40 مليار دولار لإفشال آخر حكومة يتزعمها إسلامي

أسرار السقوط الإقليميلبن كيران

إعداد: عبد الحميد العوني

   قال مصدر موثوق أن رئيس الحكومة بن كيران منع الرد على الانتقادات الشديدة لوزير الخارجية في حكومته، خوفا أن تكون خرجة مزوار مدروسة قبل زيارة مصر، ودعوة رئيسها لزيارة المغرب، واستقبل عبد الفتاح السيسي وزير الشؤون الخارجية والتعاون المغربي، وصرح السفير علاء يوسف المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية المصرية بأن مزوار سلم الرئيس السيسي رسالة خطية من الملك محمد السادس تضمنت دعوة رسمية لزيارة المغرب، من أجل تعزيز العلاقات، ودعم التنسيق بين البلدين في مواجهة التحديات الراهنة.

   وتعتبر الخطوة طيا لصفحة بن كيران نهائيا كما عبرت مداخلة شريكه زعيم الأحرار التي فاجأت حزبه، حين قال في بوزنيقة: ليس غريبا أن يعرف الشارع المغربي حركات احتجاجية تبقى في مجملها مبررة ومشروعه، فمن حق المغاربة أن يعبروا عن غضبهم، وهذه دعوة إلى نسخة مغربية من (30 يونيو) قبل لقاء مهندسها في القاهرة، وتكشف التطورات إلى أي حد يدبر المغرب إجلاء آخر حكومة يرأسها إسلامي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

   وذكر وزير الخارجية من دوافع  فك الارتباط بين الأحرار وحزب العدالة والتنمية تراجع الاستثمارات الخارجية، ولا تشكل حكومة بن كيران عقدة مع مصر فقط، بل عقدة في تحسين العلاقات الإماراتية ـ المغربية، ومن ثم العلاقات الخليجية المغربية.

   وفي إصلاح العثرة الأولى لبن كيران ضد مسؤول أمني إماراتي دفع المغرب برئيس حكومته لزيارة أبو ظبي لطي ما حدث، لكن المعضلة أن الذي لم يتمرس الدبلوماسية ويتركها للملك دائما، وفي لحظة يضطر لاستخدامها بشكل خاطئ، وتقرر فعلا بعد  الزيارة أن ولاية ثانية لبن كيران خسارة كبرى، ويجب ذهابه لأنه أصبح عقدة في العلاقات الإماراتية ـ المغربية، فيما تفاوض الرباط على مشاريع خليجية في الصحراء ولا يمكن تمويل أي شيء في هذا الإقليم دون الخليجيين لوجود تحفظات أوروبية وأمريكية معروفة بخصوص هذا الملف.

   واضطر المغرب إلى مشاركة الخليجيين في حماية أمنهم ومشاركة جنوده في كل معاركهم من أجل تمويل معركته الاقتصادية في الصحراء، واليوم يبدأ تمويل الخليج من حاجيات المغرب العسكرية إلى بناء المنشئات والمشاريع التنفيذية والمدن الذكية والتي سيعلن عنها في كوب 22 في مراكش، منها مدينة مستدامة قريبة من العاصمة الحمراء وتتسع لخمسين ألف نسمة، و5 مدن سكنية بإجمال 600 ألف وحدة سكنية بتموسط 120 وحدة في كل مدينة، قد يمتلكها إماراتيون وأجانب.

   وتمويل حاجيات المغرب العسكرية والسكنية ونموذجه في الصحراء ومواكبة قمة الأمم المتحدة للمناخ، والتي تشكل إلى الآن، عامل مرونة في معركة بان كي مون والمملكة حول الصحراء، كلها عوامل تدفع إلى تعزيز العلاقات الخليجية المغربية وعلاقات العاصمتين (الرباط وأبو ظبي).

