في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | وشاية وتعيين.. فتحا لبن كيران العينين

بقلم: مصطفى العلوي

   كانت آيات القرآن المتلية، تتصاعد إلى السماء العالية، متجاوزة أعمدة مسجد الحسن الثاني المتعالية، من حناجر مجموعة الفقهاء الذين أحضروا، للاحتفال بذكرى عيد المولد النبوي، والفقهاء المجلببون متراصون، فيهم من يحفظ القرآن لترديده مع القراء، وفيهم من يحرك شواربه لإيهام الكاميرات بأنه يحفظ آياته، والجميع ينتظر وصول الملك.

   وحيث أن الطائرة التي تنقل الملك محمد السادس من باريس قد تأخرت، وكان الرسميون وعلى رأسهم عبد الإله بن كيران رئيس الحكومة، والطالبي العلمي رئيس البرلمان، وحكيم بنشماس رئيس المستشارين، وغيرهم من المقربين لبوابة النفوذ، هم آخر من يعلم(…) واقفون ينتظرون، وما بين قفشاته المعهودة، ونرفزته المدفونة، قال بن كيران ما يعني: بأن تقليد الرئاسة الملكية للمهرجانات الدينية، هي مجرد انشغال يفرض البحث، لتفويض من يترأس مثل هذه الحفلات.

   وفي أعقاب ترؤس ملك البلاد للحفل الديني، ويظهر أن واحدا من فاعلي الخير(…) سرب بأن بن كيران عندما كان ينتظر قال، بأنه يتعين على الملك تعيين من ينوب عنه في مثل هذه الحالات، ليتضح فيما بعد، أنه طلب (بضم الطاء) من بن كيران أن يوضح حقيقة ما قاله، وربما أثرت هذه الحادثة المسرودة هنا بشكل مقارب للواقع، يمكن تفسيرها بأنها كانت سبب صدور قرار في المجلس الوزاري الذي عقد عدة أسابيع من بعد، بضرورة تفعيل الفصل 11 من دستور 2011، الذي ينص على تشكيل مجلس الوصاية، هذا المجلس الذي نص عليه دستور 2011، وحلت 2016 دون أن يفكر في تفعيله لا مجلس وزاري.. ولا ملاحظ.. ولا مذكر.. ولا مفكر.

   ولكن الأهم من هذا هو هذه النية المبيتة، لاصطياد الخطإ في تصريحات الرئيس بن كيران، الذي يجب الاعتراف له، بأنه يحترم التزامه بأن لا يكون صندوق أحد، وأنه أول وزير أول ورئيس حكومة، ينقل للرأي العام بطريقة أو أخرى، كل ما كان الوزراء السابقون على اختلاف انتماءاتهم، يعتبرونه أسرار الدولة.

   ففي أعقاب تحريف كلامه ليلة عيد المولد، ترأس بن كيران اجتماعا مع منتخبي حزبه في جهة سطات والبيضاء، فقال وكأنه يخبرهم بما جرى: ((جلالة الملك، وصلته أخبار عنا(…) لأنه ملك، وتأتيه أخبارنا.. عني وعنكم(…) فلماذا سيكرهنا، لا هو ولا غيره)).

   طبعا إن الملك إذا كان لا يكره أحدا من شعبه، فإن المشكل هو مع غيره(…) الذين يكرهون هذه النصوص الدستورية التي تعطي الحكومة للمتفوق، وماداموا غير متفوقين، فإنهم من موقعهم القوي سيناورون وقد يتآمرون.

   وما كان لدعاة الاتجاه المعاكس(…) الذين لا رغبة عندهم، لا في دستور، ولا برلمان، ولا ديمقراطية، ولا أحزاب، ولا قدرة لهم طبعا، على الحصول على أغلبية لإزاحة بن كيران وحزبه، ما كان لهم إلا أن يجيبوا بن كيران على كشفه عن تواجدهم، وهو يصفهم بالقوة الخفية، فاضطروا لدفع حليف بن كيران في حكومته(…) مزوار، لكي يستغل انعقاد مجلسه الوطني، وبدل استنفار هياكل حزبه المهلهلة(…) والبحث عن موقع سياسي محترم عبر ترشيح متميز للانتخابات المقبلة، فإنه اكتفى بالقول في حق رفيقه بن كيران، أقبح مما قاله مالك في الخمر.

