في الأكشاك هذا الأسبوع

أم كلثوم.. نعم أنا عشقت الملك فاروق

 بقلم: رمزي صوفيا                             

   كم يسعدني ويثلج صدري أن يقرأ كل أصدقائي مذكراتي مع عمالقة الأمس في الطرب والشاشة، العرب والغربيين. والصديق العزيز الموثق النزيه والمتميز، الأستاذ سعيد بوجيدة الذي كان سابقا رئيسا لمكتب الموثقين والذي أثبت خلال مساره المهني جدارته بثقة وكفاءته العالية حيث أن الكثير من المستثمرين وخاصة السعوديين، كانوا يأتمنوه على استثماراتهم حتى أن الكثير منهم، كان يوقع له وكالة عامة للتصرف في كل ممتلكاتهم بالمغرب. والأستاذ بوجيدة من المواظبين على قراءة جريدة “الأسبوع الصحفي”، حيث أنه يتابع مذكراتي باستمرار وخاصة تلك التي أسرد فيها ذكرياتي مع نجوم الشاشة الفضية وفطاحلة عالم الطرب. ومنذ أيام كنت في جلسة معه فقال لي: “لا شك أنك عرفت الست فلماذا لا تحاول استحضار ذكرياتك معها وتكتب عنها مقالا مسهبا”؟

   فسألته: “ومن هي الست؟ فأجابني مبتسما: “وهل هناك فنانة حملت هذا اللقب غير السيدة أم كلثوم؟ فقلت له: “حاضر، سيكون لي مقال شيق عنها”.

   هكذا عادت بي ذاكرتي إلى سنة 1954، عندما كنت مراسلا لمجلة “الفن” المصرية ببغداد، والتي كانت تعتبر المجلة الفنية الأولى في مصر وفي العالم العربي، فسافرت إلى القاهرة، وهناك تعرفت على نجمة الطرب العربي الست أم كلثوم، فبدأت أتردد عليها في فيلتها المطلة على النيل وكنت أجد عندها الأستاذ مصطفى أمين، صاحب دار أخبار اليوم للصحافة. فكانت أم كلثوم كلما رأتني إلا وأخذت تلح علي بأن أترك الصحافة ومتاعبها وأعمل في السينما، وكان الأستاذ مصطفى أمين يشاركها نفس الرأي، وللإشارة، فقد قالت المؤرخة الموسيقية المصرية رتيبة الحفني بأن أم كلثوم تزوجت من مصطفى أمين وأمضت معه 11 عاما، وكان عقد زواجها في يد الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر، وأنها عاشت معه حياة زوجية كاملة حيث كان يشاهد خارجا من غرفة نومها بلباس النوم. ولكني شخصيا لم أشاهد هذا الشيء ابدا، بل كنت أجده جالسا عندها بكل لياقة للخوض في المواضيع الفنية والأدبية.

   أعود لموضوعي مع السينما، وأتذكر كيف كانت أم كلثوم تعشق الجلوس في حديقة فيلتها لاحتساء كؤوس عصير البرتقال الذي كانت تعشقه كثيرا، وكانت تطالع وجهي بدقة وأنا في عز شبابي ثم تقول لي بالحرف: “أنا واثقة من أنك ستنجح، فأنت تقنع الناس بكتاباتك فلماذا ستعجز عن إقناعهم بتمثيلك”؟

   لكني كنت أخشى الوقوف أمام الكاميرا وكنت عاشقا حتى النخاع لمهنة الصحافة، وبعد سنين عدت للقاهرة وذات يوم قال لي الأستاذ عبد الشافي القشاشي، صاحب ورئيس تحرير مجلة الفن المصرية التي وكما قلت كنت مراسلا لها ببغداد: “غدا أنت مدعو على العشاء بمنزلي وستكون معنا الست أم كلثوم وغيرها من كبار الفنانين”، وفي الموعد المحدد توجهت إلى بيت الأستاذ القشاشي، وبعد دقائق على

