في الأكشاك هذا الأسبوع
مدير "الأسبوع" مصطفى العلوي يقدم عرضا في ملتقى القضاة بأكادير عن التكامل بين القضاء والصحافة

الحقيقة الضائعة | قاضي صحفي: نحن القضاة.. نزلنا بالقضاء إلى الحضيض

بقلم: مصطفى العلوي

ارتبطت ظروف إصلاح المجتمع الفرنسي المواكبة للثورة الفرنسية، بظهور تعبير تناقله الكتاب والمؤرخون وأسموه: ((أثار جروح القضاء، les cicatrices de la justice))، لأن ضربات القضاء، التي يوجهها القضاة طبعا تبقى غائرة في الأجسام والأذهان، وقد تشفى الجروح، وتبقى أثارها.

   ولكن قبل الثورة الفرنسية وبعدها، تناقلت سجلات التاريخ أسماء قضاة مسلمين ضربوا المثل الأعلى في تحويل بعض الأحكام القضائية، إلى شفاء للناس، وحتى عندنا، هناك قضاة اخترقوا دهاليز المظالم، وفضلوا رضى الله، عل إرضاء الملك، ورضى الله على تعليمات الوزراء والجنرالات، ورضى الله على خناشي الملايين التي يقدمها تجار الحشيش.

   وغير بعيد منا هناك على الضفة الإسبانية، يتتبع العالم باهتمام كبير هذه الأيام، محاكمة ابنة ملك إسبانيا خوان كارلوس، بتهمة التلاعب بأموال الأمة لفائدة زوجها، لأن القضاء العادل هو إسمنت كيان الدولة، ولا مبالغة إذا ما ربطنا العدالة والقضاء، بالصحافة والإعلام، وكان ذلك موضوع العرض الذي قدمته في الملتقى الكبير لقضاة المغرب منذ أسابيع قليلة في أكادير، بمحضر وزير العدل، وكثير من الحقوقيين، بعد أن ارتأى رئيس الرابطة المنظمة لذلك التجمع، أن يقدم الصحفي مصطفى العلوي عرضا عن التكامل بين القضاء والصحافة، حيث صفق مئات القضاة الحاضرين، مباركين ذلك التعاون الذي دعمته أمامهم، بنموذج لحادثة كانت تشكل منتهى التكامل بين القوتين: العدالة والصحافة.

   في سنة 1967، وأثناء محاكمة الكولونيل المغربي أحمد الدليمي في ملف اغتيال الزعيم المهدي بنبركة، ذكر المتهم الدليمي، أنه غادر باريس صباح الاختطاف، بينما الاختطاف كان بعد الظهر، واستدعت المحكمة بطلب من دفاع الدليمي، صاحب المقهى التي ادعى الدليمي أنه توقف بها فجرا مع سائق التاكسي، ليحتسي كأسا من القهوة، في طريقه إلى مطار أورلي، وجاء صاحب المقهى للمحكمة مع زوجته، وقال للمحكمة: نحن نجر البوابات الحديدية للمقهى في الواحدة صباحا، لتقتنع المحكمة بأن الدليمي كاذب، وتقرر رفع الجلسة للمداولة، لولا أن أحد الصحفيين، كان قد توجه إلى نفس المقهى، بعد شهادة صاحبها، فاكتشف أنه مقهى لا يتوفر على بوابات لا حديدية ولا خشبية، مفتوح ليل نهار.

   وقد قدم محامي الكولونيل الدليمي، الأستاذ مجيد بن جلون طلبا للمحكمة بتأخير المداولة، حتى تتأكد من كلام الصحفي، وذلك ما حصل، فأصدرت المحكمة حكمها ببراءة الدليمي.

   كذلك وفي سياق الانفتاح الإعلامي الذي يعرفه المغرب، تلعب بعض الصحف(…) دورها في تنوير بعض القضاة خصوصا في هذا البلد الذي يكتنفه الغموض، والتلاعب في بعض محاضر الشرطة، وحتى البراعة التي جعلت بعضهم يغير الهويات والأسماء والعناوين، فأحرى تزوير الوثائق، لتنمو شكوك كثير من القضاة، لنقف لحظة أمام ضريح ولية رباطية يزورها الكثيرون، واسمها للا القاضية، في شارع القناصل، بينما هي لم تكن قاضية، وإنما كان زوجها قاض محترم بالرباط، اسمه أحمد بن عشرة، كان متعودا على عقد جلسات الحكم في بيته، وكانت زوجته تحضر الجلسات من وراء حجاب، فعندما يخطئ أو لا يفطن لبعض الجزئيات تحنحن له زوجته من وراء الحجاب، ولذلك وبعد موتها سمي ضريحها، إلى الآن باسم ضريح للا القاضية.

