، أجابهم الحسن الثاني شهرا من بعد في 28 نونبر 1979، باحتلال المنطقة الموريطانية في بير مغرين، بعد أن أمضت موريطانيا عقد سلام مع البوليساريو)) (مذكرات الطالب الإبراهيمي).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!