   فمن الكويت جاءت إقالة سعد الدين العثماني، ومن الإمارات يخسر بن كيران معركة بقائه لولاية حكومية ثانية تطمح فيها المملكة أن ترفع تغطية الطاقات المتجددة لـ 52 في المائة من استهلاكها، وتحقيق التزام الرباط بخفض انبعاثاته من غازات ثاني أوكسيد الكاربون بنسبة 13 في المائة بحلول 2020 بجهد مالي يصل إلى 10 ملايير دولار وبنسبة 32 في المائة بحلول 2030 أي بحوالي 32 مليار دولار، ولا يمكن تمويل هذه المشاريع في ظل حكومة تتراجع فيها الاستثمارات الخارجية لأن عجز المغرب البالغ على صعيد هذه المخططات 14 مليار دولار، وفي هذه الحالة، تكون المملكة في حاجة مباشرة إلى 40 مليار دولار.

ومن الطبيعي أن يدفع بن كيران وحزبه ثمن هذه الحاجة من الصحراء إلى الطاقة والاستثمار.

 رأس بن كيران يساوي 40 مليار دولار

   يرى العارفون للكواليس أن بن كيران سبب في تعطيل المساعدات الخليجية المبرمجة الموجهة للمغرب، وأن ذهابه سيعيد الشراكة الخليجية المغربية، والإماراتية ـ المغربية تحديدا، إلى الحكومة بعد حصرها في أوساط الجيش والأسر المالكة، وسبق أن أشار رئيس الحكومة في تصريحات غير رسمية إلى احتمال تورط خارجي في حادثة عبد الله باها، ولم يخف في مداخلة أثارت سؤالا برلمانيا، إلى استعداده للاستشهاد، لكن إسقاط حزب العدالة والتنمية من رئاسة الحكومة المغربية أصبح حاجة “إقليمية”.

   لن يكون ذهاب بن كيران بالتصفية الجسدية بل بالتصفية الانتخابية التي بدأت بإنزال العتبة من 6 في المائة إلى 3 في المائة، ومطالبة الاتحاد الاشتراكي باقي اليسار بحذفها.

   وستكون هذه الضربة قاصمة، إذ سيخسر الإسلاميون جراءها بين 30 إلى 45 مقعدا، ويرى محللون أن هذه الخطوة تبعد تنبؤات الأستاذ الجامعي السحيمي، القريب في نظر بعض الأوساط من مصادر القرار، وتصل نتائج حزب العدالة والتنمية في هذه الرؤية إلى 130 مقعدا أو يزيد، وحسب مصادر عليمة فإن هذه الأرقام خادعة إلى حد بعيد، كي لا يعمل الإسلاميون ويقبلوا بالإجراءات التي يموتون بها.

    وخففت آليات حزب العدالة والتنمية من حرارتها ودخلت في “راحة بيولوجية” وأخرى “نفسية” جراء الخلاف الذي يترك فيه سعد الدين العثماني حزبه كي يصطدم بالحائط، بتعبير أحد المصادر.

   ويخدم الوضع الراهن في داخل حزب العدالة والتنمية وخارجه قبول الهزيمة، فيما عللت بعض الأوساط قبول زيارة السيسي بأن بن كيران رغب في وقت سابق الوساطة بين الإخوان والجيش المصري، وله هذه الفرصة في زيارة الرئيس المصري  إلى المغرب وانقسام جماعة الإخوان المسلمين ورغبة المعتدلين والشباب منهم، في إيجاد تسوية.

   ومن هذه الفرصة يمكن لرئيس الحكومة المغربي أن يجد موطئ قدم لعهدة حكومية أخرى، إن ساهم في شطر الإخوان المسلمين، ودعم التوجهات الشبابية والبرغماتية داخل الجماعة المحظورة، والتي تحولت إلى منظمة إرهابية في عهد السيسي، وقد لا يسمح تصنيف الإخوان في هذه الخانة لرئيس الحكومة المغربي بهذه المهمة، كما أن الجناح الدعوى الذي لا يزال الريسوني مؤثرا على نسيجه، لن يسمح أيضا بها خارج الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الممول من قطر.