   مزوار نفسه، فوجئ بضخامة جرمه تجاه الحكومة التي هو عضو فيها، بأنه هو نفسه تلقى صفعة موجعة وهو في ساحة مشور العيون، يشاهد كاتبه العام بوريطة، يساق من طرف المخازنية إلى الحضرة الملكية، رفقة رئيس الحكومة بن كيران، وغياب الوزير المعني في الخارجية، ليتسلم ظهير تعيينه وزيرا شريكا لمزوار في الخارجية، كخطوة أخرى، لإغراق حكومة بن كيران، بالوزراء الذين ليس بينهم وبين بن كيران إلا الخير والإحسان.

   وإن كان المطلعون على ما يجري في الخفاء، يتحدثون عن مقرب في ديوان مزوار، وربما هو كاتب الخطوط العريضة لخطابه في المجلس الوطني، هو الذي سرب لوزيره أفكار خطابه الكارثي، فإن مزوار متعود كغيره من وزراء العهد

   الماضي، عندما كان في التجارة، وفي المالية، يعرفون أن القرارات الكبرى في الوزارات المغربية(…) كلها، كما كانت في أيام أوفقير والبصري، تكون صادرة عن الرجل الغامض المقرب من الوزير الذي لا يعلم، وبوريطة الذي عين أخيرا وزيرا منتدبا في الخارجية، هو الذي قصده بدون شك، الاستقلالي شباط عندما عنون تصريحا له، بأن ((حزب “البام” الأصالة والمعاصرة، مشارك في الحكومة)).

   أما المجلة الباريسية “جون أفريك”، فقد سارت بعيدا في مسار تجاهل المقاييس الحزبية، حين علقت على تعيين بوريطة، وربما بدون علم مزوار: ((إن بوريطة عندما عين كاتبا عاما للخارجية لم يقطع صلاته مع وزيره السابق، الوزير الذي أصبح مستشارا للملك، فكان بصيغة أو بأخرى، هو رجل الاتصال بالقصر(…) وبوريطة الآن، يتوفر على إمكانيات واسعة للتناور(…) ويمكنه أن يمثل الدولة رسميا(…))) (جون أفريك. 14 فبراير 2016).

وهكذا طاشت بلا شك، أرجل الوزير مزوار.

   وها هي حكومة بن كيران، تتعرض في حياتها لكوارث الإغراق، رغم أن المغرب يعيش في الجفاف الطبيعي والسياسي.. ورغم امتناع الغارق بن كيران عن ترديد ما يردده الغرقى، من صياح لإنقاذهم، وكيف يحتج بن كيران أو يستنجد، وها هي القرارات التي لا علم له بها، صادرة باسم جلالة الملك.

   حقا.. لو كانت القرارات التي صدرت باسم جلالة الملك، من قبيل ما طربت له أذان الرأي العام، مؤخرا، حين وضع حدا لمسؤول أكذوبة، كان يسمى إدريس بنهيمة، الذي تسلطن على الخطوط الملكية وضحك حتى على رئيس الحكومة بن كيران عندما كان يقدم له كشوف الخسائر، ويطالبه بدعم ميزانية أغلى شركات العالم للنقل الجوي أثمانا، يدعي الضيق، وهو الذي استقدم من شركة “لوريال للعطور”، سيدة معروفة بجمالها وعينها مديرة للقسم التجاري، قبل أن ترفض شروطه(…) وترفع به دعوى لدى المحاكم، لتبقى سيدة أخرى أحضرها من إدارة شركة ميديتل ليخصص لها أجرة ثمانين ألف درهم شهريا وسيارتين في خدمتها، ولم يستطع بنهيمة أن يزحزح أيقونة الخطوط، القابعة في مقر نفوذها منذ أيام العسكي، ومكوار، وحصاد، وبرادة، وهي التي تعرف أسباب الخلود.