   فرق كبير إذن بين القاضي زوج للا القاضية، وبين القاضي بوماليطة(…) الذي توسعت الصحف في فبراير 2015 في البحث عنه بعد أن صرح أحد المعتقلين في سجن تطوان، رقم اعتقاله 14467، وأعطى اسم القاضي، الذي باع براءة أحد تجار الحشيش بسبعمائة مليون.  

    فما بال يا ترى هذا القاضي المسمى رشيد مشقاقة، وغريب أن اسمه مركب من قافين وشين، مثل اسم قاض قبله كان يسمى قراقوش، أصدر في حقنا منذ أسبوع (أخبار اليوم. عدد 9 فبراير 2016) حكما قراقوشيا، وليس مشقاقيا، حين
كتب
في عموده الشبه يومي ((إن صاحب كتاب “الحسن الثاني الملك المظلوم” كتب أن الحسن الثاني قال: أنا لن أكون قاضيا)) ورغم أن سرد المؤلف لهذا التصريح الملكي، جاء مسنودا بالمراجع التاريخية: ((حين علم الحسن الثاني عبر مخابراته، أن كومندو إسرائيلي سري جاء للمغرب، واختطف مواطنة مغربية يهودية سبق لها أن قتلت زوجها، وعندما قدمت للقاضي في الدار البيضاء لمحاكمتها، أعجبته.. فبرأها وتزوج بها، فقرر الملك الحسن الثاني توقيفه عن العمل، فيم عرضت زوجته بتهمة قتل زوجها على محكمة إسرائيلية، بينما أصبح القاضي الموقوف محاميا)) (الحسن الثاني الملك المظلوم).

   الحسن الثاني، بعد أيام كان يرأس مجلسا للقضاة، يوم 31 مارس 1982، ألقى فيهم خطابا متأثرا بهذه الحادثة وقال للقضاة: ((أنتم لديكم مسؤولية أكثر مما لدي، أنتم يمكنكم أن تفقروا عائلة، ويمكنكم تشريد ورثة، وأيتام ومحاجير، ويمكنكم أن تحرموا فردا في المجتمع من حريته خمسة عشر، أو عشرين عاما، ويمكنكم أن تحرموه من حياته(…) ولو كان لي اختيار مهنة.. والله ما كنت أختار مهنة القضاء)) (انبعاث أمة. العدد السابع).

   لقد كان بإمكان القاضي الصحفي(…) علما بأن الدستور في فصله 111 يعطي القضاة ((الحق في حرية التعبير (لكن) بما يتلاءم مع واجب التحفظ والأخلاقيات القضائية)) كان بإمكان السي مشقاقة أن يعلق على كلام الحسن الثاني، لولا أنه اقتعد مكتبه وتخيل أنه مطالب بإصدار حكم على الصحفي، وكثيرهم الذين يشعرون بمركب الخوف من الصحافة، وربما خلط مشقاقة في ذهنه بين مصطفى العلوي وزير العدل، الذي سبق أن نسي القاضي مشقاقة طويلا في محكمة الرماني بلا سكن ولا مكان، فقرر ضرب صاحب الاسم، الصحفي مصطفى العلوي، وهو ابن العم الشقيق للوزير مصطفى بن محمد بن العربي، ومدير “الأسبوع” هو مصطفى بن الطيب بن مصطفى بلعربي، وبدون شفقة ولا رحمة يكتب القاضي مشقاقة، معلقا على نقلنا لتصريح الحسن الثاني، بأنه لن يكون قاضيا، ومصدرا حكما خاليا من كل التحفظات الأخلاقية، حين كتب: ((إن هذا السرد جاء في سياق الحالات المعزولة، والشاذة(…) يتحمل فيها الكاتب الصحفي، مسؤولية إخفاء النية، الغير السليمة تجاه القضاء، والاصطياد في الماء العكر(…) وتقديم السم في الدسم، وتأليب الصدور على القضاة)).

   اعتبار سعادة القاضي لنقل تصريح رسمي للحسن الثاني، إساءة للقضاء، وتأليبا على القضاة، يعتبر منتهى الديكتاتورية الفكرية والجبروت القانوني، ولو كنت من دعاة ما يسميه بعضهم دعوة دعوة دعوة، لرفعت به شكاية بالقذف، لولا أني أتوفر على ضمانة المحكمة العليا التي يلجأ إليها، الغير مستعجلين، في انتظار تدوينها للتاريخ الذي يمهل ولا يهمل.

   فلن يجد القراء الأوفياء في صحفي وكتبي، أي تلميح في كتاباتي لظلم سبق أن تعرضت له من طرف هذا القاضي المشقاق، ولا نقلنا خبر إطلاق مجموعة من القضاة عليه في صفحات جريدة الصباح، سموه فيها شرطي المرور.