   ولا يمكن الصراع المحسوب بين الدوحة وأبو ظبي في استخدام آلية مصالحة بديلة وبعيدة عن مجلس التعاون الخليجي بعد عودة العلاقات القطرية الخليجية إلى سابق عهدها، وإلى الآن لم يتمكن أحد من الوصول إلى تفاهم جدي بين القادة المسجونين للإخوان المسلمين للجيش.

   من جهة أخرى، تسعى القاهرة بعد قمة شرم الشيخ إلى اجتياح إفريقيا بتمويل خليجي ينافس المغرب ولن تعطى للرباط أي هامش للمناورة.

   إذن لا يمكن لدور مفترض لحزب العدالة والتنمية المغربي ولأمينه العام أن يكون حافزا قويا لتسليم عهدة جديدة لبن كيران الذي كبد المملكة خسائر، لأنه لا يجلب الأموال، وإن نفذ بجرأة كل المخططات المطلوبة من أي حكومة تحت عنوان مرن اسمه، الإصلاحات، وهي “إجراءات تقشفية” بالأساس.

   وتعتقد أوساط إسلامية أن عودة بن كيران إلى الظل “حاجة أمنية” في أجواء تبعد الغنوشي عن المسؤولية الحكومية في تونس، كما أبعدت قادة الإخوان في مصر، وإن بطريقة عنيفة، وتحتاج المنطقة حاليا إلى “حرس جديد” في صفوف الإسلاميين يساهم في صفحة جديدة بدولة مصر وفي الإقليم.

 إن كان بن كيران عقدة مستترة في العلاقات الإماراتية ـ المغربية فإنه عقدة أيضا في مسار تطور العلاقات التركية ـ المغربية، والتونسية ـ المغربية

   أدرك الأتراك أن مفتاح المغرب في القصر وليس عند رئيس الحكومة، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية المغربي، وبدأ استيضاح هذا الأمر في زيارة أردوغان للمملكة، عندما خسر الإسلاميون المغاربة حليفهم بقسوة، ثم حوصروا، ورصدت الصحافة المنتقدة للحكومة مشاريع الأتراك وصفقاتهم في البلاد، قبل أن ينتقل الوضع إلى الصعيد الأمني، وتعتقل السلطات المغربية تركيين ردا على إعادة 40 مغربيا داعشيا في رحلة جوية واحدة، تأكد معها الغربيون أن التنافس حول أوروبا بين أنقرة والرباط وصل حدودا غير مقبولة، فأعيد تقسيم العمل بين العاصمتين، وقبلت تركيا بالعمل (ضمن المخاوف والتقييمات الأوروبية) لمختلف التشكيلات الإسلامية في المغرب، وانتهت أنقرة بحظر نشاط جماعة العدل والإحسان فوق أراضيها، واستمرار مركز فكري يدارس أفكار الشيخ عبد السلام ياسين، لكن هذه الرسالة لم تنته إلى تطبيع تركي ـ مغربي في عام انتخابي.

   وفي عهدة بن كيران تراجعت المصالح التركية في المغرب بنسبة تتجاوز 60 في المائة عما كان مبرمجا لها، لأن بن كيران لا يخدم حلفاءه ولا يحافظ على شبكة الأمان التي يحتاجها.

   وحسب مصدر عليم فإن الإخوة الأتراك لم يجدوا في بن كيران وحزبه القدرة ولا الفعالية لعمل إقليمي، لخوف إسلاميي بن كيران من تعاون مع أنقرة يخرجهم من الحكومة  كما خرج مرسي من رئاسة مصر، واختار الإسلاميون المغاربة هدفهم الأقصى في التطبيع مع القصر وليس العمل على بناء شبكة إقليمية لعملهم تفيدهم وتفيد بلدهم، ومع تراجع المصالح التركية في المغرب عما هو مخطط لها، لا يحتاج حزب العدالة والتنمية التركي إلى دعم نظيره في المغرب لأسباب ترسخت لدى الطرفين.