   كما أطاحت الالتفاتة الملكية، المحمودة، بإمبراطور المحافظة العقارية الذي بلغ من القوة والنفوذ ما جعل ابن الجنرال الشرقاوي قويا بشكل لا يجد له أحد تفسيرا وما كان أحد يظن أنه سيزول.

   وحمد الناس الله على ثبوت القاعدة الأزلية، أن الدوام لله، حتى في عهد أقوياء المغرب، الذين يظنون أنهم مطلقي الأيدي في شؤون الدولة، يفعلون بالدولة ما يشاؤون.

   وربما تأثر الملك محمد السادس بما كتبه سمي مستشاره محمد المنوني، الذي نقل في كتابه التاريخي، رسالة الإمام بن عباد، إلى السلطان المريني عبد العزيز الأول جاء فيها: ((عليكم يا أمير المومنين، أن تتفحصوا أحوالكم، وتتفقدوا عمالكم، لتكفوا أيديهم، وتستخرجوا منها ما خانوكم فيه، وتعرفوا مقدار ما كان يملك أحدهم من المال، قبل الولاية، وتأخذوا منهم ما زاد، وتضعوه في بيت مال المسلمين، وتعوضوا بها ما حدث من المظالم، والمراسم العائد ضررها عليكم في الدنيا والآخرة)) (محمد المنوني. حضارة المرينيين).

الإصلاح الذي كان موكولا لكل من يكلفهم القدر بإمارة المؤمنين، واضح إذن جلي، قبل أن تكون الديمقراطية، ويكون الدستور.

   فمن هو قطب هذه القوة الخفية، التي تتحرك من مصدر القرار الرئاسي(…) في اتجاه تمييع الحكومة المعلنة، لفائدة مصالح الحكومة السرية.

   واحد من محركي الثورة الموؤودة في 20 فبراير، الخليفي، وبعد أن قضى سنوات في السجن، وهو الذي كان محتميا بمظلة الأصالة والمعاصرة، واختلف معهم، فقال إن القوات الخفية(…)، هي التي أدخلتني السجن، هم الذين لفقوا لي تهمة الفساد الأخلاقي.

   مجرب آخر ممارس لتجربة الرئيس بن كيران، عبد العزيز أفتاتي، صحا مبكرا، وكأنه يحذر حكومة أصدقائه في العدالة والتنمية بمجرد تشكيلها، وقال في 22 جوان 2012 ((إني أتوفر على ملفات سأفضحها وهي تخص الأجهزة المعلومة)).

   ورغم الضجة التي أقيمت في ذلك الوقت وبلاغ وزارة الداخلية التي وعدت بفتح تحقيق في كلام أفتاتي، فإن أي تحقيق لم يفتح.

   تحرك هذه القوة بدأ يقوي وجودها داخل الحكومة الحزبية بعناصر، حزبها هو القوة الخفية، وكانت ضربة ثلاثة وضامة، التي تشكلت في قرار تغيير خمسة وسبعين سفيرا، وهو قرار لم يسبق في التاريخ القديم ولا الحاضر للدبلوماسية، أن قررت حكومة تغيير جميع سفرائها، في قرار متجاهل حتى لخريطة سياسة الدولة المغربية، حيث تستحضر سفيرا من الأردن لتعينه سفيرا في الجزائر، بضخامة الملف الجزائري(…) وسفيرا كان منسيا في أمريكا الجنوبية، ليتبنى كسفير في جنوب إفريقيا عملية تقويض المؤامرة الإفريقية ضد المغرب، ليقول معلق عن هذا القرار الغير مدروس(…) هو القصد الخفي لتغيير جميع سفراء المغرب مرة واحدة، يستهدف غاية واحدة، وهي تعرية ما تبقى من الأحزاب الوطنية، من أطرها، ومن معارضي أقطابها، ومحاولة كسر المخطط الاتحادي بتأسيس حزب منافس للاتحاد الاشتراكي، وإبعاد منظمي هذه المحاولة كسفراء.

   حقا، إذن ما كتبه الطبيب جليل بناني: ((إن غياب تواجد حدود للنفوذ يتسبب في فقدان العقل)) (طيل كيل. 29
أكتوبر 2015).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!