في الأكشاك هذا الأسبوع

متابعات | تفكيك السر الكبير لوزير الملكين رشيد بلمختار

إعداد: عبد الحميد العوني

   قالت مصادر خاصة، إن وزارة الداخلية هي الجهة التي قررت إجلاء رشيد بلمختار عن المرصد الوطني للتنمية البشرية التي تحتكر ميزانيتها الوزارة، بعد ذهاب جزء منها لمكافحة الإرهاب، ولم يعد من دور جدي للمرصد، وقال الوزير الوفا إن مكافحة الإرهاب لا تسمح للدولة بتمويل قطاعي التعليم والصحة، وأشارت دراسة أمريكية أخيرة إلى بلوغ هذه الميزانية 4.6 في المائة من الناتج الداخلي الخام للمملكة.

   وعلى ضوء هذه التطورات، صار فتح التعليم العمومي على المساعدات الدولية ضرورة ملحة، فتقرر على الفور دفن فضيحة البرنامج الاستعجالي، وجيء بمن دفن فضيحة (البام) أو المطاعم المدرسية في عهد الحسن الثاني لهذه الغاية، وعوض أن يحاكم المتورطون كما دعا إلى ذلك الوزير الداودي، فضل الجميع ترشيح وزير الحسن الثاني لتجاوز هذه الحالة الصعبة.

   وجاء تعيين وزير الملكين رشيد بلمختار من طرفين قويين: الداخلية والقصر، وأجهزة ومنظمات أخرى، فالوزير الذي لم يتمكن في  حكومة الفيلالي من المساس بالأساتذة والمعلمين، يؤطر اليوم تكوينهم المستمر، وقال في هذا الصدد أن 30 ألف معلم بدون تكوين و40 ألف آخرين راسبون في الكفاءة، أي أن 70 ألف معلم من أصل 128 ألف خارج الانتاج، أي أن معلما من معلميين مغربيين فاشل.

 التدبير مشكل التعليم، ويعيش قطاع التربية السكتة الدماغية

   وزير التعليم في مغرب السكتة القلبية كما سماه الحسن الثاني يعطي نفس التقييم حاليا، قال في استجوابه عام 1996 لجريدة “ليبراسيون” المغربية لسان الاتحاد الاشتراكي بالفرنسية والمؤهل آنذاك لقيادة التناوب، إن المشكلة الرئيسية في التربية والتعليم هو التدبير، وأضاف وهو يدفن فضيحة المطاعم المدرسية، أنه يجد  صعوبة في الاتصال مع المنظمات الدولية التي أوقفت مساهماتها، وسيتجه البرنامج العالمي إلى تعليم الفتيات القرويات.

   واعترف أن وثائق فضيحة المطاعم المدرسية اختفت لأن برنامج التغذية العالمي المختصر في (البام) طلبها، وخصت تدبير المخزونات وجاءت لجنة التحقيق من البرنامج بعد اكتشاف زيوت غير صالحة وموجهة في الأصل إلى المدارس في الأسواق. وتمكن رشيد بلمختار من إدارة انعكاسات ما حدث، واليوم مطالب بالتعامل بنفس الحنكة مع فضيحة البرنامج الاستعجالي الأشد وقعا وسوءا.

   وفي إحصاء سريع يقول بلمختار إن وزارته في التسعينات كانت تفقد 480 مليون درهم سنويا لدفعها أجور 12 ألف معلم بدون قسم أو مهمة، وهذه العطالة المدفوعة الأجر أكبر آفات الوزارة. واليوم تطورت الأمور نحو الأسوإ، فلم يعد دفع الأجور لمعلمين فائضين عن الحاجة، مشكلة، بل نصف المعلمين العاملين غير أكفاء؟ وفي هذه المعادلة يصل التعليم إلى كارثة محققة، حيث لا تدبير ولا تكوين ولا كفاءة، وكل تلميذ يطاله فساد المؤسسة التي يدخلها. وانتقلت وزارة التعليم في هذه الحالة من الهدر المدرسي في التسعينات إلى فساد البرامج (مثالها البرنامج الاستعجالي) في بداية الألفية، وزادت معدلات الإفساد الموجهة للتلميذ مباشرة. يقول الوزير في تصريح رسمي، إن أغلب أساتذة الفرنسية في المغرب لا يتقنون هذه اللغة.

