في الأكشاك هذا الأسبوع
ياسمين الخيام

ما سر العداء بين فايزة أحمد وياسمين الخيام

بقلم: رمزي صوفيا                                          

   من منا لم يعشق صوت المطربة الراحلة فايزة أحمد، ومن لم تطربه روائعها التي تغنت بالحب وبالأخوة وبالأمومة وبكل شيء جميل في هذه الحياة، وقد كانت فايزة أحمد عندما تبدأ في الغناء، تغيب عن الواقع وتغرق في أحاسيسها لتقدم أجمل وأعذب ما يمكن للإنسان أن يسمعه، حتى شغف بها الكبير والصغير، وقال لي محمد عبد الوهاب عنها ذات يوم وأنا أجالسه في فيلته: “أنا شخصيا أعتبر أن صوت فايزة أحمد يأتي من حيث العذوبة والقوة بعد صوت أم كلثوم”، فاغتنمت الفرصة وسألته: “وأين هي مكانة نجاة الصغيرة ووردة وياسمين الخيام؟” فكرر لي نفس موقفه قائلا: “كل هذه الأصوات هي عبارة عن تحف فنية، ولكن صوت فايزة يأتي عندي بعد صوت أم كلثوم مباشرة، إنك تشعر بفايزة وكأنها تغني حتى عندما تتحدث معك، وبصراحة فقد شعرت بالطرب الحقيقي والأصيل لأول مرة مع صوت فايزة، لهذا لحنت لها عدة أغاني”، سألته: وهل لها مواهب أخرى: فقال لي: “أبدا، الموهبة الوحيدة التي منّ بها الله عليها هي الصوت الرائع والدافئ الذي تهتز له الأفئدة، وقد حاول المخرجون القيام بالمستحيل لجعلها ممثلة سينمائية، ولكنهم فشلوا في ذلك، حيث مثلت في أفلام قليلة مثل فيلم “تمر حنة” الذي غنت فيه لإسماعيل يس أغنيتها الجميلة “يا حلاوتك يا جمالك، خليت للحلوين إيه؟” إلا أنها فشلت فشلا ذريعا كممثلة، في حين نجحت نجاحا باهرا كمطربة، وصفها الملحن الكبير كامل الشناوي بالحرف بلقب “كروان الشرق”، ومشكلة فايزة هي أنها مغيارة، فكلما ظهرت مطربة تنافسها في عالم الطرب إلا وناصبتها العداء بدون سابق إنذار، وهذا ما وقع بينها وبين ياسمين الخيام التي نالت شهرة كبيرة، فوجدت أمامها عدوة لدودة هي فايزة، وقد نصحت هذه الأخيرة مرارا وتكرارا بأن تخفف من غيرتها وعصبيتها ولكنها وقفت من ياسمين الخيام موقف عدائيا بدون سبب وجيه”.

   وبعد ذلك التقيت بياسمين الخيام ونشأت بيني وبينها صداقة وطيدة حتى صار الكثيرون يعتقدون بوجود علاقة عاطفية بيننا، وكانت ياسمين عندما تسمع هذه الإشاعات تضحك من كل قلبها وتقول لي: “ياريت لو كان كلامهم صحيح”، وذات مرة سألتها: “ما هو سر العداوة المنصوبة بينك وبين فايزة أحمد؟” قالت: “يا رمزي، أقسم لك بالله العظيم بأني أحب فايزة أحمد وأحترم حبها لفنها وغيرتها عليه، وأفضل صوتها حتى على صوت أم كلثوم وأحتفظ بكل أشرطة أغانيها، ولا أدري لماذا تشتمني وتدلي بتصريحات تمسني علانية”، وهكذا انطلقت في المساعي الحميدة لأصلح ذات البين بين فايزة وبين ياسمين، وكم كانت فرحتي كبيرة عندما تصافت الإثنتان وأصبحتا صديقتين حميمتين لا تفترقان أبدا.

   وقد ولدت فايزة أحمد من أب سوري وأم لبنانية في سنة 1934، ومنذ الصغر كانت تؤدي أغنيات ليلى مراد واسمهان، فانتبهت والدتها لموهبتها المبكرة، واتفقت مع موسيقي لبناني لتعليمها مخارج الحروف وقواعد الموسيقى والغناء، وفي سن الثانية عشر، تقدمت للإذاعة اللبنانية لاعتماد صوتها كمطربة، ونجحت أمام اللجنة، وبدأت في أداء بعض الأغنيات، لكنها لم تجد قبولا لدى المستمعين، ولأنها كانت واثقة من موهبتها لم تيأس، فقررت الاتجاه لإذاعة دمشق، لكنها لم تصادف النجاح أيضا، فذهبت لحلب ونجحت في إذاعتها، وغنت وذاع صيتها، فقامت إذاعة دمشق بطلبها للغناء هناك، لم تكتف فايزة بالنجاح الذي حققته في سوريا، وقررت المجيء لمصر لإكمال دائرة نجاحها، فتقدمت للإذاعة المصرية التي اعتمدتها كمطربة، ومن هنا كانت بدايتها الحقيقة التي شهدت ميلاد نجوميتها.

