في الأكشاك هذا الأسبوع

على الطريقة المغربية: 24 فبراير بداية الثورة المضادة

إعداد: عبد الحميد العوني

   بمكر سياسي، إن أوصل شارع 20 فبراير (2011) إسلاميا لأول رئاسة حكومة في المغرب فإن شارع “24 فبراير” يطمح إلى سقوط الحكومة الحالية، وإن استثمر حزب العدالة والتنمية مطالب حركة 20 فبراير في معركته الانتخابية لإسقاط الفساد والاستبداد، فإن حراك 24 فبراير الحالي يمثل مطالب صحيحة، ولا شك، لكن تحت يافطة حزب الأصالة والمعاصرة، راعي تأجيلات عرض (إصلاحات التقاعد) في مجلس المستشارين في أكبر تنسيق بين مخاريق رأس الاتحاد المغربي للشغل وإلياس العماري القائد الجديد (القديم) لحزب الأصالة والمعاصرة، وتترك هذه الأطراف العودة إلى المؤسسات خيارا مطروحا، بعد وصول الشارع إلى سخونة معينة.

   يكاد بن كيران يكرر خطأ مرسي تماما، وهو يسمح بالعودة إلى الشارع لحسم ملفات اجتماعية، ولن تكون بأي حال “سيادية”، ومهما كانت الفاتورة تحت هذا السقف، ستسقط الحكومة ويربح الحكم. من أوراق اللعبة أن الحلوطي (قائد الذراع النقابي لحزب العدالة والتنمية) ولطفي (القائد النقابي لحزب الأصالة والمعاصرة الذي دخل المكتب السياسي للحزب) خارج حراك 24 فبراير، ولخفض درجات التسييس أبعد تحالف الأموي ومخاريق والعزوزي نقابة شباط، الاتحاد العام للشغالين.

   ولخفض إضافي لم يحضر نوبير الأموي الندوة التي أعلنت الإضراب العام في 24 من الشهر الجاري، مع أجندة تصعيدية، وقال الزاير عن الكونفدرالية الديمقراطية  للشغل، لن يكون تراجع عن الموعد، ومسلسل التصعيد اختاره بن كيران مرتين، عندما لم يسمح لحزبه بمؤتمر يترك فيه القيادة لسعد الدين العثماني، وقرر إصلاح صناديق التقاعد بعيدا عن النقابات، لأن رئيس الحكومة يقدم كل يوم، حسب خصومه، شهادة حسن سلوك للقصر، وهو يشير إلى الملك مباشرة، في قوله، إن لم يكن يحبنا الملك فإنه لا يكرهنا ـ الآن ـ ويخشى الأمين العام لحزب الاستقلال من دخول المغرب مرحلة احتقان اجتماعي خطير في لعبة الشد والجذب الحالية، ولم يحدد بن كيران موعدا لاستئناف الحوار الاجتماعي، فيما يطرح لشكر مذكرة على الفرقاء السياسيين إعدادا لانتخابات نزيهة، وغير مطعون فيها، لا تستبعد أطراف أن تكون “انتخابات مبكرة” وبالقوانين الجارية، لأن إعداد أحزاب الكتلة والعدالة والتنمية لقوانين جديدة، وإشراف سياسي جدي لرئيس الحكومة على الانتخابات خسارة لموقع وزارة الداخلية، وتقف هذه الأطراف في صف واحد إلى جانب الشارع الرافع لشعار إسقاط الحكومة.