   وصولي أطلت الست بابتسامتها الجذابة ونكتها المضحكة، وجاءت ليلى مراد وشقيقها منير مراد وفريد شوقي وزوجته آنذاك الفنانة هدى سلطان، وكانت سهرة من أروع السهرات التي عايشتها في حياتي حيث غنت أم كلثوم رائعتها “الحب كله حبيتو فيك وزماني كله أنا عشتو لك زماني كله” فاهتزت أفئدتنا من حلاوة صوت أم كلثوم، وبعد الانتهاء من أدائها لهذه الأغنية الرائعة جلست بيننا ثم قالت لنا: “أنا أعشق هذه الأغنية وأعتبرها أجمل ما عندي” فسألها فريد شوقي بطريقة ماكرة وهو يضحك: “ومن سعيد الحظ الذي غنيت له هذه الأغنية والذي تعيشين له زمانك كله”؟ فقالت بدون تردد: “إنه جمهوري، لا يمكنني وصف درجة حبي لجمهوري في كل البلدان العربية. إن ملايين الناس تحبني دون أن تراني لهذا فإني أحبهم جميعا”، وبعد ذلك غنت ليلى مراد بطريقتها الراقية وصوتها الأنثوي الجميل، فطلبنا من هدى سلطان أن تغني، ولكن فريد شوقي وقف وقال لنا ضاحكا بأعلى صوته: “أنا رجل حمش ومراتي جاية تاكل وتروح معايا وبس”، فضحكنا حتى كدنا نختنق من الضحك، وضحك فريد شوقي بدوره قبل أن يطلب هو بنفسه من هدى سلطان أن تقوم وتغني لنا أجمل ما لديها من الأغاني العاطفية. وهكذا كان، وبعد العشاء التفتت أم كلثوم إلي وقالت لي أمام الجميع: “هل اقتنعت بكلامي وقررت ترك الصحافة والاتجاه نحو العمل في السينما”، فأجابها عني الأستاذ القشاشي: “لقد أجرى له المخرج يوسف شاهين تيست ولقنه تمثيلية ليجربه بها أمام الكاميرا فنجح كوجه وسيم ولكنه فشل كممثل”، فأجابت الست على الفور: “كل الذين بدأوا في التمثيل لم يكونوا عباقرة ومع دخولهم في عدة تجارب سينمائية وتكرار وقوفهم أمام الكاميرا اكتسبوا الخبرة الكافية ليصبحوا نجوما لامعين في عالم الشاشة الفضية، وأنا أمامك فعندما ظهرت لأول مرة لم يجذب صوتي إعجاب الكثيرين ولكن مع إصراري على النجاح واقتناعي بأنني خلقت لأكون مطربة نجحت بعون الله. إن نصف النجاح هو الاقتناع بالنفس والثقة فيها”. فاقتنعت بكلام أم كلثوم وفي اليوم الموالي ذهبت إلى المنتج الكبير جبرائيل تلحمي الذي كنت قد تعرفت عليه أثناء زياراته المتكررة لبغداد لتوزيع أفلامه هناك وأشهرها “انتصار الشباب” الذي كان فيه دور البطولة متقاسما بين فريد الأطرش وشقيقته اسمهان وأنور وجدي، وكان الأستاذ تلحمي يعرف قصة ترددي في العمل في السينما فأخبرته بأنني قد غيرت رأيي وأنني أرغب في دخول العالم السحري للتمثيل، فأمسك على الفور بسماعة الهاتف واتصل بالمخرج يوسف شاهين وقال له أمامي: “لا شك أنك تذكر الصحفي العراقي رمزي صوفيا الذي كنت قد أجريت له تجربة سينمائية، أنا أريدك أن تسند له دور ضابط بوليس في الفيلم الجديد الذي تخرجه حاليا من بطولة فريد شوقي”، ومباشرة بعد توديعي للمنتج تلحمي هرعت لأخبر صديقتي الحميمة النجمة ماجدة الصباحي التي كانت تلقب بعذراء الشاشة والتي كانت المنافسة محتدمة بينها وبين فاتن حمامة، وبعد اطلاعها على سيناريو الفيلم وتفاصيل الدور المقترح علي انتفضت ماجدة بحدة وقالت لي: “إياك ثم إياك أن توافق على القيام بهذا الدور الثانوي، فشكلك وثقافتك يستحقان أن يسند لك المخرجون أدوار البطولة، وإذا حدث ووافقت على تجسيد هذا الدور فإنك ستحكم على نفسك بالبقاء صغيرا في عالم السينما، حيث سيستمر المخرجون في إسناد أدوار صغيرة لك ستحد من طموحاتك وتجعل فرص نجاحك ضئيلة جدا ولن تصبح نجما أبدا”، فاقتنعت بكلام ماجدة وغادرت القاهرة عائدا إلى بيروت، حيث اتفقت مع مجلة الشبكة اللبنانية لأكون مراسلا لها في هوليود، وبعد وصولي إلى عاصمة السينما العالمية انطلقت في رحلة مجالسة ومحاورة عمالقة السينما العالمية، أمثال إليزابيث تايلور، وصوفيا لورين، وكيرك دوغلاس، وصرت أنشر مقابلاتي معهم مدعمة بالصور التوثيقية.