   تعزل هذه الأوضاع بن كيران من أي قوة لحمايته في وجه الضغوط المصرية الجدية التي وصلت إلى بريطانيا، وحققت في صلة الإخوان بالعنف، ويمكن في زيارة السيسي للمملكة “الاختيار الطوعي لبن كيران بخروجه من الباب الخلفي دون اعتراض”.

   وإن كان معروفا لدى الأوساط المقررة أن بن كيران فقد تركيا، فإن علاقات حزبه العدالة والتنمية  بحركة النهضة ضعيف، وسقوط حكومة بن كيران لدى السبسيين أو لدى نداء تونس فرصة تقطع الطريق على النهضة في العودة مجددا إلى الحكم.

   إن عودة بن كيران إلى الحكومة مجددا بعد الانتخابات البرلمانية القادمة بدعة قد تسمح بعودة الإسلاميين مجددا إلى الساحة، وتعارض الجزائر أن يستثمر إسلاميوها فرصة ترسيخ حكمهم للمغرب عبر ولاية حكومية ثانية في الوصول إلى الرئاسة، أو تسقط حكومة نداء تونس وتعود النهضة إلى دواليب الدولة.

   ويعيش الإسلاميون حاليا إشارات الصمود، وليس التقدم باتجاه الغرب، و قررت الرباط عند الفرنسيين على الأقل تجديد آليتها الحكومية لمواجهة وعودها الاقتصادية في الصحراء وعدم حصر برامجها التحديثية والإصلاحية في زوايا محددة.

   ويتأكد بجد أن تحالف الليبراليين الكلاسيكيين ووسط اليسار واليسار الراديكالي في مواجهة حزب العدالة والتنمية لم يعد خافيا على الملاحظين، لكن ما يخيف في المملكة، أن هشاشة المجتمع تفوق هشاشة الدولة، وأن إعادة تركيب الرؤية الخاصة بالتحولات من زوايا سياسية واجتماعية بعيدا عن الإسلاميين به مخاطر أيضا.

   وما جمعه الدين في العدالة والتنمية المغربي قد تفرقه القبيلة والعرق في الأصالة والمعاصرة وأحزاب أخرى تريد التحديث من داخل جروحها العميقة، وكما هو معلوم فإن عودة حزب العدالة والتنمية التركي إلى الحكومة مرات عزز الدولة قبل أي شيء آخر.

 لم يتمكن حزب العدالة والتنمية من أي صدى في موريتانيا والجزائر

    تابعت الأوساط تقدم علاقات العدل والإحسان مع أحزاب جزائرية ومنعت أنقرة التنظيم  من تحقيق نفس النتيجة في تركيا، وأكدت الجارة الشرقية تقدم الياسينيين وتراجع حزب رئيس الحكومة لأنه من دون قرار في أي ملف حساس، ولأنه منع نفسه من محيطه رغم محاولة سعد الدين العثماني تغطية الفراغ الحادث في الجزائر ونواكشوط في زيارات متكررة.

   ويحاول الرجل الثاني في حزب العدالة والتنمية عدم السماح للآخرين، ومن أروقة رسمية وشبه رسمية، في تشويه الإسلاميين الذين يقودون حكومة المملكة، لأن تعويض مزوار للعثماني لم يكن بريئا، وظهر في التصريحات الأخيرة الحقد الذي يحمله على الحكومات المحافظة التي قادها حزب الاستقلال والآن حزب العدالة والتنمية.

    لا أحد يطالب بالحفاظ على حكومة بن كيران لحماية الديمقراطية المغربية كما يحدث في تونس، وإن واجهت تجربة حزب العدالة والتنمية المغربي ما يواجهه التوانسة من مخاطر جسيمة اجتماعية واقتصادية، تغطيها الوعود الخليجية لإنجاح خروج الإسلاميين بسلام في مرحلة واحدة لا تتكرر.

