في الأكشاك هذا الأسبوع
محمد كريم العمراني رفقة الصحافي رمزي صوفيا

محمد كريم العمراني: “ليس هناك وزير للدفاع أفضل من الحسن الثاني”

شخصيات مغربية عرفتها

عندما قال لي محمد كريم العمراني:

 “ليس هناك وزير للدفاع أفضل من الحسن الثاني”

 بقلم. رمزي صوفيا

من بين الشخصيات المغربية التي عرفتها في حياتي أذكر محمد كريم العمراني. وقد تعرفت عليه في أحد أيام ربيع 1981 في بيت صديق عمري المرحوم أحمد بنسودة الذي كان يومها مستشارا لجلالة الملك الراحل الحسن الثاني طيب الله ثراه.

وخلال الجلسة وجدته شخصا لطيفا جدا وبالغ الذكاء. والغريب أن أي شخص يجالس محمد كريم العمراني من الوهلة الأولى يعتقد بأنه رجل بسيط ولكنني عندما خضت في الحديث معه اكتشفت أن له عالم خاص من الأرقام حيث كان أول انطباع أخذته عنه هو اطلاعه الكبير واللامحدود على كل معاملات البورصات والشركات والمؤسسات العالمية وليس المغربية فقط، ناهيكم عن كونه سياسي محنك ورجل دولة قوي الشخصية.

وبعد ذلك دعاني لزيارته عدة مرات في منزله حيث أجريت معه حوارا صحفيا نشرته يومها على صفحات جريدة السياسة الكويتية، ثم تعمقت أواصر الصداقة بيننا وصرت ألتقيه من وقت لآخر حيث كنت أحرص على محاولة اكتشاف خبايا شخصيته وأسرار نجاحه الكبير في عالم المال والأعمال والسياسة أيضا.

وذات مرة سألته: “ألاحظ أنك تستثمر في السيارات وفي العقار بشكل خاص؟” وقبل أن أكمل سؤالي قال لي مبتسما: “أنا بطبعي رجل فلاح في قرارة نفسي رغم إقامتي في المدينة بحكم أشغالي، لهذا فإن نقطة ضعفي الكبرى هي اقتنائي للأراضي الفلاحية الشاسعة حتى يمكنني الاستثمار فيها باعتبار بلدي هو بلد فلاحي بالدرجة الأولى وأن ما لا يأتي من الأرض لا يمكننا الحصول عليه من جهة أخرى فالخيرات كلها هي من الأرض”، ثم واصل كلامه قائلا: “أما عالم السيارات الذي أستثمر فيه بتركيز وبرأسمال هائل فإنه يشكل المستقبل الواعد الذي سيمكنني من تشغيل الآلاف من أبناء وطني فالسيارة هي العمود الفقري للحياة داخل المدن وخاصة الكبرى. كما أن أبناء بلدي هم شعب ذواق فلابد من تزويدهم بأحدث موديلات السيارات التي أستوردها لهم من الخارج. كما أن مجال الاستثمار في السيارات هو مربح جدا كما تعلم. لهذا فأنا أحقق الربح كرجل أعمال وأشغل أكبر عدد من العاطلين من جهة أخرى”.