   وقد كان في الحكم الذي أصدره ضدي في المحكمة الاستينافية بالرباط بصفته رئيسا ومقررا (القضية 20/10/76. الحكم 2625)، حين أرادت الأجهزة المعلومة، التي تسخر رجال شرطتها سريين وعلنيين(…)، أن يحققوا الغاية التي وصفها محامي “الأسبوع” عبد الواحد بنمسعود في مذكرته للمحكمة ((بأن الهدف من هذه المحاكمة هو معاقبة مدير الجريدة بأي وجه، وإخماد صوت جريدة الأسبوع وتحطيمها بالحكم عليها)).

   وحين لجأت الجريدة للاستيناف، الذي يصلح الأخطاء الابتدائية، وصادف أن الملف، أسند للأستاذ مشقاقة، فوجئنا بالخلفيات التي حركت نفس القاضي، الذي انطلق فينا سبا وقذفا لأننا نقلنا تصريحا للحسن الثاني.

   ولكن انشقاق القاضي مشقاقة عن التيار الإصلاحي للغاية من الاستيناف، كشف تبنيه لأطروحات ضرب الصحافة، واستعمال كل الوسائل لظلمها، فقد طعن الحكم الاستينافي الذي أصدره القاضي مشقاقة تجاه “الأسبوع”، في حق إحضار الشهود، الضمانة الوحيدة التي تركها قانون الصحافة، واقرؤوا هذه الفقرة أيها الصحفيون في الحكم الذي أمضاه الأستاذ مشقاقة: ((يحكم على مصطفى العلوي، وإن كان أدلى بالوثائق والصور والعناوين، لتأكيد صحة ما أورده مقاله، فإن ما يعاب عليه(…) أنه استعمل مفردات وكلمات، تلقى في روع المتلقي، هول المصيبة)) (الحكم 2625 بإمضاء مشقاقة).

   وكان الرئيس القذافي قبل أن يدفع روحه مقابل جرائمه، قد نكل بمجموعات من المغاربة وسجنهم ومن يموت منهم يرميه في الحفر، فكتب المواطنون المغاربة شكاية للأسبوع وبعثوا أسماء الضحايا وعناوين الشهود ليجدها بعض مرتزقة وزارة الخارجية، فرصة للتنكيل بالأسبوع ورفعوا على الجريدة قضية لتبرئة القذافي من جرائمه، مخالفين بذلك ما كشف عنه الملك محمد السادس في أطروحته عندما كان وليا للعهد، من رغبات القذافي في تعريض الحسن الثاني للخطر والتصفية. فحكم على الجريدة بأداء ثلاثمائة مليون، وكان محامي الجريدة الثاني، الأستاذ إبراهيم الراشدي حاضرا، فقال مازحا احضروا لنا القذافي نعطيه 300 مليون، لأن القذافي كان قد مات، لكن قاضي الاستيناف، مشقاقة برر هذه الإدانة وكتب وأمضى على الفقرة التالية، وانظروا القاضي الذي يبرر تدخل وزير العدل في القضاء: ((وحيث أن وزير العدل، وجه كتابا للسيد وكيل الملك يلتمس منه اتخاذ الإجراء القانوني المناسب بخصوص المقال المذكور)) (نفس الحكم).

وعن الحتمية القانونية باستدعاء الشهود، كتب القاضي مشقاقة، وسجلوا أيها الصحفيون: ((بوسع المحكمة أن تعلل قبولها أو رفضها استدعاء الشهود، ولا يترتب عن ذلك بطلان الإجراءات لأن المحكمة تعلل في موضوع الشهود وتقرر قبول استدعائهم أو عدمه)) (نفس الحكم).

   وحمدا لله على أن المشرع المغربي ترك للمظلومين حماية المجلس الأعلى للنقض والإبرام، حيث انبرى قضاة هذه المؤسسة المقدسة، إلى رمي الحكم الذي ترأسه القاضي مشقاقة والرد على حكمه المرصع في 23 صفحة، بفقرة من سطرين قال فيها مجلس النقض ((إن المجلس الأعلى يعتبر أن رفض استدعاء الشهود يعرض الحكم للنقض)).

حقا، يبقى المنطق الموضح لما يقض مضاجعنا، واردا في حقائق ثابتة بارك الله في قائلها: ((أيقنت أننا لا نعرف ماذا تعني صفة قاضي التي نحملها، إننا نصارح نفسنا عن تراجع هيبة القاضي، إننا نحن القضاة التي نجرها إلى الحضيض)).

   صدق قائل هذه الحكم، ولتطمئنوا، فقائلها هو القاضي مشقاقة نفسه، في سياق ما كتبه في المقالات التي يكتبها معترفا بأن القضاة هم الذين يجرون القضاء للحضيض.

   وصدق الحسن الثاني، مرة أخرى، ونحن ننقل مقولته المصيرية، عل القاضي مشقاقة يصدر علينا حكما آخرا عقابا لنا على نشرها: فقد قال الحسن الثاني: ((إذا بقيت هناك وصمة في جبين المغرب، فهي وصمة العدلية، أوضاع تجعل الناس يتذمرون من المحاكم)) (خطاب ملكي. 21 مايو 1973).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!