في الأكشاك هذا الأسبوع

الحزب السياسي المغربي بين ثقافة المناضل و”عقلية الزبائن”

   لم يخضع أبدا الحزب السياسي في بلادنا إلى مجموع المحددات المفاهيمية والمعايير التصنيفية التي وضعها فقهاء القانون الدستوري والمختصون في العلوم السياسية. فإذا كانت طموحات الحزب ومسببات وجوده هي المشاركة في ممارسة السلطة، واقتسام الدور التنظيمي والتأطيري والتدبيري للحياة العامة مع جهاز الدولة البيروقراطي والتقنوقراطي،  فإن عددا من الأحزاب في بلادنا، وبالنظر إلى ظروف نشأتها وتطورها لا تتمثل هذا التصور، ولم تحدد لنفسها أي دور أو يمكن القول أنها سلبت أدوارها الحقيقية لتقوم فقط بمهمة محددة زمنيا وحتى جغرافيا.

   عدد من الأحزاب تبنت مرجعيات فكرية وفلسفية واضحة وحددت لنفسها أدوارا سياسية واجتماعية مرتبطة بمنظومة القيم التي تحيل عليها مرجعياتها، تروم الكرامة والمساواة والعدالة الاجتماعية، والتخليق وإحقاق الحقوق لذويها، وغيرها من الأهداف والمرامي، وتعد هذه الأدوار مقدسة بالنسبة إليها، بل أكثر من ذلك، تضع وجودها أحيانا في خانة الضرورات الإنسانية، الشيء الذي يحدو بها لزاما إلى وضع برامج وخطط تواصلية وإعلامية وتكوينية لاستقطاب مناضلين حقيقيين، بإمكانهم التضحية بكل شيء من أجل هذه القيم وإن كان الثمن هو الاعتقال والاضطهاد أو الإقصاء وغيرها.

   أحزاب أخرى لم يكن وجودها في المشهد السياسي حاجة فلسفية أو اجتماعية بقدر ما كان إخراجها إلى الحيز السياسي فقط من أجل أداء مهمة محدودة داخل الزمان والمكان، وغالبا  ما تكون هذه المهمة محددة في عرقلة توسع الأحزاب التي حددت لنفسها أدوارا واضحة داخل النسق السياسي والسوسيو- ثقافي.

   أحزاب المهام غاب فيها المناضلون وانتعش فيها الزبائن.

   في ظل هذه الأفكار، ينبع التساؤل المشروع عن هوية وسيناريوهات التحالفات الحزبية أو السياسية، سواء في إطار الأغلبية المسيرة للشأن العام أو في إطار المعارضة، من يتحالف مع من، ومن يكمل من؟ من يستعمل من، هل صاحب الدور أم المكلف بمهمة؟ هل هناك نحن بصدد تشكل قواعد جديدة للعبة التوازن بين صاحب المهمة في مواجهة صاحب الدور، أم هناك هيمنة وتوجيه تحكمي من حزب المهمة لأحزاب الأدوار؟ هذه التساؤلات قد تشكل منطلقا لبحث سوسيولوجي عميق لطبيعة الفاعل السياسي المغربي في المستقبل.

   وخلاصة القول، لا يمكن الحديث عن أي تطوير أحادي الجانب- من طرف الدولة والإدارة- للمسار الديمقراطي في بلادنا في غياب تطور في البنيات العضوية والذهنية الحزبية ووضوح في أدوار كل حزب على حدة وفق مرجعية نسقية ومعرفية.

إدريس بنيعقوب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!