   وإن وصل الفساد في الفترة السابقة إلى الطعام الذي يتناوله التلميذ (أي إلى معدته)، فإنه اليوم يصل إلى ما يتلقاه المتمدرس (أي إلى دماغه)، والفشل مزدوج على صعيد البنية التحتية والفكرية لتعليم المغاربة، في بعد تام عن الجودة التعليمية.

   وحسب تصريح الوزير السابق الوفا، فإن الدولة أفلست ماليا لتفكيرها بتحويل ميزانية تعليمها إلى مكافحة الإرهاب، وحيث لا مال ولا عنصر بشري، يكون قطاع التربية والتعليم، قد دخل ولا شك مرحلة “السكتة الدماغية”. وسبق أن وصف الحسن الثاني اللحظة التي قاد فيها بلمختار وزارة التربية والتعليم “بالسكتة القلبية” لما عرفه القطاع من سوء التدبير، ويجوز حاليا، وبثبات، وصف ما تعرض له المغرب بـ “السكتة الدماغية”، ولم يكشف أحد لماذا أبعد النظام بلمختار من مرصد التنمية البشرية؟ لكن تصريحات الوفا وضعت توضيحات على حروف لا يريد أحد قراءتها.

 سمعة دولية لإصلاحات التعليم “عن طريق فرنسته” تجلب المساعدات والشراكات التي تضمن تحويل جزء من الميزانية المخصصة لوزارة التربية والتعليم لمكافحة الإرهاب، دون تأثيرات اجتماعية أو على صعيد الشغيلة

   عزز رشيد بلمختار شفافية قطاعه بمزيد من الافتحاصات التي وصل عددها إلى 200 افتحاص مالي تقوم بها مفتشية وزارته وذلك منذ تعيينه، وقال في ندوة صحافية الشهر الماضي أن 7 ملفات تمت إحالتها إلى المجلس الأعلى للحسابات. وأضاف الوزير أنه في الوقت الذي تركزت فيه الأضواء على تقرير أنجزته المفتشية العامة للمالية حول اقتناء التجهيزات برسم البرنامج الاستعجالي فإن هناك تقرير آخر في نفس الموضوع للمجلس الأعلى للحسابات وللمجلس الصلاحية في إحالتها على القضاء، وإحالة 7 ملفات على المجلس الأعلى للحسابات، تأكيد على الرغبة في شفافية الوزارة والعمل على بناء سمعتها مجددا حتى لا يتكرر ما سبق.

   والخوف من التقارير الافتحاصية دفع الوزارة إلى تكليف مفتشيها بالعمل على إنجاز ما يجب القيام به دون ترك الأمر إلى الافتحاصات الخارجية، لأنها تؤثر على قيادة بلمختار وعلى “صورة وزارته” في أفق جذب شراكات ومساعدات وبرامج غربية مدرة للجودة التعليمية، على حد قول المصدر. والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا لا تحال الخروقات والملفات إلى القضاء مباشرة، ولماذا الإحالة على المجلس الأعلى للحسابات في هذا الظرف الحساس؟

   الواقع أن بلمختار لديه قرار بإحالة كل الملفات العالقة للمجلس الأعلى للحسابات كي يحافظ الوزير على وحدة القطاع وأيضا كي لا تتصاعد الحساسية بين الموظفين العاملين في التربية والتعليم، ويحمل هذا التبرير صورة أخرى أن هذه الملفات إنذار لجميع العاملين لأن الهدف هو وقف النزيف تماشيا مع سياسة “عفا الله عما سلف” التي أطلقها رئيس الحكومة بن كيران. في التسعينيات خاض بلمختار معركة الحسن الثاني لتطويق انعكاسات تقرير البرنامج الأولي للتغذية (البام) وحاليا يباشر تطويق البرنامج الاستعجالي الذي ساهم في تمويله شركاء أجانب.

   اليوم لا أحد في الغرب يتحدث عن تمويل إصلاحات التعليم لأنه استنفذ القدرة والأفق، والوصول إلى بناء جاذبية إضافية لقطاع التربية مهمة عسيرة، ولذلك جاء اختيار بلمختار للافتحاص الداخلي عوض الخارجي كي يوقف حجم الصعوبات من واقع أن منسوب حياد الوزارة اتجاه العاملين بها سيكون منخفضا.

