في الأكشاك هذا الأسبوع
من مظاهرات 20 فبراير 2011 (صورة نشرها "الوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان" في كتاب خاص)

كيف نجحت الأحزاب في استعمال الشباب كذروع بشرية ضد الديمقراطية

موت 20 فبراير وانطلاق موسم الاستحواذ على المناصب

إعداد: سعيد الريحاني

   “نعى” الشارع المغربي بشكل شبه رسمي يوم السبت الماضي حركة 20 فبراير، ومن غرائب الصدف أن بعض المتظاهرين كانوا يحملون في الرباط “نعشا” يتضمن عدة مطالب كتبت عليه بالبند العريض، ورغم أن بعض المتحمسين لفكرة النضال في الشارع من خلال الحركة الراحلة، كانوا يرددون بعض الشعارات ضد المخزن والاستبداد، إلا أن الجو كان جنائزيا، أكدته ملامح الحاضرين الذين لم يتجاوز عددهم في شارع محمد الخامس بضع مئات، ولم يتوقع بعضهم هذا الحضور الباهت لذكرى حركة، يتم الترويج لها على نطاق واسع بأنها كانت سببا في الإصلاحات السياسية التي باشرها المغرب منذ سنة 2011.

   رئيس الحكومة واحد من معارضي حركة 20 فبراير، احتفل على طريقته بفشل الحركة، من خلال لقائه مع ممثلي الشبيبات الحزبية يومين بعد ذلك، وهي إشارة واضحة على أن الممثل الرسمي للشباب المغربي هو الشبيبات الحزبية. تصوروا هذه الشبيبات الفاقدة للمصداقية حتى داخل الأحزاب التي تنتمي إليها هي التي تتولى الحديث باسم الشباب المغربي، لذلك قد لا يجد المتتبع أدنى غرابة في كون رؤساء الشبيبات يدافعون عن “الريع السياسي” بدل “التمثيلية السياسية”، فقد عرف الاجتماع الذي عقده رئيس الحكومة عبد الإله بن كيران، مع وفد شبيبات الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان، ليلة يوم الإثنين 22 فبراير 2016، رفضا بالإجماع من طرف الشبيبات لإلغاء لائحة الشباب الوطنية” (المصدر: موقع كشك التابع لمجموعة آخر ساعة).

   في هذا السياق يمكن طرح سؤال لماذا لم تتحول حركة 20 فبراير إلى حزب سياسي، ولماذا لم يجد شباب الحركة موقعا داخل البرلمان؟ وما مصير الشباب الذين يرفضون الالتحاق بالأحزاب المتواجدة، ويرفضون في نفس الوقت منطق الشارع؟ وما مصير الشباب الذين يريدون فرصة حقيقية بدل الدفاع عن اللائحة الوطنية، التي صممت خصيصا للركوب على مطالب الشباب تحت عنوان “مبادرة الشاب”.

   وربما نسي شباب اليوم، أن اللائحة الوطنية للشباب، مرتبطة بشاب اسمه “المهدي بنسعيد”، وهو أحد الحسوبين على اللوبي الذي تقوده خديجة الرويسي، هذا الأخير هو الذي جمع الشبيبات الحزبية سنة 2012، بمبادرة من رابطة الشباب الديمقراطي، التي كان يتزعمها شخصيا، ولعله من غرائب السياسة في المغرب أن هذا الشاب الذي يحمل الجنسية الفرنسية هو نفسه الذي قادته “كواليس اللعبة” إلى ترأس لجنة الخارجية والدفاع بمجلس النواب، رغم حساسية المنصب.

   قد يقول قائل ما العيب في أن تكون لائحة الشباب، مبادرة من مبادرات رابطة الشباب الديمقراطي؟ “كلام يبدو منطقيا، لكن من تكون رابطة الشباب الديمقراطي”؟ “سنة 2012 وقت إطلاق المبادرة، كانوا يقولون إنها تمثل ذراعا جمعويا لحركة لكل الديمقراطيين، بينما يقول البعض الآخر إنها كانت تمثل شبيبة حزب الأصالة والمعاصرة.. لا هذا ولا ذاك، فرابطة الشباب الديمقراطي جمعية فرنسية، يرجح أنها لا تمتلك حتى وصل إيداع في المغرب، بل في فرنسا، زد على ذلك، فرئيسها (وقتها) المهدي بنسعيد، معروف بحضوره للقاءات كثيرة في الولايات المتحدة الأمريكية” (التفاصيل: الأسبوع عدد 12 فبراير 2015).