   ومن الإشارات المتوالية، تحديد تاريخ الانتخابات وقيادة معركة لتغيير الوضع الحكومي، وإجهاض حكومة ما يسميه نبيل بن عبد الله (الحركة الديمقراطية الوطنية) أي أحزاب الكتلة وحزب العدالة والتنمية تعويضا عما أطلق عليه المرحوم الجابري (الكتلة التاريخية) يبدو أن حراك 24 فبراير 2016 جاء لمحو حراك 20 فبراير (2011)، ويساهم في هذه النقلة الحزب الإسلامي القائد للتجربة الحالية، غير منتبه إلى الحليف بن عبد الله الذي اقترح تنزيل القانون التنظيمي لترسيم الأمازيغية لإحراق القيمة المضافة للحكومة القادمة، والسير بثبات في مشروع الإصلاحات التي بدأتها هذه الحكومة ويتممها بن كيران في ولاية ثانية، وهو نفس ما يراه المساندون النقديون لولاية ثانية لرئيس الحكومة الحالي، عندما يقترح حزب الاستقلال، الحوار مع النقابات لإطفاء الاحتقان، ويطالب الاتحاد الاشتراكي بتحسين ودعم الإشراف السياسي لرئيس الحكومة على الانتخابات من خلال إجراءات متفق عليها بين الأحزاب تعزز موقع رئاسة الحكومة في مقابل قوة وزير الداخلية.

  ولا يرى حلفاء بن كيران أن الطريق سوي، إن تحرك الشارع لإسقاط أول حكومة في دستور 2011 ، لكن حسابات رئيس الحكومة ترى أن تحريك الشارع خطر شديد على النظام، ولن تقبل به دوائر القرار، لكن التحكم في الشارع عبر النقابات يفيد الطرفين: من يدعم بن كيران لولاية ثانية ومن يرفض هذا الخيار والأشياء غير محسومة، وما دامت كذلك فلا داعي للاستعجال. ومن الصعب أن يتدخل القصر لإصلاح أقرته الحكومة، ومن المهم أن يدار الاحتقان لإسقاط الحكومة عبر الشارع عن طريق انتخابات مبكرة أو محددة في 7 أكتوبر القادم، واختار بن كيران آخر موعد ممكن لإجرائها “تحت سقف قانوني”. بدأ التصعيد من تحديد يوم الانتخابات البرلمانية وقيادة إلياس العماري لحزب الأصالة والمعاصرة وخروج النقابات إلى الشارع لإسقاط حزب العدالة والتنمية من رئاسة الحكومة، أي تصفير اللعبة مجددا.

   إنها إدارة للإيديولوجية السلبية، والشعبوية المكتملة التي تحمل في طياتها بذور الشمولية، فالتحول الحادث لحزب العدالة والتنمية من حزب أصولي إلى حزب محافظ، وتحول حزب الأصالة والمعاصرة إلى وسط اليسار خلط غير متحكم فيه، وتكشف قيادة الانتخابات البرلمانية على قطبية ليست حقيقية وغير موجودة، كما قال الوزير الخلفي بعد ظهور نتائج الانتخابات الجهوية والبلدية لـ 4 شتنبر، ويرتكز الرهان على شيئين: أن حزب العدالة والتنمية لا يريد الهيمنة ويدمر شعبيته، ويريد في نفس الوقت ولاية ثانية، ومن جهة ثانية يريد حزب الأصالة والمعاصرة (الاكتساح) في المدن، ومعروف عنه التحكم. وتسير الحسابات على سكتين، أن الحزبين الكبيرين منغلقين، ولن يلتقيا في حكومة وحدة وطنية إلا في حال تسجيل تطور سلبي جدا في ملف الصحراء، يقتضي الاصطفاف، وأن إدارة الدولة لنجاح العدالة أو حزب الأصالة ليس سهل للغاية، ولا يمثل أي تحد يذكر. وفي ظل غياب الإيديولوجيات الإيجابية، فإن مقترحات العلمانية تتسرب إلى حزب الأصالة والمعاصرة، وسلوك الهيمنة يسود شخص بن كيران، وبين تحكم حزب (الأصالة) وهيمنة شخص مثل بن كيران يتصرف الشارع بتجاهل أكبر للعبة، وكلما تقدمت الحشود في الشارع، نرى بوضوح تغليب سياسة.