 الوزير الذي أخذ الأوسمة من الأمريكيين وحول التعليم لصالح الفرنسيين، واعتبرته تقارير التربية في الدول الفرنكوفونية رجلا سياسيا يعمل على قطيعة المغرب مع “التعريب” وبشكل نهائي، بعد تدمير هذه الظاهرة في العراق مع إسقاط صدام حسين وفشله في سوريا جراء الحرب، وبوتفليقة وبلمختار أكبر شخصين خدما فرنسا، واعتبر تقرير 2015 للدول الفرنكوفونية “الوزير بلمختار” الحلقة الأخيرة والهادئة لكسر التعريب بعد ثلاثة حروب في العراق وسوريا وليبيا وهي الدول التي درست كل المواد العلمية باللغة العربية

   لا يختلف المراقبون أن حصار التعليم والنقص في تمويله مخطط مدروس، حيث ارتبط التمويل بالفرنكوفونية أو الأنجلوفونية، وانعزل التعليم المغربي عن هذين الديناميتين، وسبب هذا في عجز مالي محقق، ويشمل الإصلاح، اليوم، تحويل اللغة وربطها بالشروط الدولية. ومنذ تسعينيات القرن الماضي فشل رشيد بلمختار في قيادة هذه البادرة لسببين مركزيين:

   أولهما أن التعليم والجيش قبل حكومة اليوسفي كانا قطاعين مقدسين، الأول للمعارضة والثاني يتبع الحسن الثاني، ولم يتمكن رشيد بلمختار من نجاح مخططه.

   ثانيهما، أن الحسن الثاني تمسك بالخيار الوطني في لحظة حرجة لا تقبل القلاقل، ونقصد انتقال العرش، وفرض طلب الإجماع حول العرش في هذه اللحظة مجيء حكومة “اليسار الوطني” وعدم إثارة الإسلاميين، القوة الناشئة التي اجتياحت صناديق الاقتراع في الجوار (الجزائر)، وسار على دربها المغرب على غرار  باقي الدول العربية والإسلامية فيما سمي الصحوة، وفشلت المحاولة الأولى لكن بعد استهلاك حكومات اليسار والإسلاميين عاد نفس الدور ونفس الشخص لإتمام المهمة.

   وليس سرا أن ميدالية مؤسسة البرت إينشتاين التي حازها بلمختار في 1993 أدخلته إلى الحكومة في 1995، واليوم تنويه الأمم المتحدة لاعتماده عضوا في لجنة الخبراء في الإدارة العمومية أدخلته إلى حكومة بن كيران لإنجاز ما سماه بلمختار نفسه (مهمة) عينه لأجلها الملك. وفشل بن كيران في تأجيل خطوات وزيره، وأعلن حربه عليه في البرلمان لكن بلمختار نقل القضية خارج قناة رئيس الحكومة لحل الملف، وتحقق له ما أراد.

ويكشف ما حدث عن رغبة من الدولة المغربية في الوصول إلى إعادة عولمة تعليمها، خارج الهوية التي حملها أكثر من طرف، وعندما قال بن كيران بأن هناك تهاون في تقدير المخاطر، مخاطبا وزيره في التعليم: لو أرادك الملك لعينك مكاني، انتهى الشد والجذب بتدخل الملك لصالح مشروع “بلمختار”. ولاحظ الكل الرد الضعيف ضد فرنسة التعليم مرة أخرى، وتقدم الجميع السلفي أبو النعيم، وعزز خروجه المدروس من إعطاء صدى غربي لما يقوم به بلمختار، وفشلت محاولة العدالة والتنمية من كل جوانبها.

 فرنسة التعليم المغربي  في عهد رئيس حكومة إسلامي، لم يثر ردود فعل، وهي من أذكى تكتيكات النظام الذي تسلم كل الأوراق من الإسلاميين قبل انتخابات أكتوبر القادم

   بدون تكلفة تحول التعليم إلى مسار “رفع الجودة” وتسامح  الجميع مع المخطط، وفي الحقيقة لا يمكن سماع رأي 70 ألف معلم فاشل. وزاد ضغط الوزير على ما يسميه البعض الأطراف المحافظة عندما اختار بت رسائله في افتتاح المركز الثقافي أبو بكر القادري، رجل حزب الاستقلال، لتقسيم المحافظين إلى  إصلاحيين وإسلاميين.