   أصدقاء الشاب المهدي، هم نفسهم الشباب الذين نسجوا علاقات صداقة أخطبوطية مع باقي الشبيبات الحزبية، في حزب الاستقلال، والاتحاد الاشتراكي، والحركة الشعبية، والتجمع الوطني للأحرار.. ولعل ذلك هو ما يفسر اليوم اصطفاف جل الشبيبات الحزبية في خندق الدفاع عن اللائحة الوطنية للشباب.

   يمكن القول إن إدماج الشباب في السياسة هو مطلب لا يختلف حوله اثنان من الملك محمد السادس إلى الشاب والشابة الفقيرة في إحدى القرى النائية، ولا غرابة أن نسمع أن الملك يقول: “يجب على الأحزاب السياسية أن تفسح المجال للطاقات الشابة والنسوية بما يفرز نخبا مؤهلة كفيلة بضخ دماء جديدة في الحياة السياسية، والمؤسسات الدستورية..”، هكذا تحدث الملك، لكن الذين قاموا بتنزيل خطابه على الأرض، اختلطت عليهم الأمور فاعتقدوا أن اللائحة الوطنية للشباب، هي المقصودة بفسح المجال أمام الشباب للمشاركة، وكانت الحصيلة هي دخول مجموعة منهم إلى البرلمان..”، والحقيقة أننا عندما نتحدث عما يسمى البرلمانيين الشباب في المغرب، لابد أن نقر بالحقيقة المرة التي تختفي وراءها جبال الجليد اللعينة، إنه ما من شاب ضمن هؤلاء حصد هذا اللقب عن جدارة واستحقاق، بعيدا عن الولاءات ودرجة القرب إلى القيادة، ومنهم من يوجد رفقة ذويهم داخل البرلمان.. وكأن هذا الوطن الممتد من مضيق جبل طارق إلى حدود موريتانيا، لا يتوفر على من هم أهل لدخول البرلمان..” (الكاتب محمد العبيدي/ الأسبوع 12 فبراير 2015).

   هكذا إذن تم إفراغ مطلب إدماج الشباب في الحياة السياسية من مضمونه عن طريق ربطه بكوطة الشباب، ولا شك أن الفاعلين الحزبيين، والنخب السياسية قد شاركوا بعملهم أو بسكوتهم في هذه “المؤامرة” التي استغلوها للحفاظ على مواقعهم، ولشغل الشباب بالصراع حول توزيع كعكة وهمية (مقاعد اللائحة) بدل التركيز على الصراع الحقيقي وهو إزاحة القيادات الهرمة، أو إرغامها على تخصيص مقاعد مريحة للشباب في اللوائح المحلية ودعمها للنجاح شعبيا، حتى وإن تطلب الأمر الركوب على مطالب حركة 20 فبراير.

   يقول الباحث محمد المعزوز: “لقد شكل جيل من النخب من مختلف أطيافه ومواقعه وانتماءاته خريطة خربة لخطاب سياسي مقتول، لا علاقة له ببناء المجتمع المسيس ومجتمع المواطنة. ومن أهم مواصفات هذا الخطاب أنه استكاني غير نقدي، يندرج فيما يطلق عليه بالأدوات المستسلبة للمجتمع أو بأدوات تنميط الوعي الكلي للمجتمع.. ومن الملامح الطارئة على الخطاب الاستكاني، ذلك الكلام المتستر بحركة 20 فبراير وما نتج عنها من إصلاح دستوري وتجاوب سياسي مع مطالب الحركة. يسعى هذا الخطاب أن يعبئ من حوله كل الحجج والمقارنات، استنادا إلى حصائل ثورات بعض الدول العربية، ليؤسس حججا تبريرية منغلقة، غير نقدية، من داخل رؤية النظام السياسي للدولة. وذلك هو حال النخب الممثلة للأحزاب السياسية والنقابات، أغلبيتها ومعارضتها، والنخب الممثلة لهيئات المجتمع المدني ولجزء كبير من النخب المثقفة والأكاديمية.. لقد استطاعت هذه النخب مجتمعة، اليوم، أن تنحرف عن مضمون خطاب حركة 20 فبراير بتحويل نقاشاتها من عمق الفكرة الاستراتيجية للحركة في ارتباطها بالديمقراطية والتحديث، إلى معانقتها العمياء للأجندات السياسية للدولة وعلى رأسها أجندة النموذج السياسي المتمثل في “رجالات الثقة”، الذين لا يبرحون كرسيا في الدولة حتى يشغلون كرسيا أكثر أهمية من سابقه.. لقد كان من المفترض أن يتم التفكير من داخل الأبعاد المطلبية لحركة 20 فبراير، وبمسافة موضوعية عن رؤية الدولة للإصلاح السياسي، لتحصين المكتسب الديمقراطي وتجديده، وتمثل الدستور كأداة للديمقراطية وليس هدفا في حد ذاته.. إن الخطاب الببغائي المجتر لخطاب الدولة، واكتفاء الأحزاب السياسية بلعب دور التابع، وقبول المشاركة السياسية بمقاسات مشروطة، أشياء لا تعمق فشل المجتمع والنظام السياسي فقط، وإنما تؤدي إلى الفشل التاريخي ذي الصلة بتقهقر الفرد والجماعات وأسلبة وعيها التاريخي الموكول إليه مهمة التغيير والبناء”.

