في الأكشاك هذا الأسبوع
الوزير الرميد في جنازة سلفه الناصري

الرميد “يبعث” عبد الله باها ولوبي قضائي يتحرك لتطويق مشروع الملك لإصلاح العدالة

حرب خفية حول العضوية في المجلس الأعلى للسلطة القضائية

إعداد: سعيد الريحاني            

    لم يتوقع أحد أن يختتم مصطفى الرميد، كلمته عن حصيلة وزارته سنة 2015، باستحضار روح عبد الله باها، القيادي في حزب العدالة والتنمية الذي قضى نحبه في “حادث قطار”، بنفس المكان الذي توفي فيه أحمد الزايدي، في وادي الشراط ببوزنيقة، ولكن وزير العدل والحريات أصر على أن يقول أمام كبار القضاة والمسؤولين الذين حضروا صباح يوم الثلاثاء الماضي للمعهد العالي للقضاء: “رحمة الله على عبد الله باها”، وكان رئيس الحكومة أول المصفقين على كلمته.

   ما علاقة عبد الله باها، بإصلاح العدالة؟ وما علاقته بالعرض الذي قدمه مصطفى الرميد تحت عنوان: “معالم على درب الإصلاح العميق والشامل لمنظومة العدالة.. هي فقط عينة من الأسئلة التي طرحها بعض الحاضرين، ولكن الصحفيين الذين حضروا هذا اللقاء لم يطرحوا السؤال على وزير العدل ليظل المجال مفتوحا للتأويل(…).

   ولم يخل اللقاء من إشارات سياسية، أكدها حضور عبد الإله بن كيران إلى جانب مصطفى الرميد، ورغم أن الرجلين لا يملكان نفس الرؤية فيما يتعلق بتسيير شؤون الحزب (عوامل تاريخية)، إلا أن رئيس الحكومة فاجأ الحاضرين وهو يقول مبديا إعجابه بزميله في الحزب: “سأطلب من الملك التمديد سنتين إضافيتين للرميد كوزير للعدل”، كما أن حضور ثلاثة وزراء من الحزب الذي يقود الأغلبية (حضر مصطفى الخلفي أيضا) قد يجلب على وزير العدل نقمة بعض المنتقدين الذين يرون أنه نسب النجاح لنفسه، بينما مشروع إصلاح العدالة، كان ثمرة لمجهودات مشتركة مع “اللجنة الملكية العليا للحوار حول إصلاح العدالة”، وهي التي تبنت الحوار مع مجموعة من الهيئات كان لها اقتراحاتها، وتوجت اللقاءات الوطنية باعتماد “ميثاق إصلاح العدالة”، وليس حزب العدالة والتنمية أو الحكومة وحدهما(…).

   ورغم أن مصطفى الرميد قال إنه سيمتثل لقرار المحكمة الدستورية فيما يتعلق،  بمشروعي “السلطة القضائية، اللذان أدخلهما في حصيلة عمل الوزارة سنة 2015، إلى أن عنوان اللقاء، كاف ليعطي الانطباع بأن الرميد لا ينتظر الإشارة من أحد، فالشعار الذي تم رفعه في باب المعهد العالي للقضاء هو: “الإصلاح العميق والشامل لمنظومة العدالة: مطلب شعب، وإرادة ملك، وإنجاز حكومة”.

   مصدر قضائي رفيع المستوى، قال إن ما جاء به الوزير الرميد يفوق بكثير ما جاء به الوزراء الذين سبقوه، بل اعتبره أحسن وزير في تاريخ وزارة العدل، لكن نفس المصدر، أكد على أن الإصلاح والبنود القانونية الجديدة ينبغي مرافقتها بعناية حكومية وبرلمانية خاصة، فلا فائدة من النصوص إذا لم تكن هناك مواكبة، حسب قوله، وأعطى مثالا عن ذلك من “الحرب الخفية” التي يقودها بعض القضاة من خلال التعبئة لاكتساح مقاعد المجلس الأعلى للسلطة القضائية، الذي لم يتم تنصيبه بعد.. علما أن الوسط القضائي بات منقسما إلى عدة جمعيات مهنية، منقسمة من حيث التوجه بين جمعيات ذات بعد دولي(…) وجمعيات متشبثة بالتقاليد الملكية في ميدان القضاء(…)، بل إن عدم تنصيب رئيس الودادية الحسنية للقضاة من طرف الملك محمد السادس، يمكن اعتباره إشارة لمن يعنيهم الأمر(…).