   صحيح أن خارطة التحالفات الحزبية حول حزب العدالة والتنمية لن تتوطد بفعل التأثيرات الإقليمية وأيضا الذاتية لرغبة بن كيران في تأجيل مؤتمر حزبه إلى ما بعد الانتخابات بما يشبه الأحزاب الإدارية، وأولها من يدير وزارة الخارجية في الحكومة التي يرأسها.

   لن يساعد تأجيل المؤتمر وأزمة الديمقراطية الداخلية لحزب العدالة والتنمية في إسكات مزوار، وفي قراءته التي أعلنها أمام حزبه يكون الإسلاميون المغاربة ضحايا لتشويه في الخارج مع التخطيط لخسارتهم لولاية حكومية قادمة.

   لم يعد ممكنا القول أن الاستثناء المغربي “ديمقراطي” بعد دفاع القوات المسلحة الملكية عن ملكيات وإمارات ناهضت الربيع العربي.

   وبإسقاط حزب العدالة والتنمية تنتهي الحلقة المدنية الأخيرة لحراك الربيع المغربي الذي أضاعه وتنكر له الإسلاميون، فمزوار ينتقد التجربة كما تنتقدها 20 فبراير في خسارة واسعة للرأي العام الخارجي الرسمي والشعبي، وليس مهما لدى الديمقراطيين في المنطقة حماية حزب العدالة والتنمية المغربي من السقوط، لأن الديمقراطية الوحيدة في تونس تطرح انشغالات جديدة.

   لم تتميز التجربة المغربية بشيء في الخارج بعد تحالفها مع الملكيات الخليجية التي تضمن توسيع الشراكة في إطار جديد يبعد الإسلاميين عن رئاسة الحكومة.

   وعوض أن يولد “ربيع حزبي” وجدنا السلطوية تتشكل من أكبر رحم ديمقراطي للأحزاب لمواجهة ما يدعى التحكم، ولذلك حال الوضع إلى عمل سياسي لا يخلو من قوى ترى الوطن كله من زاوية التنافس الحزبي، فبن كيران شن هجماته ضد حزب غريم أكثر مما هاجم أعداء الوطن.

   وتلك قصة تؤكد أن الإقليم مرتاح إلى مشهد آخر في المغرب يشبه ما حدث في تونس، وعلى حزب العدالة والتنمية أن يقبل العودة إلى الحكومة، دون رئاستها، أو يفقد الفرصة نهائيا لجيل كامل على الأقل لأن ارتباط الإسلاميين بحركة الشارع وليس حركة المؤسسات فقط يكشف إلى أي حد يعيش النظام في أزمة بنيوية، والتطبيع بين القصر والإسلاميين لن يتحول إلى معطى مؤسساتيا موثوقا

   وحزب العدالة والتنمية والنموذج المغربي بالجملة ليسا “استثناء” على الأقل في جوار المملكة، وبالخصوص في الجزائر وموريتانيا، ويزيد الوضع الحالي من صعوبات إضافية في تسويق الرباط لما حققته  تجربتها لوجود خصم لها  في خارجية المملكة.

 المخطط الإقليمي الذي يرغب في إسقاط الثورة التونسية يجر معه إسقاط حكومة حزب العدالة والتنمية في المغرب كإحدى نتائج الحراك المضاد في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

    إن اللعب على التناقض الاجتماعي والاقتصادي يدمر الثورة في تونس، وبالتبعية نتائج الحراك الديمقراطي في المغرب، وحسب التمظهرات بين المراكز والأطراف يحتاج المغرب إلى تمويل خليجي لبرنامج تنموي في الصحراء، وبين المراكز والأطراف في تونس، خصوصا وأن المغرب وضع الجهوية لتجاوز الأزمة لكن تمويل بنيات النظام الجهوي والحكم الذاتي في الصحراء يبدأ وينتهي عند الخليجيين.