   احتواء الشارع بالجلوس مع النقابات في آخر النفق، عوض منع الاحتقان كأسلوب حكومي متبع، مانعا مبدأ الحذر، وهو مبدأ الدولة، ولا يعني دخول النفق والخروج منه. وفي المجمل وعكس ما يدعيه إلياس العماري أو بن كيران فإن قدرتهما على إدارة الرأي العام ليست متفوقة على الرغبة العامة في دفع الإصلاحات إلى الأمام، ودفع الكبار أو الأغنياء لثمن محدود ومعروف، فمقترحات المحافظين (حزب الاستقلال) في مقابل المحافظين الجدد القادمين من نظرة أصولية (حزب العدالة والتنمية)، ومقترحات الحداثيين (اليسار في عمومه) في مقابل اليساريين الجدد، وليس اليسار الجديد بالضرورة، أي القادمين منه أو الملتحقين بالدولة لصراع عدوهم الوجودي، وليس الأيديولوجي فقط المتمثل (في شخص الإسلاميين).

   والحقيقة في صفوف كل الأحزاب، أن الإيديولوجيا المخزنية المدافعة عن الدولة، وقوة الاستقرار يحتلان كل الفضاء الحزبي، لكن دكتاتورية الأحزاب تزيد في التبلور، والشباب المسيس انتهى إلى أللا حركة. وليس هناك ما هو أسوأ من منح الحركات غير المنتظمة شارعا قلقا لا يمكن السيطرة عليه، لأن أطرافا تريد تحويله إلى ثورة حقيقية أو خالصة. في جانب آخر ، تعطي الأحزاب في الحكومة والمعارضة فرصة للنقابات الرسمية لإعادة مصل الحياة إليها، في إطار مدروس، وينظر الجميع إلى الحركة الاجتماعية في 24 فبراير فإما أن تعود السياسة أو تترك نفسها تحت قيادة الساسة.

 اطمئنان بن كيران إلى النتائج البلدية والجهوية لـ 4 شتنبر خطأ، والإضراب العام لـ 24 فبراير 2015 نهائي وحاسم في معرفة توجهات الشارع الذي يقاطع الانتخابات أو يصوت بالبياض فيها أو ينكر جرأة التقشف على المس بقدرة المواطنين دون المساس بدوائر النفوذ في المملكة

   لا يقود الشارع من يصوت بل من يقاطع، وإحساس حزب العدالة والتنمية بقوته المجتمعية في الحكومة بعد حركته الاجتماعية في المعارضة ليس معبرا، لأن ما يجري تنويعات لا يمكن تثبيتها، فيما يمكن تعويم النقابات  لا أقل ولا أكثر. ويمس إعطاء (أوكسجين) لهذه النقابات عبر نزولها إلى الشارع، وليس اعتبارها مخاطبا رسميا في المؤسسات، مصداقية النظام وليس صدقية الحكومة فقط، ومن الغريب أن نقرأ الوضع على أساس مرجع واحد: أن سقوف حركة 20 فبراير سقوف نهاية ويمكن وضع أثمانها في أي لحظة حرجة جدا.

   في نظر الجميع هناك فرصة لتقوية (النقابات) بعد تهميشها الكامل منذ فبراير 2011، وسادت قناعة سياسية أن اللعبة محصورة بين الشارع والملك الذي رد في خطاب 9 مارس، وفي هدف واحد: الوصول إلى رئاسة حكومة غير مطعون في مسارها الانتخابي، وحاليا هناك نقابات في الشارع وصراع سياسي وانتخابات قريبة، والملك بعيد عن هذه الدينامية الصراعية. وكلما اشتد النقد على بن كيران الذي قال وأكد وخاطب أن الملك هو كل شيء في المغرب، تسود قناعة بإمكان إدارة الانتخابات على أساس أن الرقم الأول في الدولة هو رئيس الحكومة، وهذه القناعة ممكنة. وإن اختار بن كيران رسائله وعباراته المسكوكة حول عدم استشارته في بعض القرارات فإنه يحرق موقعه لتعويضه بآخر، فثمن ولاية حكومية ثانية هو تحمل كل سلبيات الولاية الأولى.