   الحديث باسم حركة 20 فبراير عند الفاعلين السياسيين، هو حديث باسم الشباب، فهذه الحركة، كانت توصف بأنها حركة للشباب، ولكن الشباب تعرضوا لمؤامرة من الأحزاب، بل إن مؤامرة الأحزاب هي التي حالت بين الشباب وبين قنوات الحوار مع الملك: “إذا رجعنا فقط إلى لجنة المشاورات، حول الدستور التي ترأسها المنوني، سنجد أنها طلبت من حركة 20 فبراير لتقديم مقترحات حول الدستور، لكننا فوجئنا بصدور بيان باسم الحركة دون إجماع يقول، إن حركة 20 فبراير، تقاطع لجنة المنوني.. من كتب هذا البيان؟ الله أعلم”، يقول أسامة الخليفي أحد متزعمي حركة 20 فبراير (المصدر: حوار مع الأسبوع عدد 31 دجنبر 2015).

   أسامة الخليفي نفسه سبق أن أكد لـ “الأسبوع” أن حركة الشباب لم تستطع التحول إلى حزب سياسي بسبب التنظيمات الحزبية والنقابية التي انخرطت في الحركة.. فمجلس الدعم (مكون من عدة أحزاب) هو الذي أصبح يتحدث باسم الحركة، وقد كان أصحابه يعتقدون أنهم بمثابة مجلس وطني انتقالي (على غرار البلدان التي عرفت سقوط النظام)، وها هي التنظيمات كلها تنسحب اليوم من حركة 20 فبراير بعدما تبين لها أن الركوب على شباب الحركة لم يعد يجدي نفعا(…)، فعادوا للركوب على الشباب من جديد، ولكن من بوابة اللائحة الوطنية للشباب(…)، وكم من شاب سيدافع عن اللائحة الوطنية، غيرة على الشباب، ليجد في النهاية أنه فقط ساهم في فسح الطريق “لشاب انتهازي” (أو شابة) مقرب من الزعيم للدخول إلى البرلمان..

   ورغم أن الشبيبات الحزبية، ومعظمها فاقد للمصداقية من حيث طريقة الاشتغال، أو من حيث طريقة التأسيس، بحيث أنها تخدم أجندة اللوبيات الحزبية وليس الشباب، فإن الأمل في إلغاء هذه اللائحة الريعية، شأنها شأن لائحة النساء، يبقى معقودا على التجاوب مع مطالب المجتمع المدني، فـ “لا يخفى عليكم السيد وزير الداخلية أن هاتين اللائحتين كانتا إجراء مؤقتا لمرحلة محددة زمنيا، وليستا مقتضى دستوريا، وهما تعتبران اليوم مساسا بمنطوق وروح الدستور.. إن دستور المملكة المغربية يؤكد على مبادئ المساواة والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص بين جميع المواطنين دون تمييز تحت أي ذريعة كانت، وذلك عندما نص في الفصل السادس منه على أن تعمل السلطات العمومية على توفير الظروف التي تمكن من تعميم الطابع الفعلي لحرية المواطنات والمواطنين، والمساواة بينهم، ومن مشاركتهم في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية”. (المصدر: مراسلة المرصد الوطني للعدالة الاجتماعية لوزير الداخلية، عن موقع هسبريس).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!