   كان للموسيقار محمد الموجي الفضل في صناعة نجومية فايزة أحمد من خلال العديد من الأغنيات التي قدمها لها وأهمها “يا ما القمر على الباب”، التي كانت جواز مرورها إلى المستمعين في العالم العربي، وكانت من أكثر الأغنيات المحببة لقلبها، بالإضافة للعديد من الأغنيات العظيمة الأخرى مثل “بيت العز”، “أنا قلبي إليك ميال”، “يا تمر حنة”، “حيران”، وبالإضافة لمحمد الموجي غنت فايزة أحمد لملحنين عظام مثل كمال الطويل ومحمود الشريف وبليغ حمدي.

   وكان أحد أهم أهداف فايزة أحمد التي سعت لتحقيقها منذ مجيئها لمصر، هي ملاقاة محمد عبد الوهاب، ففي كل مرة كانت تحاول مقابلته كان يقال لها الأستاذ في الحمام أو نائم أو غير موجود، وهكذا أصيبت بخيبة أمل بعد ثلاثة أسابيع من المحاولات المتكررة، وعادت إلى بيروت لكن اليأس لم يراودها لحظة، وجاءت الفرصة لكي تلتقي عبد الوهاب في دمشق، ففي أيام الوحدة بين سوريا ومصر، وصل وفد كبير من مصر لإحياء حفل أضواء المدينة من دمشق، وكان بينهم الموسيقار محمد عبد الوهاب، فكانت فرصة عظيمة لفايزة أحمد أن تراه دون موعد مسبق، فأسرعت نحوه وأمسكت بساقه ودموعها تنهمر قائلة أستاذ عبد الوهاب، أنت أملي، أنت كل شيء في حياتي، وأنت اللي ممكن تعمل كل شيء في حياتي والناس مش عايزين يوصلوني إليك، أنا بترجاك، أبوس إيدك، اندهش عبد الوهاب من الموقف، وطبطب على كتف فايزة، والتي فشل الكل في أن يعرف من هي ولماذا تفعل ذلك، فقد كانت دموعها تغرق وجهها، وطلب منها أن تهدأ وسألها عن اسمها، فقالت أنا المطربة فايزة أحمد، فقال لها إيه حكايتك بالضبط؟ فروت له فايزة حكايتها كاملة وذهابها إلى مصر لكي تلقاه، ثم أسمعته صوتها، فقال لها شوفي يا فايزة أنت صوتك حلو بدون شك، وأنا مستعد أعمل لك لحن، بس طبعا مش دلوقتي، شعرت فايزة بسعادة غامرة وقالت له أنا عارفة ذلك لكن متى تعدني بأن تلحن لي؟ “قال لها: “حين أعود إلى القاهرة بإذن الله، سأنتقي كلاما جيدا وألحنه لك خصيصا”.

   ومن هنا بدأ التعارف بين موسيقار الأجيال وكروان الشرق، حيث تحمس لصوتها، ووصفه بأنه مثل الكريستال المكسور، وقدم لها العديد من الأغنيات مثل “حمال الآسية”، “هان الود”، “قدرت تهجر”، “بريئة”، “حبيبي يا خويا”، ولكن كانت “ست الحبايب” أفضل وأجمل تعاون بينهما، ورغم مرور السنوات تظل تلك الأغنية أعظم أغنيات عيد الأم على الإطلاق، ولم يستطع أي من الذين غنوها بعد ذلك التفوق على أداء فايزة بما فيهم عبد الوهاب نفسه، ولكن القدر كان بالمرصاد لفايزة أحمد، حيث صارت تتردد عليه حتى لحن لها مجموعة من أجمل الروائع ومنها “يا خويا” و”ست الحبايب”، ولكن الحساد والمنافقين بدأوا يطلقون الإشاعات بوجود علاقة غرامية بين فايزة وعبد الوهاب، وعندما علمت زوجته الأولى وأم السيدة إقبال نصار بالحكاية، أرغت وأزبدت وطالبته بقطع كل تعاون يربطه بفايزة وإلا فإنها ستغادر بيت الزوجية مع أولادها، فاضطر عبد الوهاب قطع كل خيط كان يربطه بفايزة رغم إعجابه الكبير بصوتها.