 بن كيران مضطر للتنازل عن ولاية حكومية ثانية، أو تحميل الحركة الإسلامية مسؤولية ما حدث من 2011 إلى 2016

   لا يختلف المراقبون أن الإسلام السياسي الذي أصبح مؤسسيا بل حكوميا، مع حزب العدالة والتنمية يتصدر المشهد، وستضطر الحركة الإسلامية، بما أنها حركة اجتماعية منذ الثمانينات، تحمل مسؤولية نتائج الحكومة الحالية أو ترك القيادة. وفعلا، ذكر بن كيران الملك في كل المحطات والقرارات، ولا يسمح القصر أن يتحمل جزءا من سلبيات المرحلة أو من التقييم الذي يسبق 7 أكتوبر موعد الانتخابات البرلمانية. نحن أمام تحول حزب العدالة والتنمية إلى آلة دولة تنازع مثيلتها في المعارضة (الأصالة والمعاصرة) وإن فرض الحزبان الكبيران إطار 20 فبراير لتنافسهما، ستكون النتائج غير مضمونة، ولذلك قرر النظام الخفض السياسي لهذه الحركة  بحركة 24 فبراير انطلاقا من الإضراب العام لتتواصل هذه الدينامية إلى 7 أكتوبر القادم.

 حركة النقابات في 24 فبراير في الدرجة صفر سياسيا

   في إبعاد شباط عن تحالف 24 فبراير رسالة متأخرة لحزب الاستقلال، ولم يسمح النظام لمن شارك في انتفاضة 1990 في فاس أن يقود مظاهرة لحزبه ونقابته في نفس التوقيت، ويحذر حميد شباط من انفجار اجتماعي، ولكن دوائر القرار لا ترى مانعا من تصريف الاحتقان بذكاء. من المهم في إضراب 24 فبراير أن الإسلاميين لن يقودوه وأن يكون الإضراب ضدهم، وضد قرارات رئيس حكومة التي دافع عنها في مناسبات معروفة لدى الجميع. ومجرد أن يتجه المضربون إلى تحميل كل المسؤولية إلى رئيس الحكومة تطور رئيس في تقوية الدعاية المضادة لحزب العدالة والتنمية.

   وما استفاد منه حزب بن كيران في إطار الشرعية وتقدمه التدريجي سيدفعه على صعيد شعبيته في أوساط المتعاطفين معه، ويهيء رئيس الحكومة للهزيمة من الآن بالقول أن حزبه لا يسعى إلى الهيمنة، ويقرر قرارات لا شعبية لذلك، وسيدفع بن كيران ثمنا بنيويا بتآكل حزبه بشكل مستمر انطلاقا من 24 فبراير، ويتحمل بن كيران الذي فقد اتصاله بالواقع مسؤولية الحسابات التي يريد منها أن تكون محسوبة لصالحه في إطار حياد اللعبة وحياد الدولة على حد سواء.

الملك قد يكون يحبنا وبالتأكيد لا يكرهنا، وحياد الملك الذي باركه بن كيران حياد دولة في المغرب

   أزمات الإسلام السياسي غير مكتملة  بين أسلمة الحداثة في جماعة العدل والإحسان وتحديث الإسلام (العدالة والتنمية) واستحداث التقليد الذي قاده الحسن الثاني حسب قراءة حسن أوريد، ويقيم كتاب “أزمة الإسلاموية” الإسلاميين ولا يقيم عهد محمد السادس فهل ما يجري بالفعل، تقليدانية للتحديث (أي تحويل التحديث إلى تقليدانية مسوغة بخطاب مقبول وأيديولوجيا توفيقية وتبريرية). هذه الأزمات تهيء النظام إلى “نظام ذي مرجعية حداثية وليس حداثيا”، تماما كما تحول حزب رئيس الحكومة من حزب إسلامي “حزب ذي مرجعية إسلامية” أي (سابقا) كما قال بن كيران مبتسما في ضيافة حزب التقدم والاشتراكية أخيرا.

