في الأكشاك هذا الأسبوع

مغرب الأثرياء ومغرب الفقراء

   خلال العطلة الصيفية الماضية، حضرت سائحة أجنبية حفل زفاف أقيم في منزل كبير، فخم وجميل، في عاصمة المملكة، فاندهشت وانبهرت لما رأته، رأت ما لم تره عيناها قبل ذلك. كان الحفل بديعا: قاعة الصالون غاية في الرونق والجمال، من ديكور وذوق وتنسيق، المغنية العربية المشهورة التي أحيت الحفل شذت بصوتها الرنان طوال الليل، وكانت المدعوات قمة في الأناقة والجمال.

   تعرفت الضيفة الأجنبية خلال الحفل على آخر صيحات الموضة من موديلات السهرة وتسريحات الشعر وألوان الماكياج الجذابة، والمجوهرات الثمينة والإكسسوارات والعطور التي ملأت الجو..

   لما حانت ساعة الزفاف، في منتصف الليل، طل العروسان في أجمل حلة وبأحلى طلة، فبدأت الملاحظات والتعليقات والتمتمة والنميمة بين استحسان واستهجان، بين قادح ومادح، ثم حان وقت الأكل في ساعة متأخرة من الليل: طعام شهي، ومتنوع، حلويات أشكال وألوان، جميع أنواع الفواكه والمشروبات والعصائر، كل ذلك قدم للضيوف على إيقاع الزغاريد والموسيقى الأندلسية.

   من المؤكد أن ميزانية كبيرة خصصت لهذا الحفل، التقطت الضيفة الأجنبية صورا تذكارية كثيرة وظنت أنها استدعيت لحفل حكايات “ألف ليلة وليلة”.

   استغربت السائحة، فبالأمس كانت تتجول وسط المدينة القديمة ورأت أزقة متسخة بالنفايات والأزبال والأوساخ، متسولون في كل مكان، معوقون يجولون في الأزقة، آلاف العائلات تعيش في الفقر والتهميش والحرمان، في دور الصفيح، في أحياء عشوائية، أطفال صغار حوافي الأقدام يلعبون في المهملات، متقاعدون يجلسون فوق الأرصفة طوال النهار، في بيئة ملوثة، شباب عاطل يميل إلى الانحراف والإجرام يتعاطى الكحول والمخدرات، طفلات خادمات في البيوت (رغم وجود قوانين تمنع ذلك)، وهناك شباب آخر يتهافت على ركوب قوارب الموت لعبور البحار واللجوء إلى الديار الأوربية، يلقون بأنفسهم إلى التهلكة، فتتبخر أحلامهم وتضيع آمالهم وتموت طموحاتهم.

   بائعون متجولون، مختلون ذهنيا، جائعون، تائهون في الشوارع، يبحثون في النفايات عن بقايا الأكل يسدون به رمقهم.

   كل هذه فئات من المجتمع للمغرب الآخر، تتحكم فيها عوامل اقتصادية واجتماعية، يخنقها ارتفاع الأسعار.

   الكل يعلم أن واقع المغرب خير شاهد وأبلغ دليل على مدى حاجة الناس إلى التكافل والتكافؤ والتضامن للتخفيف من حدة الفقر والبؤس والحرمان والتهميش والهشاشة.

   إلى جانب ذلك هناك طبقة ثرية، غنية طغت عليها المادة والكبرياء، استباحت كل شيء وتمتعت بخيرات وثروات البلاد والعباد، أما الطبقة الأخرى فهي عاجزة عن تحقيق حياة كريمة.

   عادت السائحة إلى بلادها، مندهشة مستغربة، معلنة أنها حاولت أن تفهم، لكن بدون جدوى.

نجيبة بزاد بناني

تعليق واحد

  1. وشهد شاهد من اهلها بناني من بين العائلات المعنية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!