في الأكشاك هذا الأسبوع

تجربة تعليمية أمريكية لإعداد قادة الغد في المغرب

بقلم: محمد بركوش

   لم أتأخر ولو لوهلة في حضور الجولة التي نظمتها الخميس الماضي، جمعية تعمل في الظل بدون بهرجة في مجال إنساني محض، تسمى «تيبو المغرب» تحت عنوان بفروع متنوعة «تيبي هاندي باسكيت تور»، نظمتها في رحاب الأكاديمية الأمريكية بالمغرب، التي تمتد على مساحة شاسعة جدا تتجاوز أربع هكتارات، وتتميز كما ورد في كلمة تعريفية بمعمار قل نضيره، يقوم على شكل «قوقعات» متشابكة ومتداخلة، يجمعها أو تحتويها ساحة مشيدة على «النمط اليوناني» وبطريقة هندسية عجيبة، تسهل على الإداريين والأطر المكلفة «تتبع أنشطة التلاميذ والمدرسين داخل الحجرات وخارجها، سواء بطريقة مباشرة أو بواسطة كاميرات مجهزة أحسن تجهيز، كتلك التي تتوفر عليها المؤسسات التعليمية الأمريكية” (360 كاميرا).

   الجولة التي كانت بمثابة تظاهرة رياضية كبيرة، والتي أشرفت على انطلاقتها شخصيات بارزة في عالم السياسة، والمال، والدبلوماسية، والمجتمع المدني، كانت مصوبة، إن صح التعبير، نحو الأطفال والأشخاص بذوي الحركة المحدودة في بعض المدن المغربية، ابتداءا من نقطة الانطلاق، وهي مدينة بوسكورة “المتنفس الوحيد الذي ساهم في فك معضلة الاختناق التي تعيشها العاصمة الاقتصادية”، التي نالت إعجاب كل الزوار الأجانب، وأخذت من اهتمامهم المتزايد نظرا لما تتمتع به من هدوء عجيب (الغابة) واستعداد تام لتقبل الوافد والتعايش معه بشكل حضاري خال من العصبية والتشدد، وما يميزها من تطور ملحوظ وتقدم مشاهد “المدينة الخضراء المشيدة على الحدود مع البيضاء” بفضل طبعا، جدية المسؤولين عن المنطقة، وحيويتهم، وتجاربهم الناجحة في مجال التدبير والتسيير، قلت الجولة نظمت بشكل رائع ومتقن لا مجال فيه للصدفة أو الارتجال كما قيل، رأى فيها رئيس جمعية “تيبو المغرب” محمد أمين كل مقاييس النجاح المبهر والفائدة المرجوة، نظرا لكونها جاءت بعد دورات سابقة حققت هي الأخرى تراكمات من النجاح والاستقطاب، وعجلت بزيادة الاهتمام بالمؤسسة ومضاعفة الجهود، وأيضا «لبلوغ برنامج الشراكة مع السفارة الأمريكية مرحلة من النضج»، رفعت من منسوب الدعم والاستفادة وجلب الأنظار إليها من كل حدب وصوب، “الدورة استقطبت مائتي مشارك جديد بأعمار لا تتعدى 18 سنة، ولا تقل عن ست سنوات، وخمسين متدربا أو إطارا”.

   الأكاديمية الأمريكية بالمغرب والتي تقع في منطقة «كازا غربي تاون» معروفة على المستوى الوطني، منذ نشأتها سطرت، كما قيل، في كلمة رئيسها سعيد كوحيلة، أهدافا نبيلة، لا تخرج عن الأهداف الخاصة بالمؤسسات التعليمية، والتي هي إعداد الأجيال القادمة لتحمل المسؤولية بحس وطني مؤهل «للمساهمة بشكل فاعل في المجتمع، عبر تكوين وإعداد قادة الغد من تلاميذ يستفيدون من تجربة تعليمية أمريكية فريدة» داخل فضاء بتصميم عالي الجودة على يد الخبير الدولي “فرانك لوكر”، يتميز جزء هام منه عن باقي الأجزاء الأخرى بتوفره على بنية تحتية خاصة بالتلاميذ ذوي الاحتياجات الخاصة، فرض وجودها وبكثير من الإلحاح والإصرار ما وقع لأحد الأطفال، حين تخلت عنه كل المدارس والمعاهد ورفضت جميعها بدون استثناء، تسجيله أو قبوله كمتعلم بها نتيجة إعاقة رافقته منذ أن رأى النور وخرج إلى الضوء، وبسبب انعدام الوسائل المسهلة لتحركه بكل حرية، وانتقاله بكل يسر وسط المدرسة، وبدون مضايقة أو سخرية أو حتى مساعدة مطبوعة بالشفقة، وتلقيه لدروس وممارسته للعبة الرياضية المفضلة لديه.