   ولا يختلف أحد في أن اتفاق أبريل 2011 مع النقابات منح فرصة لتثبيط الاحتجاجات وأي تصعيد يمارسه الشارع ضد قرارات بن كيران يحتاج إفشاله إلى مليارات، ومرة أخرى لن تجد الرباط خارج الخليجييين ما يحمي استقرار المملكة.

    ولا يمكن للشركاء الملكيين في الخليج أن يتركوا مملكة شمال إفريقيا، ولذلك فتسخين الوضع دون الوصول به إلى الحافة استراتيجية مألوفة، من ملف الصحراء إلى إدارة الوضع الداخلي، ومعروف أن احتراق مسلسل تجريب (الأحزاب) قد انتهى إلى عودة اللعبة إلى المخزن بالتعابير السارية على الأقل.

   ومن الغريب أن نعرف أن العثماني وبن كيران يتنافسان  في عدم وصول حزبهما لولاية حكومية ثانية خدمة لشخصيهما اتجاه النظام السياسي، واستجابة لإكراهات مخطط إقليمي لا يريدون مواجهته، ومن المهم القول أن المخطط الإقليمي يحاول العصف بالثورة التونسية وما تبقى من آثار الحراك في المغرب لتوحيد الخارطة الجديدة، خارطة ما بعد الثورات تعزيزا للشراكات، وإيمانا بأن بقاء حكومة يرأسها إسلامي بالمغرب ضرر جسيم في المخيال الإقليمي، لأنه يعطي فرصة خادعة لإخوان مصر أو غيرهم في المنطقة.

    وفي دعوة رئيس مصر عبد الفتاح السيسي لزيارة المغرب ونفي زيارة أردوغان إلى الرباط التي سربها مسؤول تركي حضر الذكرى الأخيرة لوفاة الملك الحسن الثاني إشارة واضحة إلى تموقع “نهائي” للمملكة في ظل الهجمة الشرسة التي تعصف بتونس وبالتبعية ما خلفه حراك 2011 في المغرب. ولا يمكن المرور إلى الخليج، وخصوصا الإمارات دون المرور عبر القاهرة، كي يتوحد التعامل مع الإشكالية الإقليمية لمرحلة ما بعد الإسلاميين في هذه السياسات الجديدة.

   وفي القاهرة والرباط لا يمكن الاعتماد على الأوروبيين والأمريكيين في سياسات تنموية حقيقية بسبب مشكل الصحراء، ولم يعد للمملكة من باب سوى الخليج الذي يشاركه المغرب في كل الشؤون الحساسة، العسكرية والاستخبارية، فكيف لا يحرر الميكانيزم الحكومي لمزيد من الفعالية. وفي واقع الحال، تعيق الضائقة الاقتصادية من تطور تونس والمغرب “بسبب التطورات الاقتصادية لمشكل الصحراء على صعيد الاستثمار أو مقاطعة وتوسيم المنتوجات القادمة من الإقليم المذكور”، حيث ترك الخليجيون والغربيون تونس ، ويطلبون شروطا لاستثمارهم في المغرب. ومن المتوقع أن تستثمر هذه الأطراف العناصر الجيوستراتيجية والسياسية في البلدين لكنس آخر مظاهر حراك 2011 في شمال إفريقيا.