   وجاءت محاضرة رشيد بلمختار في مركز أبو بكر القادري مركزة على الحكامة والمشكل الأخلاقي الذي يعاني منه القطاع، ووصلت رسالته من مقر ثقافي لرجل ينتمي إلى حزب تبنى منذ علال الفاسي “التعريب” ودافع عنه، وقصد زيارة مدرسة علال الفاسي في طنجة لكسر “أيقونة التعريب”. وفي متابعة كل حركات الوزير يكاد يصدق تقرير الفرنكوفونية الذي يجزم أن رشيد بلمختار رجل سياسة وليس تكنوقراط، كما يتوهم الكثيرون.

 تاريخ من الاستراتيجيات التي تحولت إلى سياسات على الأرض بفعل ارتباطات رشيد بلمختار وعلاقاته

   في 1967، تاريخ الهزيمة العربية أمام إسرائيل ظهرت متابعة هذا الاسم في شركة “إي. بي. إم” ودافعت باريس عن رشيد بلمختار قبل أن ينتقل إلى بلده، وانتهى مشواره مع “برينغ هوف” وبدأ مع الدولة المغربية التي وجدت فيه مخاطبا “تقنيا” للغرب، ووجد فرصته المتاحة لتمرير “التعليم الغربي في بلده بقيم ليبرالية متقدمة واجهت اليسار ثم المحافظين”. ولم يجد اليوسفي بدا من رفض استمرار رشيد بلمختار في وزارة التعليم، لدفاع اليمين الفرنسي عليه، قبل أن يكسب في الفترة الأخيرة، دعم اليسار واليمين على حد سواء في فرنسا لمحاصرة الإسلاميين.

   ويطمح بلمختار إلى عزل الإسلاميين وقيمهم عن التعليم في ظل قيادتهم للحكومة، وتحقق له ذلك دون جهد كبير، حيث رضخ بن كيران لكل ما قررته خطة من 2015 إلى 2030، ولا يمكن للإسلاميين في مراحل قادمة من معارضتها، وسقط حزب العدالة والتنمية في الفخ، وهو يعتقد أنه يستطيع إيقاف الخطة المبرمجة، وسيتعاطى بن كيران بالمزيد من المناورة، لكونه رفض الخطة في البرلمان وكأنها فرضت عليه.

   وبعيدا عن رئيس الحكومة اتفق بلمختار ووزير الوظيفة العمومية على حل ملفات 60 ألف موظف في التعليم، وتم الاتفاق على تسوية أطر الدرجة الثالثة (السلم التاسع) والبالغين 22 ألفا عبر الترقية من خلال ولوج سلكين للتكوين وآخر لمن تجاوز عشر سنوات في الأقدمية، والسماح لـ 7800 أستاذ بتغيير الإطار حسب مادة التكليف، وإحداث متصرف تربوي، وشدد بلمختار على منح 25 ألف موظف من السلمين 7 و8 حوالي ست سنوات من الأقدمية الاعتبارية للمرور إلى السلم 11، فيما لم تعلن الوزارة لوائح المترقين إلى الدرجة الأولى وإيفائهم مستحقاتهم. ويشكك المراقبون في المترتبين في السلم 7 و 8 لأن أغلبهم تقاعد أو مات، وهو من الملفات المنقرضة وغير المكلفة، لكنها عزلت رئيس الحكومة والنقابات دفعة واحدة. ولم يبق بلمختار عند هذا الحد بل وقع اتفاقيات مع برامج دولية منها المقاولة الاجتماعية في ميزانية موجهة لمنطقة الشرق الأوسط تتبعها بادرات أخرى تجعل الوزير مخاطبا دوليا، وهو ما يؤهله للبقاء في التشكيل القادم.