   الجولة التي سجلت حضورا متميزا، ومن مستويات عالية، خصصت هذه المرة للتشجيع على الافتتان وعشق كرة السلة وتحبيبها بشكل عملي ومقنع لكل الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، ولذلك ظل ملعب الكرة الخاص بالأكاديمية الأمريكية مفتوحا على مصراعيه طيلة يوم الخميس ما قبل الماضي، وكأنه يرحب بالجماهير ويدعوها للإقبال عليه ومشاهدة شخصيات بارزة في عالم المال والسياسة والدبلوماسية تشجع بكل الوسائل على ممارسة اللعبة، وتزرع الأمل في نفوس «المعاقين»، وتدفع بهم للتخلص نهائيا في عقدة النقص الوهمية، التي كثيرا ما تكون سببا في «فشل مشروع بطل» كما عبر عن ذلك أحد المتدخلين، والخروج من سيطرة أو ظل تلك العقدة بالاندماج والتعايش وفرض الوجود، والاستمرار في التداريب التي يشرف عليها أبطال عالميون لهم مكانة وسمعة وتجربة مكتسبة بالدراسة والاحتكاك وملازمة تطور اللعبة وقوانينها.

   السفير الأمريكي بالمغرب السيد «دواين بوش» تفاعل مع الحدث بشكل مثير للإعجاب والرضى معا، (وهي عادة السفير في كل اللقاءات والاحتفالات التي يحضرها)، حيث انضم إلى جوقة اللاعبين ودخل إلى رقعة الملعب على كرسي متحرك، وهو يبتسم من الأعماق ابتسامة معبرة ومترجمة لما يكنه السفير الأمريكي لهذه الفئة من احترام تام وتقدير شامل، وحاملة في نفس الوقت لرسالة بكل ألوان الورد ولكل الأديان والأجناس، رسالة إنسانية واضحة تقول بآدمية  الفرد وحقه في الحياة والمتعة والبسمة على الدوام، وأيضا حقه في التعلم واكتساب المهارات، وخوض المعارك الحياتية ولو على حافة كرسي متحرك، واستطاع السفير الضاحك والمبتسم والدينامي النشيط أن يستغل الفرصة استغلالا دبلوماسيا، وذلك بعقد ندوة صحافية تكلم فيها بلطف وهدوء، وبلغة خالية من الإطناب والحشو كما يقولون، لم ينس أن يشيد من خلالها بالعلاقة المغربية الأمريكية الضاربة في الأعماق “منذ اعتراف المغرب المشهور”، والمتميزة بالاحترام المتبادل الذي لا غنى عنه في خلق علاقات ذات مستوى جيد، معربا عن إعجابه الكبير بالأكاديمية التي تعتبر جسرا متينا للتبادل الثقافي يبين الدولتين أو المجتمعين»، ومنارة تفرز “منتوجا تعليميا دوليا يروم”، حسب قول رئيس الأكاديمية» في بعده الأساس بناء شخصية منفتحة قابلة بالاندماج بسهولة في كل المجتمعات، والتكيف مع الآخر كيفما كان، دونما نظر إلى جنسه أو لونه أو دينه، اعتمادا فقط على الجدية والكفاءة والدرجة الرفيعة، كما ذهب إلى ذلك الرئيس الأمريكي أوباما عند إشادته مؤخرا ببطلة المسايفة ابتهاج محمد، ووصفها بالرائعة بحجابها، وتشجيعه لها لتضمن التأهيل إلى أولمبياد ريو دي جانيرو 2016.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!