ورغم مشاغله الكبيرة على رأس شركاته ومشاريعه، فإنه لم يتردد في حمل حقيبة الوزارة الأولى عندما أسندها إليه الملك الراحل الحسن الثاني، حيث اكتشف الجميع بأنه رجل سياسة من الطراز الممتاز. وقد تقلد منصب الوزير الأول ست مرات وذلك بحكومته الأولى من 4/8/1972 إلى 5/4/1972 ثم الثانية من 12/4/1972 إلى 20/11/1972، والثالثة من 30/11/1983 إلى 11/4/1985 ثم الرابعة من 11/4/1985 إلى 11/8/1992، والخامسة من 11/8/1992 إلى 9/11/1993، وكانت آخر حكومة ترأسها من 11/11/1993 إلى 25/5/1994. وخلال تواجده على رأس حكومته الخامسة جالسته ذات يوم فسألته: “من خلال مجالستي لعدد من وزراء حكومتك ألاحظ عدم انسجامهم مع خطط عملك كوزير أول. فماذا تقول؟” فقال لي بابتسامة ذات معنى: “إني أعرف جيدا من هم الذين لا يرتاحون للعمل معي من بين وزرائي. إن هؤلاء يطلبون مني طلبات كثيرة وزائدة أرفضها رأسا على عقب فأنا لا أتبع سوى تعليمات ملكي الذي يقتدي به عظماء العالم العربي. فقد وهبنا الله ملكا باهر الذكاء وسديد الخطوات فكيف أعمل بغير كلامه”. ثم سألته: “ألاحظ أن حكومتك لا توجد بها وزارة للدفاع مثل باقي البلدان”، فقال لي: “إن وزارة الدفاع هي عقل وذكاء ورشاد الحسن الثاني القائد الأعلى للقوات المسلحة، وأي وزير دفاع في العالم لا يمكنه التفكير في الأمان العسكري بنفس مستوى جلالته”. وازدادت رغبتي في اكتشاف جانبه السياسي فسألته: “كيف نجحت في دخول السياسة رغم كونك رجل مال واقتصاد” فقال لي: “اسمع يا رمزي. ليس هناك رجل أعمال واحد لا يصلح لمجال السياسة وتدبير الشأن العام، بل يمكنني أن أقول لك وبكل مصداقية بأن أفضل الساسة هم رجال الأعمال، لأن هذا النوع من الناس يفكر في المصالح المالية للبلاد قبل كل شيء ويعرف كيف يجلب المال لميزانية الدولة. وجودة الوضعية الاقتصادية هي جزء لا يتجزأ من استقرار الدول”.

وكان العمراني شديد الانبهار بشخصية الملك الراحل الحسن الثاني حيث كان لا يتوقف عن ترديد اسمه في كل أحاديثه معي بل كان يقول في جلساته الخاصة بأن جلالته هبة ربانية للمغرب وللعالم العربي برمته، وكان يؤكد للجميع بأن الحسن الثاني كان ملجأ كل القادة العرب عندما يستعصي عليهم أمر أو تقع في بلدانهم ظاهرة اجتماعية عويصة حيث كان الراحل العظيم يفتي عليهم الحلول السديدة التي كانت عبارة عن عصا سحرية تحل كل مشاكل البلدان الصديقة. وكان ينفذ تعليمات جلالته بالحرف ولا يقوم بحركة أو سكنة ولا يصدر أي قرار إلا بعد موافقة الملك الراحل الحسن الثاني عليه.

وفي إحدى المناسبات الرسمية، وأذكرها بالذات وهي عيد العرش الذي كان يصادف الثالث من شهر مارس كنت واقفا أحتسي الشاي مع صديقي العمراني، فاقترب منا الجنرال مولاي عبد الحفيظ العلوي، فسلم عليه العمراني وعانقه مقبلا جبينه. فقلت له على الفور: “ألاحظ دائما بأنك كثير التودد للجنرال مولاي حفيظ العلوي”. فقال لي مبتسما: “يا رمزي، الكثيرون يتجنبون التعامل مع هذا الرجل. ولكني أنا شخصيا أحبه كثيرا لسببين، أولا لأنه شديد الولاء للملك حتى صار مثل ظل الحسن الثاني وأنت تعرف درجة محبتي لكل الأوفياء للملك. وثانيا لأنه رجل لطيف المعشر وخدوم جدا على عكس ما يعتقد الكثيرون، وبيني وبينه والحمد لله ثقة كبيرة جدا.”. فسألته “وماذا عن مشاريعك المستقبلية؟” فقال لي: “إني أسعى جاهدا لتطوير الفلاحة المغربية وإعطاء قروض لصغار الفلاحين باعتبار المغرب بلدا فلاحيا بالدرجة الأولى. وهكذا أسعى جاهدا لتشجيع هؤلاء الفلاحين حتى تتضاعف منتجاتهم. كما أسعى بكل ما في وسعي لجعل المغرب بلدا سياحيا على غرار إسبانيا بل وحتى فرنسا. لذلك تجدني أحاول الاقتراض من الدول الأوربية بفوائد بسيطة جدا لتنفيذ المشاريع التي يحتاجها المغرب”.