قيادة الاتحاد المغربي للشغل للإضراب العام في 24 فبراير يرفض مبدأي تسييس أو أدلجة المعركة بين حزبي الأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية

   على النظام تصريف الاحتقان الاجتماعي القادم من ظروف عامة (الجفاف) وخاصة (التقشف). وقيادة الاتحاد المغربي للشغل للمرحلة تفرضه الحسابات على الأرض، حيث تراجع الجميع كي تكون القيادة للحزبين. وسبق للأمن أن اعتقل فبرايريين (منتسبين لحركة 20 فبراير) في مسيرة ألغاها البيان الصحافي المعلن عن (تحديد 24 فبراير تاريخا للإضراب العام) في سياق ذكره للمحطات السابقة.وأمام هذه الاحتياطات التي تقوم:

ـ على قيادة نقابة (خبزية) للإضراب العام، إلى جانب نقابات حليفة.

ـ محو المسيرة التي شارك فيها فبرايريون من أجندة النقابات الثلاث.

   ـ إبعاد شباط عن التحالف الثلاثي.

   ـ عدم اختيار أي مظهر جماهيري في الإضراب العام.

ـ يوم صامت ضد الحكومة.

   نكون أمام تأطير مسبق لإنجاح إضراب عام لا يستثمر الشارع بقدر ما يستثمر الخوف والجلوس في البيوت لإنجاح هذه التظاهرة. ولا تحجب هذه الإجراءات كسر الخوف في أي لحظة والنزول إلى الشارع، خصوصا وأن ظل 20 فبراير لن يمسه تحرك 24 فبراير، واختار الجميع أن يلعب بالنار وإدارة حرارة الشارع.

 الخروج إلى الشارع قد ينهي منظومة الدفاع الشعبي المدني

   خوف بلال التليدي الصحافي من حزب العدالة والتنمية مما دعاه انهيار منظومة الدفاع الشعبي والمدني قد يساهم فيه بن كيران نفسه بالاحتكام إلى الشارع، في لحظة تتسم المعارضة فيها بالضعف، كما قيل، لكن المعارضة الصامتة والمقاطعة أقوى من أي وقت مضى، واليوم يواجه الإسلاميون انهيار هذه المنظومة من خلال الضغط الداخلي في الحزب المهدد بدكتاتورية الزعيم، والضغط الحزبي من حزب الأصالة والمعاصرة أو ما يدعى بالتحكم، ومن ضغط الشارع، فيما يسود اعتقاد أن الضغوط الأخرى تأتي تترى أمام أول انهيار لشعبية رئيس الحكومة.

   إن السعي الحثيث لمنع أو تخفيف التوترات مع القصر يفرض أيضا عدم دفع الصراع السياسي إلى الشارع من أجل إنعاش المعارضة الرسمية (أحزابا أو نقابات) لأن قوة حزب العدالة والتنمية من الشارع نفسه. وانقسام الشارع خطير على الإسلاميين لكنه يقوي “التحكيم الملكي” ولاشك أن يكون الشارع والحكم وجها لوجه.

 تحذير الجميع من الأشكال الاحتجاجية غير الرسمية التي تقود الشارع

   لا يختلف تحذير نبيه بن عبد الله عن تحذيرات مماثلة من دوائر القرار الإعلام الغربي، لأن فقدان السيطرة وانتقال قيادة الشارع إلى المعارضة غير الرسمية حالة متوقعة في حدود مواصلة الاحتجاجات، والمهم أمنيا إعادة تنقية الشارع باعتقالات مماثلة لما وقع لحركة 20 فبراير، نتيجة التجاوز المحتمل للمتظاهرين، بانتقال السقوف الخبزية نحو المطالب السياسية. ويرى الصحافي “بول شيم” من صحيفة الفاينشال تايمز أن حزب العدالة والتنمية يعطي صورة البديل النظيف، ويصف بن كيران (بأنه رجل برغماتي وحذر يعرف أين توجد السلطة) فهل ينظر أين يوجد الغضب وما يريده الشعب، أيضا؟

الشعب في مواجهة الشعبوية

   أن تلجأ دوائر القرار لتقوية معارضتها الرسمية من خلال النقابات في ظل شعبوية الأحزاب ضربة مكعبة لعزل خطابة بن كيران، وباقي زعامات الأحزاب المعتمدة على المزايدات. وتعزل هذه الحركة كذلك شارع 20 فبراير بشارع آخر، وأيضا تتمكن الدولة من تعزيز قوة دوائرها البيروقراطية، في مواجهة الأحزاب التي تقود المشهد بفضل دستور 2011.

