في الأكشاك هذا الأسبوع

جــــامع الفنــــــاء بفنونهـــــا وهمـومهــــــا

بقلم: إدريس أبايا                                        

 قبل أن أتناول موضوع الكتابة في مواضيع صحفية كنت قد قمت بها في السبعينيات أرفع تعازي لعائلة الأخ الصديق الصحفي محمد بركوش الذي انتقل إلى الرفيق الأعلى قبل أيام، وقد استعجله أجل الله ليرحل إليه وهو داخل سيارة أجرة للقيام بواجبه الحياتي بين إنجاز المطلوب منه في عمله القانوني والصحفي، الأخ بركوش سبق له أن مارس مهنة التربية والتعليم كمعلم في البادية في بداية انتمائه إلى ميدان الطباشير والتلقين والتصحيح والإفادة، وكغيره من الأساتذة والمعلمين الذين سبق له أن مارس ممارسة مهنة التعليم ليقف أمام المحكمة مرافعا وصحفيا لإظهار معاناة الساكنة المراكشية مما يعانونه وهو في آخر لحظات حياته وتنقلاته بين الحياة والموت، رحم الله الأخ بركوش محمد وأسكنه فسيح جناته ورزق أهله وجميع أفراد أسرته الصبر على فراقه.

   وتحت وطأة خبر رحيل الأستاذ بركوش رحمه الله وأنا في سفري لمدينة الرباط كنت متتبعا لبرنامج إذاعي من مدينة مراكش عن ساحة جامع الفناء ورجالها وتأسيسها، وكان بودي أن أشارك بتصحيح ما سمعته عن الساحة من تصحيح لحقيقة تسميتها وتاريخ تأسيسها، وكان منشط برنامج الحلقة المذيع الناجح رمزي الغضبان مع ثلة من أبناء مراكش وفنانيها وفي طليعتهم الحاج البنيسي، إن ما ذكر عن ساحة جامع الفناء كفضاء للفرجة الشعبية يجب المحافظة عليها بعدما أصبحت تراثا شفهيا أقرته منظمة اليونسكو وخصصت منحة للقصاصين فيها دون غيرهم، وقد كان للدعاية في طلب الساحة وإدماجها ضمن التراث الشعبي أحد الإسبانيين الذين سكنوا المدينة في درب القنارية إنه الكاتب غوتسلو، وقبله ابن بطوطة بتسعة قرون في رحلته، حيث قال عن مراكش “ثم سافرت إلى سلا ومنها إلى مدينة مراكش، وهي من أجمل المدن، فسيحة الأرجاء، متسعة الأقطار، كثيرة الخيرات، بها المساجد الضخمة، كمسجدها الأعظم المعروف بمسجد الكتبيين، وبه الصومعة الهائلة العجيبة صعدتها وظهر لي جميع البلد منها، وقد استولى عليه الخراب، فما شبهته إلا ببغداد، إلا أن أسواق بغداد أحسن، وبمراكش المدرسة العجيبة التي تميزت بحسن الوضع واتقان “الصنعة”، وهي من بناء الإمام أبي الحسن، ثم يسوق ابن جزي شعرا في مراكش لمحمد بن عبد المالك الاوسي) من خلال ما ذكره ابن بطوطة في رحلته وهو يصف مراكش من أعلى صومعة الكتبيين لم يشر إلى ساحة جامع الفناء بمعنى أن وجود الساحة لم تكن في أيام المرينيين، ولم يأت خبر باسمها إلا في العصر السعدي والعلوي حيث نجد اليوسي يصفها في محاضراته بعكس من يذكرها ويكتب عنها أنها كانت في عصر الموحدين.. ثم إن إطلاق منارة الكتبيين على صومعتها لوجود محلات لبيع الكتب في ساحة الجامع، كما ذكر المؤرخ المنوني في كتابه عن الموحدين.. فظاهرة كتبيي مراكش بالعشرات كحجة ثم خزانات الكتب التي عرفت به مدينة مراكش التي كانت قبلة العلماء الوافدين تؤكد ما سبق قوله بان مراكش عرفت اطلاع العلماء جاؤوا إليها من الأندلس كابن رشد وابن العريف وأبي العباس السبتي وغيرهم..

   أما حالة جامع الفناء في عصرنا فهي مجرد ساحة للفوضى لا للفن كما أشرت في كتابي عن الساحة بأنها “ساحة الأدب والفن والفرجة”، أو كما يجب أن تكون..

   ومن المعلوم أن هذه الساحة عرفت وقفات نضالية كمظاهرة عندما زار مدينة مراكش وزير الشؤون والأشغال العمومية (رمادي) في سنة 1937 وانطلقت المظاهرة محتجة على سلوكات المستعمر وأعوانه فسقط عشرات الموتى في الساحة ونفي وطنيو مراكش إلى مدينة تارودانت كما جاء ذلك في مذكرات عبد الله إبراهيم.. إن رجال الوطنية بمراكش قد حاربوا ما كان يجري بالساحة من أعمال مخالفة لما يدعو إليه الإسلام من أساليب الشعوذة والانحراف الخلقي خصوصا في المواسم التي كانت تقام باسم الدين، ومن المؤسف أن تستمر تلك الظواهر باسم التراث الشعبي خصوصا في أيام مصاحبة لميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم.  

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!