   ومن المعلوم أن الملك هو الذي يترأس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وينص الدستور على أن هذا المجلس، يتألف من: الرئيس الأول لمحكمة النقض (رئيسا منتدبا)، والوكيل العام للملك بمحكمة النقض، ورئيس الغرفة الأولى بمحكمة النقض، وأربع ممثلين لقضاة محاكم الاستئناف، ينتخبهم هؤلاء القضاة من بينهم: ست ممثلين لقضاة محاكم أول درجة، ينتخبهم هؤلاء القضاة من بينهم، كما يضم المجلس في تشكيلته رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وخمس شخصيات يعينها الملك، مشهود لها بالكفاءة، والتجرد والنزاهة، والعطاء المتميز في سبيل استقلال القضاء وسيادة القانون، من بينهم عضو يقترحه الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى (حسب الدستور).

   من الناحية النظرية، لا يطرح انتخاب ممثلين للقضاة في المجلس أي مشكل، لكن عدم إشراف الحكومة والبرلمان على ذلك، قد يعرض “مشروع إصلاح العدالة” للخطر، من خلال تحركات لوبي معارض للإصلاح، يقول مصدر قضائي لـ”الأسبوع”، ماذا لو كانت الحركية التي شهدتها بعض محاكم المملكة، تشكل خدمة للوبي معين دون غيره، يريد السيطرة على المجلس (يتساءل مصدر الأسبوع).

   وبالرجوع إلى حصيلة الرميد، نجد أن طلبات الانتقال من مكان إلى آخر، التي تقدم بها القضاة، بلغت رقما قياسيا خلال سنة 2015، حيث وصلت إلى 757 طلبا، منها 442 طلبا مستوفية لشرط المدة، و315 طلبا موزعة بين طلبات غير مستوفية للمدة، وطلبات الالتحاق بالأزواج، ولأسباب صحية، وطلبات تغيير المنصب.. وقد تمت الاستجابة لـ 304 طلب، بالإضافة 18 طلبا للالتحاق بالأزواج و15 طلبا لأسباب صحية..

   وكان مصطفى الرميد قد تحدث بلغة متفائلة جدا عن حصيلة وزارة العدل خلال سنة 2015، بل إن قطاع العدل في المغرب، حسب رأي الوزير متفوق على عدد من البلدان الأروبية، من حيث عدد القضاة (10.12 قاض بالنسبة لكل ألف نسمة)، بينما لا تتراوح هذه النسبة في بلدان أروبية بين 10 و15، ما يعني أن المغرب يستجيب لمعايير اللجنة الأروبية لنجاعة العدالة.

    بلغة الوزير، المغرب لا يعاني الخصاص فيما يتعلق بعدد القضاة، كما أن وزارة العدل لا تحتاج إلى إمكانيات مادية إضافية، كما أن الوزارة لم تتسامح مع أي قاض مفسد(…)، حيث أوضح الوزير أن وزارته ربطت اتصالات مع ما أسماه الجهات المكلفة بالحسابات، والجهات التي تمسك سجلات العقارات.. “وكل قاض لم يستطع تبرير ثروته، تمت معاقبته عن طريق عزله”، ويتخذ العزل حسب رأي الوزير شكلين، إما العزل من العمل أو الإحالة على التقاعد، علما أن الفرق كبير في الحالتين، فالقاضي المعزول لا يمكنه أن يمارس مهنة أخرى، بينما يخول القانون للقاضي المتقاعد ممارسة مهنة أخرى، يشرح مصدر قضائي.