 فرنسا مستعدة لتمويل خطة فرنسة التعليم المغربي أو تدويله في إطار الحرب على الإرهاب لمحاصرة التطرف ونزاعات المحافظة، وتكوين الشباب المغربي على “المعايير الدولية المتعاوف عليها”

   لن تكون تكلفة “فرنسة التعليم المغربي” عالية، وقد أقرها المغرب في القمة الأخيرة للفرنكوفونية، قبل برمجتها من خلال حكومته، لأن ضرب التعريب في العراق وسوريا والعراق كلف 4 تريليونات دولار، ويمكن للدول الغربية تمويل هذه الأجندة في المغرب والجزائر وتونس، والورش المغربي لا يكلف سوى ملياري دولار في 15 سنة، وهو رقم قياسي مقارنة مع خسارة تصل إلى 300 مليار سنويا تتكبدها الدول الغربية للوصول إلى توحيد معايير اللغة والبحث والتدبير التربوي في العالم، ويشكك البعض في نتائج هذه المحاولة، بعد ظهور متطرفين إسلاميين في صفوف الجيل الثالث والرابع من أصلاب المهاجرين القادمين من شمال إفريقيا نحو فرنسا وبلجيكا وباقي جنوب أوروبا، ومن نسل الشرق أوسطيين في باقي الدول الأنجلوفونية.

 بلمختار ينهي حكاية الصناعة الوطنية، ودعا البعض في الفترة الأخيرة، إلى إنشاء صناعة عسكرية وطنية

   سيكون خيار المغرب في الصناعة الوطنية تبعيا، وغير منتج لتكنولوجيا خاصة به أو ذات قيمة يمكن تداولها أو تسويقها، وما هو وارد أن تكون صناعات أخرى، إلى جانب معامل الطيران أو السيارات، وكلها تشتغل على قدرات تركيبية أو لوجيستية، وعلى مواد وأساليب مكررة. ولا يمكن في كل الأحوال بناء منظومات تقنية خاصة دون استيعاب التكنولوجيا الموجودة والتفكير من آخر منظومة خاصة وبلغة وطنية، وسخر الغرب في مواجهة التعريب كل الإمكانيات كي يتوقف على المستويات التأهيلية والثانوية. وما قام به بلمختار أنه أعاد الفرنسية إلى هذه المستويات فقط، وكم سخر الغربيون من أدوات ورجال للوصول إلى هذه الغاية، ففي عهد الرجوع إلى الأصول والثقافة المحافظة، يمكن للمعرب أو الذي تلقى العربية أن يعود إلى أصوله، فيما يصعب لمن قرأ العلوم بلغة غربية منذ الصغر وكانت لغته الأم في هذه المجالات أن يبني صناعة وطنية.

   وواجه الجنود الأمريكيون تطوير العراقيين لتقنيات في مقاومتهم للاحتلال، كلفت ميزانية البنتاغون 500 مليار دولار، لأنها خاصة ومن تفكير تكنولوجي مغاير. ويختلف التفكير العلمي بين لغة وطنية وأخرى، وكل التكنولوجيات المختلفة تأتي من استخدام نسق لغوي مغاير، ولاحظ الجميع تقدم الصين في التقنية العسكرية “ولا نذكر المدنية التي تركتها لحركة السوق، واستفادت منها” وروسيا وباكستان وإسرائيل وإيران لوجود بيئة لغوية مغايرة.

   وفي نظر الكثيرين يعدم بلمختار والحكومة التي ينتمي إليها تحت رئاسة بن كيران “خيار الأمة” نحو خيار العالم بالمساهمة في دورة الإنتاج الموجودة، وليس إبداع ما يكون خاصا وقادرا على صناعة الفارق. ولا يمكن اتهام شخص بنجاح محاولته، لأن البيئة تساهم في خيار المغاربة “الاندماج في الخيارات الدولية والهجرة إليها” وتساعد السياسات في تسريع الأدمغة، والوصول إلى السقوف المحددة من الشركاء واستثمارها على الأرض المغربية لمحاربة البطالة وليس لشيء آخر.