   وبعد سنوات عدت إلى بيروت، وصودف أن كانت أم كلثوم تقضي عطلتها الصيفية هناك، فأقام لها عميد “دار الصياد” اللبنانية، وصاحب مجلة “الصياد”، ومجلة “الشبكة”، وجريدة “الأنوار”، الأستاذ سعيد فريحة حفل عشاء ضخم بفندق “فينيسيا” في بيروت ودعا إلى هذا الحفل لفيفا من أكبر الشخصيات ومشاهير الفنانين والفنانات بلبنان، وعلى رأسهم فيروز، ومن بين المدعوين، وما أن لمحتني حتى قال للأستاذ فريحة وهي تمسك بيدي: “لقد نصحت رمزي بدخول مجال التمثيل في السينما وفعلا أسند له المخرج يوسف شاهين دورا جميلا في فيلم جديد كان يصوره، وكان هذا الدور سيكون بداية جميلة لنجم صاعد، ولكنه عدل عن خوض هذه التجربة في آخر لحظة وقد علمت بأن ماجدة الصباحي هي التي كانت وراء عدوله عن الفكرة جملة وتفصيلا، وبأنها استصغرت الدور الذي كان سيمثله رمزي، وهنا أقول لكم جميعا بأن ماجدة نفسها، وكل النجوم الذين سطعوا في عالم الفن قد بدأوا صغارا بأدوار بسيطة وعابرة بل وأحيانا غير ملحوظين تماما ولكنهم بفضل العزيمة والإصرار على النجاح وإثبات الذات تمكنوا من فرض مواهبهم وتحولوا بعدة مدة إلى نجوم تتلألأ في سماء الفن. ولكني رغم كل شيء سعيدة بعدم مغادرة رمزي لمجال الصحافة فقد تابعت كما تابع معي ملايين القراء عبر العالم العربي تلك المقابلات الفنية المتميزة التي أجراها مع كبار نجوم هوليود وباريس عبر العالم العربي، تلك المقابلات الفنية المتميزة التي أجراها مع كبار نجوم هوليود وباريس وروما، فقد خسرناه كنجم سينمائي ولكن القارئ العربي كسبه كقلم سيال وصحفي جريء ومجتهد”.

   وأقسم بالله وأنا أدون هذه المذكرات، بأن تلك الشهادة من كوكب الطرب العربي في حقي كصحفي وأمام كل تلك الشخصيات قد جعلت دموعي تنهمر أمامهم من فرط التأثر والسعادة.

   وبعد سنوات استقريت في مصر كمدير إقليمي لجريدة السياسة الكويتية، فصرت أزور أم كلثوم بانتظام، وذات يوم سألتها: “لقد غنيت لأشهر الشعراء ولعباقرة اللحن أمثال محمد عبد الوهاب، رياض السنباطي، القصبجي، بليغ حمدي، فما هو أقرب لحن إلى قلبك؟”، قال لي (وكانت تتمتع بذاكرة قوية): “ألا تذكر يا رمزي يوم كنا مدعوين إلى بيت الأستاذ عبد الشافي القشاشي، فسألوني نفس السؤال، واليوم سأؤكد لك بأن كل أغنياتي هي مثل فلذات كبدي، ولكن أقرب أغنية في قلبي هي رائعة “الحب كله”، فسألتها: “سمعت بأنك عزلت القصبجي من إدارة فرقتك الموسيقية مما تسبب له في حالة اكتئاب”، فأجابتني مستاءة: “من قال هذا الكلام لا يعرفني، فأنا أعين أعضاء فرقتي في الأماكن المناسبة لهم مهما كانت شهرتهم لأن أهم شيء عندي هو نجاح عملية الانسجام في الموسيقى التي أغني عليها، والقصبجي لم يكتئب أبدا بسبب ذلك فهو صديقي قبل أن يكون موسيقيا معي، والعمل عمل والصداقة صداقة”، فسألتها: “قيل الكثير حول عدد أفلامك، فما هو عددها بالضبط؟”، قالت بتواضع: “لقد شاركت في ستة أفلاح سينمائية هي “دنانير، عايدة، وداد، نشيد الأمل، سلامة، فاطمة”.