وللتذكير فإن محمد كريم العمراني هو من عائلة متوسطة من مدينة فاس، وُلد في أواخر عشرينيات القرن الماضي، ولم يُوضع على مقاعد الدراسة، على غرار أبناء البورجوازية التجارية الفاسية، بل انهمك في بعض الأعمال التجارية البسيطة، منذ فترة المُراهقة، مكتفيا بالأخذ ببعض المعلومات المُفيدة، من أصدقاء أبناء أحياء فاس الراقية، الذين كانوا ينسجون علاقات اجتماعية ومصلحية، مع أبناء المُعمرين، وفي ذلك الوسط المُختلط، اختار المراهق كريم العمراني طريقه، نحو الارتقاء الاجتماعي، وعندما رحلت الأسرة إلى الدار البيضاء، افتتح محلا لبيع أجهزة المذياع، بالمدينة القديمة، وكان أهم رأسماله، صداقاته لبعض المعمرين من رجال الأعمال الفرنسيين، الذين لم يكتفوا بجعله يتحدث لغتهم بطلاقة، ويكتسب طرائق سلوكهم وتفكيرهم، بل منحوه القنوات المُجدية، لإنجاح مشاريعه، وعندما انخرط أغلب أقرانه في حزب الاستقلال، فضل العمراني، أن يظل بعيدا عن السياسة الحزبية، مُفضلا نوعا آخر من السياسة، تمثل في إنجاح مشاريعه التجارية البسيطة، أي بيع أجهزة “الراديو” التي كانت أهم أداة إعلامية آنذاك. وعرف أولى صلاته بدار المخزن، حينما التقى في بيت أحد أصدقائه بأحمد العلوي، الذي كان يعمل ضابطا في الجيش الفرنسي، وفي نفس الوقت، لديه صداقة متينة مع الملك الراحل الحسن الثاني، حينما كان وليا للعهد، فالتقط هذا الأخير الحس البراغماتي، والرغبة المُلحة، في إنجاح الأعمال، فقربه منه، وحينها وجد كريم العمراني طريقه، إلى بيوت الكثير من رجال الأعمال المغاربة والفرنسيين، وبفضل ذلك، حصل على مهام إدارة بعض أعمال هؤلاء وأولئك، في مجالات الاستيراد والتصدير والصناعة، لقاء عمولات مُعينة، وهي فترة حاسمة في حياته العملية، حيث خبر كواليس الأرباح الطائلة، التي يجنيها وسطاء مجالات المبادلات التجارية، وظهرت عليه معالم حياة البورجوازية الصغرى، حيث انتقل للسكنى بأحد أحياء المعمرين الفرنسيين بالبيضاء، ليترك إلى الأبد الحياة الاجتماعية التي انطلق منها أول مرة من مدينة فاس.

ومن خلال معرفتي بهذا الرجل الذكي تأكدت من أن الدراسة الأكاديمية لا يمكنها أن تصنع النجاح بنفس النسبة التي يصنعها الدهاء وحسن التصرف. لهذا سألت كريم العمراني في إحدى المناسبات التي حضرتها مع رجال المال والأعمال بالدار البيضاء، حيث قلت له: “أعرف بأنك لم تجلس في يوم من الأيام على مقاعد الدراسة.” فقاطعني ضاحكا بنظراته البالغة الذكاء وقال لي: “تقصد بأنني صنعت ثروتي خارج فصول الدراسة، وسأشرح لك الآن سر ذلك: فقد خُلقت لأزاول التجارة وفي عالم التجارة يا عزيزي رمزي هناك التاجر الذي يعرف فرصة العمر فتتغير حياته كليا، وهناك التاجر الذي تأتيه الفرصة فيتركها تضيع إلى الأبد، وأنا من النوع الأول حيث قفزت على فرصتي الوحيدة ومنها انطلقت نحو الغنى رويدا رويدا. والثراء فتح لي أبواب السياسة والمناصب العليا على مصراعيها. وأنا رغم تقلدي منصب الوزير الأول في حكومات الملك الراحل الحسن الثاني، فإن تلك المناصب الكبيرة لم تجعلنِ أهمل تجارتي أبدا، بل لقد دخلت إلى مجال مغربة عدد كبير من شركات المستعمرين الفرنسيين”.