ومن المهم في المرحلة:

   أ ـ تقدم النقابات عن الأحزاب، وكما يرضى رئيس الحكومة أن يكون لاعبا من الدرجة الثانية في النظام السياسي عليه أن يقبل وصول  حزب آخر إلى رئاسة حكومة يشارك فيها حزب العدالة والتنمية، ويقبل أيضا أن يكون خلف الشارع والنقابات قبل استحقاق 7 أكتوبر وبعده. ولم يختر الإسلاميون بعد 2011 العزلة والرفض عندما قبل حزب العدالة والتنمية أن يحكم إلى جانب أحزاب طالما انتقدها وسماها فاسدة، وقبلت جماعة العدل والإحسان التعاون مع الماركسيين والفضلاء الديمقراطيين وسمعت منهم في الذكرى الثالثة لوفاة زعيمها عبد السلام ياسين، وهو تطور كبير في الاتجاهين.

   ب ـ التقدم على المحافظين، وتطمح أطراف من الدولة أن يكون التناوب الحقيقي بين الحداثيين والمحافظين وليس بين حزبين كبيرين.

   ج ـ تقييم السلطة الذي رضي به بن كيران، وتقول عنه أين وينسكوت (أستاذة العلوم السياسية بجامعة سانت لويس) أنه (يجعل رئاسة الحكومة تتحمل كل القرارات لكنها لا تنال ثمارها بالضرورة) وتريد في مرحلته الجديدة أن يقبل حزب العدالة والتنمية بتقسيم السياسة بين نقابات وأحزاب، وبتقسيم للشارع لدفن حركة 20 فبراير وما نتج عنها: حكومة يرأسها إسلامي

   وفي الحقيقة فإن استعمال بن كيران للسلطة الوحيدة الحقيقية الموجودة بين يديه، أي الإعلام، لا يزال  مفتوحا، و اضطراره للنزول إلى الشارع خيار سيخدمه ويقويه. ورغم محاولة عزل النقابات عن السياسة في حركتها التي تبدأ مع نهاية فبراير 2015 لعزل بن كيران، فإن لا أحد يتحكم في الشارع، وجدد بن كيران عهده بعدم النزول إلى الشارع فيما قد يسمى (الوعد المعروف بدار الصبيحي) بين حزب التقدم والاشتراكية وحزب العدالة والتنمية قبيل نزول المواطنين في حراك 20 فبراير 2011.

   د ـ الخبز مقابل السياسة، لتنفيس الاحتقان الاجتماعي دون تغيير في الهندسة السياسية الجديدة المسطرة في 2011، ولا مجال للمناورة.

النقابات تطالب بالمرونة التي يتمتع بها بن كيران، وإعادة التوازن بين الأحزاب والنقابات جزء من سياسة الدولة قبل الدخول في حكومة جديدة

   دفن بن كيران اتفاق أبريل بين النقابات والأحزاب وبين الحكومة والنقابات، ولا بد من اتفاق جديد لتمديد السلم الاجتماعي المترنح. ولا تتعلق المسألة بأكثر مما هو موجود في الطاولة التي تجاوزها رئيس الحكومة معتمدا على دعم مناسب من القصر لإقرار الإصلاحات، وإحداث توازن بين الاجتماعي السياسي، والنقابات والأحزاب، والإصلاحات الاقتصادية وهي “ضرورة دولة”. ولا يمكن إقفال تنزيل القوانين التنظيمية وكل المرحلة الانتقالية والإصلاحات الهيكلية، دون تجديد الأفق وترتيب السلام الاجتماعي.