 إضراب الأساتذة تحت التكوين أو ما يصطلح عليه إعلاميا بأساتذة الغد ساهم في حصار بن كيران في موضوع التعليم، ومرر مخططا رفضه حزب العدالة والتنمية

   استثمر الوزير بلمختار إضراب أساتذة الغد الرافضين لقرارات حكومية فصلت إحداها التكوين عن التوظيف، وخفضت في أخرى المنح. ورفض حزب العدالة والتنمية التراجع، واستثمر بلمختار التوتر بين القطاع ورئيس الحكومة في تمرير مشروعه كاملا في اجتماع بالعيون. وقدم المشروع الجديد الفرنسية التي تعتبر “اللغة العلمية للمغاربة” وتريد باريس بقاءها كذلك، وهي أداة للدولة في فرنسة الصحراء وتكوين الصحراويين في إقليمهم، ويعزز هذا التقرير من دمجهم في الدينامية الاقتصادية والاجتماعية في الداخل، ولدى حليف استراتيجي للمملكة (فرنسا). ويعتقد المحللون أن الفرنسية تساهم في عدم انفصال الصحراء، وبناء نخبة فرانكوفونية صحراوية يفيد، وبالتأكيد، أهداف الدولة في هذه المرحلة، فيما يشجع التعريب وأيضا (الأنجلوفونية) في قراءة الوضع من زاوية مختلفة. وتساهم هذه النظرة في التأطير الاستراتيجي لنخبة الحكم الذاتي القادرة على التواصل مع الإدارة المركزية ومع فرنسا المعارضة لبناء دولة سادسة في المغرب الكبير أو المغرب العربي.

   وبمجرد أن تكون القناعة فرنكوفونية نحن أمام مغرب كبير وليس مغرب عربي، ولذلك فقرار الأمة المغربية الاستراتيجي قرار فرانكوفوني الإطار.

   في خلاصة مباشرة، يسعى مشروع بلمختار في أحد أهدافه إلى ربط النخبة الحسانية بالإطار الفرنكوفوني في خضم الصراع الجيوسياسي حول إقليم الصحراء كما يساهم نفس الإطار في تذويب أمازيغ القبايل الذين اعترفت لهم المملكة بحق تقرير المصير ضمن منطقة تجارية وصناعية تابعة لغرب المتوسط بقيادة فرنسية.

   إذن مشروع بلمختار ليس محليا، بل إقليميا بالأساس، وهو قرار دولي لم يجد مداه مع الحسن الثاني وانتكس ليجدده المغرب في هذه الفترة الحرجة من رسم خياراته على ضوء دستور 2011.

المغرب لم يعد مزدوج اللغة، ويتكفل مشروع بلمختار بالتقدم الأبدي للغة الفرنسية على اللغتين الرسميتين الأمازيغية والعربية

   إلى جيل ماض، كان المغرب مزدوج اللغة بين العربية والفرنسية قبل أن تتقدم اللغة الفرنسية على ازدواج لغوي رسمي اعترف به دستور 2011 لما قال بالعربية والأمازيغية لغتين رسميتين للمملكة، وتوحدت اللغتان في فصل العلم عن الأدب، حيث يتكلم المنتمون في كلا اللغتين ـ العربية والأمازيغية ـ لغة محايدة في العلوم: اللغة الفرنسية، وعادت المملكة بقرارها الأخير إلى ثلاثينيات القرن الماضي.

   ويذهب المشروع بعيدا في عدم تواصل اللغتين، وتعزيز دور اللغة المحايدة كما يظهر في إفريقيا، وسعى الأمازيغيون ـ أو المتطرفون ـ إلى محو أي تقدم للعربية عن الأمازيغية، لأن جيلا جديدا من الاستعمال اللغوي لحاملي العربية انطلاقا من التكوين العلمي سيزيد في نظر البعض الشقة بين العربية والأمازيغية. ومن المهم أن تكون اللغتان الرسميتان للمملكة أكثر تخلفا من بعضهما البعض لردم الفجوة بين العربية والأمازيغية وتسليم الفرنسية لمتحدثي اللغتين، فرصة وحيدة لمنع التنافس والنزاع.

   ولأول مرة تدخل الفرنسية ضمن أدوات الأمن القومي المغربي بطريقة بارزة يقودها مشروع يقدمه رشيد بلمختار منذ 1991 وأهلته هذه الأوساط للعب أدوار شديدة الخطورة لأن الأهداف الإستراتيجية لا تتغير، وتتحول حسب السياسات وموازين القوى المعتمدة في المملكة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!