   ولن تسعف المشاركة العسكرية المغربية في ليبيا أو سوريا أو غيرها في الوصول إلى تجديد الحكومة الحالية وإن ظهرت المشاركة العسكرية للرباط محدودة وجوبة في حرب اليمن. وكما لم ينقذ الغرب تونس بالهبات والاستثمارات فإنها لن تمول إصلاحات المغرب واستقراره بالقدر الذي تريده المملكة خصوصا في الصحراء، ويقابل عدم تمويل الديمقراطيات الغربية تمويلا خليجيا مضادا، وللمغرب فرصة مواتية في استثمار نتائج الثورة المضادة، وشكلت حكومة بن كيران الفرصة للانقلاب عليها، لأنها جاءت من قلب الحراك المغربي دون أن تخدمه أو تحافظ عليه، بل قتلته لتعيش وستموت في إكمال قوس الثورات المضادة. وهذا القوس الهادف إلى تدمير الديمقراطية التونسية وآخر مخلفات حراك 2011 في المغرب لإنهاء القصة يلاحقه قوس الإرهاب من ليبيا عبورا بتونس نحو المغرب، واستقرار الجزائر والمغرب ليس بنيويا أو مكتمل الديمقراطية بل مهددا بالإلحاق أو بالالتحاق بالثورة المضادة وما يتبعها فورا، أي الإرهاب. ويرتبط هذا بما قاله مزوار، لارتفاع البطالة جراء تراجع النمو، بينما يحتاج أي نمو لاستيعاب البطالة إلى مابين 6 نقط أو 7.

   وزادت التخوفات بفعل الانتاج الفلاحي المتوسط إلى الضعيف نتيجة تأخر الأمطار، ولاحظنا أن الاحتجاجات، من احتجاجات الطلبة المعطلين إلى الطلبة المدرسين، لا تستثمر في الشارع إلا إن تعلقت ببطالة الشباب، وهو التحدي الذي يفجر تونس وباقي الأقطار، لأن دينامية الشباب إما أن تتفجر في العمل أو تتفجر في المجتمع.

   وفي المغرب لا يمكن القول بأن النظام الجهوي ضمانة لسياسات تنموية عادلة، بل توزيع بيروقراطي يراكب الإدارة المحلية بموظفيها المنتمين إلى نفس المنطقة مع الموظفين المركزيين المتحكمين في النفوذ الإداري والترابي، لذلك فدعم الاقتصاد الجهوي كقرار اقتصادي محض امتداد لدعم المركز بأموال الهبات الخليجية، وفي كليهما خطر على الاستقرار.

 تراجع الاستثمارات الأجنبية لصعوبة الدفاع عن حكومة يرأسها إسلامي “أي حكومة بن كيران” ثغرة في الدبلوماسية الاقتصادية بعد خسارتها لتركيا وماليزيا وبلدان مثيلة

   لم يستثمر بن كيران التحالف التركي ـ الخليجي، وترك المغرب هذه البوابة الداعمة لمواصلة حكومته بعد انتخابات 2016، واتجه الوضع إلى القناة الإماراتية ـ المصرية التي تعصف بمواصلة تجربة العدالة والتنمية في رئاسة حكومة المملكة.

   إذن، بن كيران قتل تجربته إقليميا عندما لم يضع لها شبكة “الأمان” المناسبة لكي تستمر، فالمسألة لا تتعلق بفرض التجربة المغربية خارج السياق بما يكون معه حزب العدالة والتنمية المغربي مقبولا في المنطقة مثيل نظيره التركي.

   وعانى (أردوغان) من فداحة المناورة الإقليمية، وتجاوزها بصعوبة، ولم يتمكن بن كيران من استيعاب تلك التجربة على أصعدة كثيرة، فرنيس الحكومة المغربي لم يوازن ولم يهتم للنتائج، فقدرة التحرك لم تكن حرفية، لأن البحث عن رضى الشعب لم يكن خالصا، ومس حزب العدالة والتنمية كل فئات شعب المملكة، فيما انطلق أردوغان باسم طبقة أدارت التحول ببطء، وبفعالية.