   ومن الخطير بناء “توازن” سياسي وحزبي دون إعادة التوازن بين النقابات والأحزاب، ومن الأخطر عدم بناء سلم اجتماعي على ضوء التوازنات الموجودة.

فصل النقابة عن السياسة مقولة ثانية وتأسيسية لنظام ما بعد 20 فبراير 2011، وهي  المرحلة الحرجة التي تدعو فيها المعارضة اليسارية، ومنها وسط اليسار الذي يمثله حزب الأصالة والمعاصرة، إلى فصل السياسة عن الدين للحد من قوة حزب العدالة والتنمية وتعزيز رابطة الدين والدولة في إمارة المؤمنين، وفصل الدين والنقابة عن السياسة يستهدف الأحزاب وشعبيتها

   قد تكون تجربة إعادة بناء النقابات في دستور 2011 مؤثرة واستراتيجية في الميدان، والفرصة مواتية في الهندسة الجديدة للدولة ونظامها ما بعد 2011، ولا يعقل بأي حال أن يتحرك النظام إلى تبني الجهوية دون سلم اجتماعي صلب، فالجفاف في سوريا هو مفجر الثورة، كما يقول الأمير تشارلز وليس شيئا آخر. ويواجه المغرب نفس القسوة في 2016 و2017 بفعل الجفاف، ومن المحتمل جدا أن يسقط الجفاف هذه الحكومة أكثر مما يتوقع أصحاب القرار.

   ومن الغريب أن نجد بن كيران مزدوجا، بين عدم قلقه من سقوط حكومته، ورغبته الشخصية في ولاية ثانية، ومن الحصيف القول أن المغرب ترك للنظام أن يدير عملية حساسة، فولايات رئاسة الحكومة مفتوحة، ويمكن للشعب أن يجدد مرات لا محدودة ثقته في حزب يرأس رئيسه الحكومة. ويعتمد النظام المغربي على إعادة التوازن في كل لحظة حفاظا على التعددية، إحدى المبادئ الما فوق دستورية التي أقرتها الدساتير السابقة، وشكلت سقف اللعبة في أي مرحلة.

   ولا يخشى النظام من حرق النقابات للحدود السابقة والمسطرة تحت في الدستور السابق ، والمتواصلة إلى الآن، بل يريد التواصل معها، وقد تستقيم معها صفقة تونس التي حملت ، فيها النقابة الرئيسية في البلاد إلى جانب الحقوقيين،حزب النهضة على التنازل عن الحكم، وهو متوقع في المغرب أيضا.

الحس النقابي الذي أسقط حكومة النهضة في تونس مؤهل أيضا لإسقاط حكومة بن كيران في المغرب

   أسقطت النقابة المركزية وحلفاءها في تونس حكومة النهضة في تونس، ومن المرتقب أن تدير تحالف النقابات الثلاث: الاتحاد المغربي للشغل والفيدرالية والكونفدرالية في المملكة عملية إسقاط آخر حكومة يقودها إسلامي في المنطقة، وهذه التجربة، مع تعديلات مغربية معروفة، مؤهلة لأخذ الأبعاد اللازمة التي توفر البيئة والحدود والأفق الممكن لتولي حكومة أخرى عقب انتخابات 2016.

   من المهم عند بن كيران، أن تبقى الدولة محايدة في الصراع الحزبي، وأن تدير توازنها دون مساس بموازين القوى أو انتهاج سياسة تضعف جانبا وتقوي آخر، وبدأت هذه الموازين ترجح كفة المنتخبين مقابل كفة الملكية، كما يرى المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، وتقترح بعض الأوساط ضرورة تعديلها نحو تحكيم الملك بين النقابات وأحزاب الأغلبية، وهو ما يمهد لرسم خارطة طريق للحكومة الجديدة من قلب حركة فبراير لكن بموعد آخر وحسابات أخرى.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!