   أما قصة تعارفي مع فايزة أحمد فتعود للسنوات التي كانت دمشق تعرف فيها عصرا ذهبيا، حيث كانت مطاعم سوريا تعج بكبار الفنانين الذين كانوا يغنون كل ليلة للزبناء، وكان الطرب العربي الأصيل سيد الموقف، وهناك في هذه المدينة العربية الفيحاء، كان عمي المرحوم يوسف صوفيا يمتلك مطعما جميلا كانت تؤمه كبار الشخصيات، وذات يوم عرفني على فايزة أحمد وطلب مني الكتابة عنها في المجلات اللبنانية التي كنت أعمل بها، وكانت فايزة تأتي إلى مطعم عمي كل يوم تقريبا فتتناول بالمجان ما لذ وطاب من الأكلات العراقية التي اشتهر بها مطعمه آنذاك، وكان كثيرا ما يدعوها إلى بيته لتغني لوالدته وزوجته وأولاده، وكان وضع فايزة المادي صعبا جدا حيث كانت تسكن في استوديو مع ابنتها الوحيدة لأنها كانت مطلقة.

   ومرت السنوات بسرعة فاشتهرت فايزة شهرة كبيرة، وصارت أغانيها على كل لسان وخاصة بعد أن حصلت على أعذب الألحان من الموسيقار محمد عبد الوهاب، وذات ليلة كنت مدعوا على العشاء في بيت النجم الراحل رشدي أباظة وزوجته الفنانة سامية جمال، التي كانت يومها قد تركت عالم الرقص لتكرس حياتها وكل وقتها لزوجها رشدي وابنته قسمت التي كان قد أنجبها من زوجته البريطانية السابقة، فوجدت في بيت رشدي لفيفا من الفنانين، وهم الموسيقار العظيم بليغ حمدي والمطرب الناشئ عماد عبد الحليم (الذي رحل بعد ذلك عن هذا العالم في ريعان شبابه)، وبعد العشاء أمسك بليغ بعوده وأخذ يدندن بمقاطع أغنية جديدة كتب كلماتها ولحنها ولم يقرر بعد لأي مطرب أو مطربة سيسندها، وكان عنوان الأغنية هو “حبيبي يا متغرب”، وبعد انتهائه من أداء الأغنية صفقنا له بحرارة وانبهار، فأخذ عماد عبد الحليم يتوسل إليه بأن يعطيه الأغنية ليؤديها، ولكن فايزة نهضت من مكانها وركعت تحت قدمي بليغ طالبة منه بكل رجاء أن يعطيها لها والتفتت نحونا وطلبت منا أن نقنعه بذلك، فتدخلنا أنا ورشدي أباظة وسامية جمال لإقناع بليغ بتخصيص الأغنية لصوت فايزة، بل حتى عماد عبد الحليم تدخل وطلب من بليغ بأن يعطيها لها فوافق بليغ ضاحكا وهو يقول لنا: “وهل هناك صوت أجمل من صوت فايزة ليغني أغنيتي الجديدة ويبدع في جعلها على كل لسان وفي كل بيت”، وهكذا تمرنت فايزة على رائعة “حبيبي يا متغرب” وأدتها بإبداع منقطع النظير، إلا أن القدر كان لها بالمرصاد حيث عانت الأمرين في حياتها الشخصية مع زوجها الملحن الكبير محمد سلطان، وكانت تقضي الليالي الطويلة وهي تذرف الدموع الحارة بعد وصول سميرة سعيد إلى القاهرة وتلحينه لها أول أغنية باللهجة المصرية وهي “إوعي تروحي”، حيث غارت فايزة من سميرة غيرة عمياء، فنشبت الخلافات بينها وبين محمد سلطان الذي كان كل هدفه كما قال للجميع هو مساعدة المطربة المغربية الشابة فقط.

   وبعد ذلك عاجلها القدر بضربته الكبرى حيث أصيبت بداء السرطان في ثدييها، وصارت كل حياتها سلسلة عذاب وتنقلات بين المستشفيات، وكانت صديقتها ياسمين الخيام لا تفارقها لحظة واحدة، بل كنت كلما زرتها إلا ووجدتها عندها تحاول أن تطعمها بيدها وتخفف عنها معاناتها حتى جاء أجلها المحتوم، فرحلت عن هذا العالم تاركة لخزانة الطرب العربي رصيدا هائلا من أعذب الأغاني الخالدة.              

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!