   قبل الشعب المغربي كل الإصلاحات دون نتائج، فعدم وجود حاضنة اجتماعية في دينامية اقتصادية محددة أو حاضنة إقليمية خسارة محققة لرئاسة بن كيران، ويعد تراجع الدبلوماسية الاقتصادية ثغرة إضافية، فلا يمكن الدفاع عن تجربة هذه الحكومة والدبلوماسية ضدها وإن خرج عباس الفاسي بفعل مزوار في وزارة المالية، فإن مزوار الذي أخذ من العثماني موقعه يحاول إسقاط حكومة بن كيران من النافذة الإقليمية والدبلوماسية. والحق أقول، أن خروج العثماني من وزارة الخارجية نهاية لحلم الولاية الثانية لحزب العدالة والتنمية، فالحزب الإسلامي معزول رغم ما يظهر، فالعثماني وبن كيران والرميد والرباح “أجندات مختلفة، يجمعها الحزب فيما اتفق، وهذا الرباعي لم يجلس يوما لتوحيد رؤيته وإعادة تركيبها.

 بن كيران عاجز في الإعلام الخارجي

   يثبت بن كيران عجزه في الإعلام الغربي إلى حد بعيد، وحدث انقلاب في الرؤية الخارجية اتجاه الإسلاميين “الديمقراطيين”، لأنهم لم يكونوا أقدر على إثبات أدوارهم في الدولة، وترك رئيس الحكومة كل الدبلوماسية لإمارة المؤمنين المحاربة للإرهاب فدخلت تجربة حزب العدالة والتنمية ضمن النسق دون أي “خصوصية”. وبزوال هذه الخصوصية زالت مبررات استمرار تجربة حزب العدالة والتنمية، لأنها من دون نتائج ومن دون خصوصية، وعودة الإسلاميين إلى المعارضة حالة صحيحة لدمج فئات مؤهلة للإرهاب في صفوفها، وستخدم الأمن لأن هذه الحساسية فشلت في الاقتصاد والدبلوماسية وباقي النتائج المعول عليها. وعندما قرر بن كيران (الانعزال) فرض العزلة الإقليمية على نفسه وعلى تجربته إلى حد بعيد، لضعف النتائج الشديدة، من واقع أن حزب العدالة والتنمية وعد ب 7 في المائة قبل مغادرته الحكومة لتنتهي إلى النصف، وهو معدل يسود نمو المملكة في المتوسط.

   اليوم ليس هناك ما يقدمه بن كيران للإعلام الأجنبي من قيمة مضافة أو نتائج، لدفعه ثمن سياسات جيوسياسية قررتها المملكة بعيدا عن حكومتها، في الصحراء والمغرب العربي والخليج. ويدفع رئيس الحكومة ثمن انسحابه ليترك القصر يدير الدبلوماسة والدبلوماسية الاقتصادية ، حيث لم يعد له ثقل في القرار، فانتهت صورة الشخص والحزب من الإعلام الدولي، وبقي صموده جزء من الإعلام القريب من الإخوان لتأكيد المرونة ورفض الاستثناء.

 الحياد الأمريكي والدفاع عن نتائج صناديق الاقتراع ضد بن كيران أخيرا

    إن كان الحياد الأمريكي ودفاع واشنطن عن نتائج صناديق الاقتراع في خدمة حزب العدالة والتنمية في المعارضة، فإن النتائج ترتبط اليوم بنتائج اقتصادية بالأساس، وعندما لا يستطيع شريك في الحكومة (الأحرار) أن يدافع عنها لا يمكن بالمنطق أن تدافع عنها المعارضة، فالكل سيكون ضد التدبير الحكومي مع تحميل حزب العدالة والتنمية وحده المسؤولية عن ذلك، وإن عرفنا أن تعديل قوانين الانتخابات سيصب في نفس الهدف. إن تحييد (الجياد الأمريكي) سيكون ضد حزب العدالة والتنمية أخيرا، وإن سقط بن كيران في الداخل فلأنه سقط إقليميا وهو ما يجهله الحزب.

تعليق واحد

  1. اذن فما حاجتنا الى انتخابات فليكن كل شئ بالتعيين. ولنكن ايضا امارة تابعة للامارات وما فائدة صوتك الذي ادليت به انت ايها المواطن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!