وللحقيقة والتاريخ، أذكر عن أم كلثوم بأنه وإلى جانب نجاحها الفني الواضح منذ ظهورها على الساحة الفنية إلا أنها ساهمت في مواقف صعبة بمصر والوطن العربي، فقامت بتمويل أول ثورة فلسطينية، وشاركت في فعاليات إنشاء جامعة الدول العربية.

   ولن ينسى لها التاريخ الدور الوطني الذي قامت به لمصر عندما تبرعت بكل أموالها بعد أن أصدر العدوان الثلاثي قرارا بتجميد الأرصدة المصرية في الخارج، وصارت تجوب جميع البلدان العربية والأجنبية لتجميع أموال لمصر لذلك استحقت لقب “فنانة الشعب” عن جدارة.

   أما عن حياتها الشخصية، فقد تزوجت من “حسن السيد الحفناوي”، أحد أطبائها الذين ساهموا في علاجها واستمر زواجها حتى وفاتها.

   وفي نهاية حياتها خفضت “أم كلثوم”، جدول حفلاتها الموسيقية بسبب مشاكل صحية، وكان أغلب ظهورها بـ “النظارة السوداء”، ويرجع ذلك لإصابتها بالغدة الدرقية التي أدت إلى جحوظ عينيها وأبعدها عن التمثيل، فلم تشارك إلا في الستة أفلام التي ورد ذكرها.

   وأثناء تأديتها لبروفات أغنية “أوقاتي بتحلو معالك”، وقعت صريعة فسافرت على لندن وكانت قبل سفرها قد طلبت من الشاعر “صالح جودت”، أن يكتب أغنية بمناسبة نصر أكتوبر وعندما عادت طلبت من الملحن “رياض السنباطي” أن يلحنها لتغنيها في عيد النصر، ولكنها توفيت قبل أن تغنيها وكان مطلع الأغنية “ياللي شبابك في جنود الله، والحرب في قلوبهم صيام وصلاة”، وقد توفيت أم كلثوم، لرفضها إجراء عملية جراحية، حيث أنها كانت ستؤثر على أحبالها الصوتية، وأدت كثرة استخدامها للأدوية إلى إصابتها بتليف الكلي حتى وافتها المنية 3 فبراير عام 1975.

   قبل أن أختم مقالي عن الست أم كلثوم، سأذكر الحوار الأخير الذي دار بيني وبينها قبل زواجها من الدكتور حسن الحفناوي، سألتها: “قيل الكثير بأن الملك فاروق كان معجبا جدا بك وبصوتك، وكان يلتقي بك في أحد قصوره لتغني له وهو يشرب الخمر، ويدخن السيكار، فما هي حقيقة هذه الشائعات؟”، فانتفضت غاضبة وقالت: “قبل كل شيء الملك فاروق لم يذق الخمر في حياته، نعم كان يدخن السيكار، ولكن عندما كنت أغني أمامه يتوقف عن التدخين ويصغي إلي بلهفة وإعجاب”، وأضافت: “لقد عشقت الملك فاروق عشقا كبيرا لعدة أسباب، أولها كان رجلا جميلا جدا ومهذبا للغاية، وكان ملكا على مصر وأي امرأة تتمناه، وعندما كان يريد أن أغني له يرسل لي مستشاره كريم ثابت باشا ليصحبني للقصر وبمجرد دخولي ينهض الملك فاروق من مقعده ويستقبلني بالقبلات والأحضان ويناديني بأعلى صوته أهلا بست الكل”، وأعود لأسألها ملحا: “ألم يغازلك؟”، وتجيب قائلة: “أبدا، أبدا، رغم أننا اختلينا لوحدنا مرات”، وتضيف: “أما ما قيل عن نزوات الملك فاروق مع النساء فهذا كذب وافتراء، الملك فاروق كان في منتهى الرقة والأدب ولم أسمع منه إلا عذوبة الكلام الذي يسعد كل امرأة تسمعه”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!