    وكان وزير العدل قد تسلح بصرامة غير معهودة، في مواجهة الجمعيات القضائية التي تزعمت خط معارضة مشاريع السلطة القضائية، وقد كان ممثلوها حاضرون، في ذات اللقاء، ليقول: “إنه لا يوجد عزل لقضاة استنادا لآرائهم وإنما تم عزل قضاة مارسوا السياسة بشكل من الأشكال”، وقد كان يقصد حالة القاضي “الهيني”، دون أن يشير إليه بالاسم، موضحا أن: “القاضي يعتبر قاضيا والسياسي سياسي، معتبرا أنه من الخطير أن يصبح القاضي سياسيا”.. ومعلوم أن القاضي الهيني يعتبر من أكبر المتحمسين لمعارضة مشاريع قوانين السلطة القضائية، التي صادق عليها البرلمان بغرفتيه(…) وهي الآن معروضة على أنظار المحكمة الدستورية، غير أن المثير للانتباه هو أن الجمعيات المهنية التي تزعمت خط معارضة وزير العدل، ودعت للاحتجاج في الشارع، وعارضت مشاريع القوانين المذكورة، كانت حاضرة، بل إن أعضاءها صفقوا على الوزير الرميد، ليقول أحد القضاة: “أنظر إليهم إنهم يصفقون على وزير العدل، بينما يقولون أمام منخرطيهم كلاما آخر”.

   يمكن القول إن أهم ما ميز سنة 2015، هو المصادقة على القانونين التنظيميين المتعلقين بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، والنظام الأساسي للقضاة من طرف البرلمان، علما أن القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية منصوص عليه دستوريا في الفصل 116، الذي يقول: “يحدد بقانون تنظيمي انتخاب وتنظيم وسير المجلس الأعلى للسلطة القضائية، والمعايير المتعلقة بتدبير الوضعية المهنية للقضاة ومسطرة التأذيب”، بينما يجد النص التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة سنده في الفصل 112 الذي يقول: “يحدد النظام الأساسي للقضاة بقانون تنظيمي”.

   يؤكد مصدر “الأسبوع” أن المحكمة الدستورية، حتى وإن وافقت على القوانين المعروضة عليها، فإن تنزيلها ينبغي أن يخضع لضمانات لتفادي الالتفاف على الإصلاح، والسؤال المطروح هو هل ستشرف الحكومة أو البرلمان على انتخابات المجلس الأعلى للسلطة القضائية، ضمانا لنزاهتها؟ وقد كان واضحا من كلام مصدر “الأسبوع”، أن تشتت القضاة في جمعيات مهنية متعددة، قد يرخي بظلاله على انتخابات المجلس الأعلى للسلطة القضائية.

   يذكر أن مشروع إصلاح القضاء في صيغته الحالية، هو مشروع ملكي، حيث يقول الملك محمد السادس: “إن قوة شرعية الدولة نفسها، وحرمة مؤسساتها من قوة العدل، الذي هو أساس الملك”، والملك هو الذي يقف وراء تنصيب الهيئة العليا لإصلاح العدالة التي ضمت في صفوفها عددا كبيرا من الفعاليات سنة 2012، ومؤسسات الحكامة، ووزراء العدل السابقين، والقضاة والمحامين والجمعيات المدنية، فلماذا لا تتابع هذه اللجنة أو ما شابهها تنزيل مشاريع إصلاح القضاء، طالما أن هناك لوبي قضائي تحرك منذ الآن لتطويق مشاريع الإصلاح، من خلال إعداد خطة للسيطرة على المجلس الأعلى للسلطة القضائية، ولاشك أن وزير العدل الذي نبه إلى خطورة تحول القاضي إلى سياسي يعلم أكثر من غيره خطورة ذلك(…).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!