وقد تميزت حياة كريم العمراني العائلية بالاستقرار والهدوء، مما ساعده كثيرا في النجاح في حياته العملية والاقتصادية حتى أصبح أحد أغنى أغنياء المغرب. وحول هذا الموضوع سألته ذات يوم: “وماذا عن حياتك الخاصة”، فقال لي بطلاقة وصراحة: “أنا رجل يعشق المغرب حتى النخاع حيث أنني مستعد للتضحية بكل شيء في سبيل بلدي. وبفضل ثروتي فقد كان يمكنني العيش بهناء بأموالي مستمتعا في هذا البلد أوذاك ولكنني فضلت العمل لخدمة وطني وملكي. وأنا أسافر كثيرا خارج المغرب للبحث عن مصادر تمويل مئات المشاريع المفيدة للشباب بالأخص”.

فقلت له ضاحكا: “أعرف بأن المال يجلب عشرات المعجبات الراغبات في تقاسم كعكة النجاح مع صاحبها، فهل سبق لك التفكير في تجديد حياتك الزوجية، خاصة وأنك لا تتوقف عن تكذيب كل الادعاءات التي تتعلق بحالتك الصحية؟” فانتفض وهو ينظر إلي باستغراب ثم قال لي: “أنا أعيش حياة مستقرة ومتجانسة مع عائلتي. وكل الأموال التي جنيتها في حياتي هي لأولادي قبل أي إنسان آخر. لهذا لا يمكنني التفكير في أي امرأة أخرى ولا يمكنني المساس براحة عائلتي بل إنني لا أنظر للنساء غير زوجتي ولن أنسى كيف شجعتني وساندتني في بداياتي كرجل أعمال”.

فقلت له: “يقال بأنك تعتمد كثيرا على ابنتك في تنفيذ وتدبير مشاريعك التجارية”. فقال لي مبتسما:” نعم، فقد ورثت ابنتي سعيدة العقلية التجارية مني وهي ذكية واقتصادية جدا لهذا فإني أثق فيها وأعتمد عليها كثيرا”.

وقد تساءل الكثيرون كيف صعد محمد كريم العمراني من أسفل الهرم الاجتماعي إلى الثراء الهائل والسر الكبير يكمن في شخصيته المتكاملة والاستثنائية، حيث يتصف بمميزات شخصية نادرة، منها بشاشته الدائمة، وحس النكتة لديه، وهو ما سهل أمامه كل صعوبات الاتصال، بمختلف الأوساط الاجتماعية، كما أنه على مرونة كبيرة، تجعله، يحسب بدقة أوجه الربح والخسارة، في كل المعاملات التي خاضها، فمثلا حينما تسلم مهمة إدارة المكتب الشريف للفوسفاط، في فترة كان فيها النشاط النقابي على أشده، استطاع، بمرونته وحس التواصل العالي لديه، أن يجعل الأوضاع النقابية تهدأ بالرغم من أنه لم يأتِ بجديد للرفع من مستوى المؤسسة(..) وهو نفس حس المرونة – يقول آخرون ممن احتكوا به في أكثر من موقف – الذي جعله دائما صديقا لكل الاتجاهات السياسية ومتقبلا لكل الأفكار الاقتصادية.

هذا هو محمد كريم العمراني الذي انطلق من الصفر ليصبح وزيرا أول لست حكومات وأحد أغنى أغنياء المغرب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!